إضافة تعليق جديد

مزيج من النسوية

مزيج النسوية الذي بداخلي يتيح لي أن أرى قضايا النساء من منظور أشمل.

أنا نسوية من اليمن وإثيوبيا والسويد، وفكري النسوي مزيجٌ من النسوية العربية والأفريقية والأوروبية. هل يمكن أن أُعرّف نفسي بكل ذلك دون نعتي بـ"كارهة للرجال" أو "عبدة - سوداء" أو "مستغرِبة"؟ أتساءل لأني أعرف بعض التعليقات السلبية التي ستصلني، فقد وصلتني من قبل.    

الحديث عن النسوية في كل تلك المجتمعات يثير ردود فعل سلبية؛ نعم، حتى في السويد. لكن بالتأكيد تأتي ردود الأفعال السلبية تلك بشكل أكبر من المجتمع العربي - وبالتحديد اليمني - الأمر الذي يجعلني في مرات كثيرة أتردد قبل أن أكتب عن أفكاري النسوية، فالأمر يعتمد على مستوى الطاقة لدي لمواجهة أعداء النسوية، وما أكثرهم. في الوقت نفسه، هناك فئة كبيرة لم تسمع بعد بكلمة "نسوية" من الأساس، أو أنهم سمعوا عنها وأساءوا فهمها، كالاعتقاد بأن النسويات "كارهات للرجال". 

هناك أكثر من نسوية واحدة بداخلي؛ فبفضل تعدد جذوري وأماكن إقامتي، أتمتع بـ"مزيج من النسوية" يجمع ثلاث هويات وثقافات، وما يحيطها من سياقات حضارية وسياسية واقتصادية لكل بلد. 

تقول الكاتبة النسوية الأمريكية بيل هوكس، في كتابها "النسوية للجميع" أن النسوية هي نظرية تخص الجميع، من رجال ونساء، معاً، في كل أرجاء العالم. بل أهم من ذلك، تؤكد هوكس على أن الفكر النسوي لايواجه فقط النظام الذكوري العالمي وإنما يتقاطع أيضًا مع النضالات الأخرى كحركة مناهضة العنصرية والنخبوية والإمبريالية والرأسمالية، فالسياسات النسوية تأخذ بعين الاعتبار قضايا العرق والرأسمالية والجنس، للقضاء على الاضطهاد المتصل بالنوع الاجتماعي.

النسوية ليست حصرًا على الغرب أو العرق الأبيض أو النظريات الأكاديمية

كان من المهم لي أن أتعرف على أفكار هوكس حتى أدرك أن النسوية ليست حصرًا على الغرب أو العرق الأبيض أو النظريات الأكاديمية، وبذلك بدأت أوسع مفاهيم الفكر النسوي في ثقافتي اليمنية والإثيوبية والسويدية، بطبيعة الحال.

* * *

بحكم قرابة موقع البلدين، وجد أجدادي الرجال اليمنيين أديس أبابا في إثيوبيا مقصدهم بعد أن هربوا من جحيم المجاعة والصراعات في اليمن في فترة الأربعينيات والخمسينيات. تزوجوا بجداتي الإثيوبيات وكونوا عائلات وأطفال. مع منتصف السبعينيات دخلت إثيوبيا في دوامة حرب أهلية ومجاعة وعنف ونزوح، والتي ستفتك بأرواح حوالي مليون ونصف إثيوبي وإثيوبية على مر قرابة عشرين سنة تالية. مع بداية الحرب قرر أجدادي العودة إلى الوطن الأم (اليمن) مع أطفالهم. ولدت وأنا أشعر بأني "يمنية من أديس أبابا". نشأت في اليمن لكني كنت أتردد على إثيوبيا كل سنة خلال فترة الصيف.

كانت جدتي الإثيوبية من جهة الأم مَثلي الأعلى. رغم كونها أمية، كانت تتمتع بشخصية قوية، كما كانت مستقلة اقتصاديًا حيث أدارت عملها الخاص بنفسها. ربّت جدتي أمي على أن تكون متعلمة وقوية الشخصية ومستقلة اقتصاديًا أيضًا، ومن ثم ربتني أمي على ذلك هي الأخرى.

مرت الأعوام وكانت صدفة أن أتخذ من السويد بلدًا ثالثًا بعد أن اضطررت للبقاء فيها لأسباب سياسية. ومع الوقت تعرفت على العديد من النسويات والنسويين، لكني لم أنسى أبدًا جدتي، فهي أول نسوية عرفتها في حياتي.

لم أعرف النسوية من الإنترنت أو من كتاب معين وإنما من جدتي الإثيوبية. فلا جدتي ولا أنا سمعنا عن كلمة "feminism" وقتها. كانت جدتي تُكرر دائمًا أن لا فرق بين الرجل والمرأة إلا بالعمل والاجتهاد. ومن ثم تعلمت النسوية من أمي التي واجهت عنف والدي وعدم مبالاة النظام القضائي في اليمن على مر خمس سنوات لتلبية طلبها للحصول على الطلاق. لكنها أصرّت، وبعد خمس سنوات أخيرًا كان لها ما أرادت. كانت أمي تكرر أنه "كما من حق الرجل أن يطلّق، فلا بد من أن يكون من حق المرأة أن تطلق، لا بد من عدم التفرقة في الحقوق بين الجنسين". وأنا، أخذت كل تلك القيم معي إلى السويد وطبقتها، بل ووسعتها.

وجدت المجتمع السويدي يضغط عليّ بطريقة دبلوماسية حتى أكون نسوية، فكانت ردة فعلي الاستغراب؛ فأنا نسوية عن بكرة أمها وجدتها. أليس ذلك واضحًا بما فيه الكفاية؟ وجدت أن هناك فروقات بين سُبل النسوية التي عرفتها وذلك بسبب العوامل المختلفة التي شكلت كل واحدة منها.

في السويد أجد نفسي في مواقف كثيرة أدافع فيها عن النسوية العربية

وفي حين تتشارك إثيوبيا واليمن في تاريخهما المليء بالحروب والفقر وتأثيرات ذلك على مؤسسات الدولة، لم تشهد السويد أي حرب منذ أكثر من 200 سنة غير أن لها ماضٍ استعماري في أمريكا وأفريقيا. الحروب وعواقب ذلك العنف كان لها دور كبير في تردي وضع الإنسان بشكل عام في المجتمعين الإثيوبي واليمني، أما السويد فلها تاريخ طويل مع الرخاء الاقتصادي الأمر الذي أثر بشدة على تطور الحركات الحقوقية فيها كالحركة النسوية والحركة العمالية، وغيرها.

في السويد أجد نفسي في مواقف كثيرة أدافع فيها عن النسوية العربية. عادةً لا أشدد فقط على اختلاف الأولويات في النضال النسوي بين العالم العربي والأوروبي، وإنما أُذكّر دائمًا أيضًا في نقاشاتي بدور الأنظمة الاستعمارية والعنصرية في اختلاف تلك الأولويات.

فإذا ما سألتني صديقتي النسوية السويدية عن موقف النساء العربيات تجاه مسألة الجنس قبل الزواج أو إطالة شعر الإبط أو..، أقاطعها فورًا، أنا لا أمثل كل الأصوات النسوية في المنطقة العربية ولكن من وجهة نظري أعتقد أن هذه ليست معركتي الأساسية اليوم في العالم العربي وإناثُنا بعمر الزهور ما زلن يعانين من جرائم الختان والزواج المبكر والحرمان من التعليم والنزوح بسبب الحروب ووقعوهن سبايا في أيدي داعش وغيرها، بالإضافة إلى عدم قدرة النساء على منح جنسيتهن لأطفالهن، والقائمة تطول.

هذا لا يعني أن النساء في السويد استوفين حقوقهن تمامًا. فقضية الاغتصاب مثلًا كانت لفترة طويلة في قلب الحراك النسوي لأن القانون السويدي لم يكن يجرم الجنس دون رضى، ولم يعتبره اغتصابًا إلا من فترة بسيطة. ثم أن النساء اليوم في السويد ما زلن يتقاضين أجرًا أقل من الرجال على أداء نفس الوظيفة، وهو ما يحصل معي ومع صديقاتي أيضًا.

الأهم من ذلك، كنسوية سويدية، أحاول أن أفهم دور السياسات الخارجية لدولة السويد في الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، وكيف هي مسؤولة عن الدمار الذي يلحق بالنساء ومجتمعاتهن. فمثلاً، من واجبي كنسوية أن استنكر صفقات الأسلحة السويدية المتعلقة بالحرب في اليمن. بل وأن أنتقد وزارة الخارجية السويدية وادعائها بأنها تمارس سياسات خارجية نسوية.

مزيج النسوية الذي بداخلي يتيح لي أن أرى قضايا النساء من منظور أشمل، ومن خلاله أتمكن من فهم كيف تتقاطع القارات الثلاث التي تجمعني في أمور كثيرة، وكيف أنه من واجبي أن أدافع عن قضايا النساء في كل تلك الأماكن. ولعل تجارب اللجوء والنزوح من مكان لآخر، ابتداءً بتجارب أجدادي ووصولًا إلى تجربتي الخاصة فتحت لي آفاقًا جديدة في التفكير بواقع النساء في كل مكان.