إضافة تعليق جديد

امرأة جميلة: عن تجربة التشنج المهبلي

ارتبطت في ذهني فكرة إنشاء علاقة جنسية بالألم، وأصبح الأمر محكومًا بعلاقة تلازمية يستحيل فك معالمها.

كان كلّ شيء يمضي على ما يرام والأمور تسير كما كنت تريدين دومًا. يحمل المشهد كلّ التفاصيل التي تخيلتها في السابق؛ درجة الإضاءة، ودرجة الدفء، ودرجة الشغف. يمضي كلّ شيء على ما يرام، هي تجربتك الأولى. باب صغير سيفتح أمام قلبك ليُحبّ جسده أكثر، وليكشف طريقًا جديدة أمام معرفتك لنفسك. "أنت امرأة جميلة"، هكذا كنتُ أردد ببالي طوال الوقت، "وستُصبحين أجمل"، أضيف مع كل زفير.

كنتُ آنذاك مستعدة لخوض التجربة وكسر ذلك الحاجز اللّعين الذي اعتقدتُ أنّه السبب الرئيسي وراء تعاستي وعدم قبولي لنفسي. ذلك الجدار الفاصل بيني وبيني، والذي يُقسّم كينونتي إلى شخصين. شخصٌ أعرفه جيدًا ومللته، وشخصٌ آخر، طالما أردت أن أكونه. كنتُ على عتبة الانتقال من طفلة تُوزّع الابتسامات المجانية بشكل مبالغ فيه، إلى امرأة تقيس كلّ حركة تقوم بها وتعرف جيدًا وقعها وتأثيرها على من يجلس قبالتها. قررتُ بيني وبين نفسي أنّ الحاجز الأكبر أمام كلّ هذا هو حتمًا غشاء البكارة. اتفقنا معًا، أنا وشريكي، أنّ هذا الغشاء هو فعلا أمر سخيف ومجرّد مشكلة وهمية يسهل تجاوزها بمجرد اختراقه.

كان كلّ شيء يمضي على ما يرام. كنّا في أوج الشغف والسخونة، وبانتظار اللحظة الحاسمة التي اشتعلت حين حاول إيلاج قضيبه. كنتُ على يقين بأنّي سأحترق من النشوة، سأشعر بشيء لم أعرفه ولم أتخيّله من قبل، فكّرتُ في متعة جنونية بانتظاري، ستنتقل بي إلى عوالم أخرى لن أعود منها سوى بعد بضع دقائق كنت سأحسبها دهرًا أنسى خلاله من أكون.

تملّكني ألم كبير..

كان ذلك أوّل شعور خالجني عند لحظة التنفيذ لكنّي تجاهلته لأنّه طبيعي. بدأ الألم يشتد شيئًا فشيئًا. حاولت تحمّله مبتسمة بداخلي، أُعزّي نفسي بسعادة رحيلٍ قريب جدًا لتلك الطفلة الساذجة، وأهُنّئها بولادة حتمية لامرأة قوية جامحة مثيرة. كنتُ أُطمئنُ نفسي بالقول: "هي ليست سوى المرّة الأولى". صراخٌ لا شعوريّ. مرّة، اثنتان، ثلاثة. لم أعد أستطيع التحمل. لم يسقط الجدار، وخسرتُ الحرب. هكذا كانت الصدمة الأولى.

كانت أطول ليلة في حياتي. منّينا خلالها نفسينا كثيرًا بأنّه الخوف، خوف المرّة الأولى، وبحثت كثيرًا في نفسي عن هذا الخوف دون جدوى. لم أكن خائفة ولا حتى مرتبكة. كنتُ مقتنعة بحاجتي إلى إقامة علاقة جنسية، وأكثر من ذلك، باستعدادي لها نفسيّا. كرّرنا المحاولة مرّات عديدة، ولكنّها باءت بالفشل. لم أنم تلك الليلة، وامتنعت عن تكرار المحاولة لأسابيع لازمني خلالها خوف كبير، حقيقي وملموس؛ الخوف من الألم. ارتبطت في ذهني فكرة إنشاء علاقة جنسية بالألم، وأصبح الأمر محكومًا بعلاقة تلازمية يستحيل فك معالمها.

تعلّمتُ على مدار السنين أنّ الجنس هو فعل طبيعي وحاجة حياتية

فكرة الاقتناع بوجود علّة ما، عضوية كانت أو نفسية، كان أمرًا شديد الصعوبة، والأصعب منه، كان القدرة على هضم تلك اللحظة حين أردت كسر جدار صغير مِنّي، فوجدتني بأسري جدارا يستحيل اختراقه. لحظةٌ لم أعد فيها شيئًا، لا طفلةً ولا امرأة. صرتُ كائنًا لا جنسيًا سيبحث في نفسه من جديد عمّن يكونه في الحقيقة. طالما اعتقدت بأنّني "مُحصّنة" و"محميّة" من "شرّ" التشنّج المهبلي، لأكتشف بعد أيام من التفكير والبحث والقراءة أنّ جسدي مفتوح على جميع الاحتمالات وأنّني أعاني لا محالة من هذا المشكل. في تلك اللحظة الفاصلة بين النكران والاعتراف بالحقيقة كان عليّ أن أُقرّ أمام نفسي بسطوة الموروث الثقافي على لاوعينا، وتأثيره على أفعالنا دون أن ندركه أو نعترف به.

اعتقدت دوما أنّني "تحرّرت"، وتخلّصتُ من كلّ ما يُقيّدني بأفكار رجعية ومُتخلّفة. اعتقدت أنّ كلّ ما تبنّيته من نظريات عن المرأة والحرية، سيفُكّ أغلالي من كل ما يُكبّل جسدي من أوهام عن ملائكية العِفّة وشيطنة الجنس. تعلّمتُ على مدار السنين أنّ الجنس هو فعل طبيعي وحاجة حياتية، بل هو أكثر من كل هذا، مكوّن أساسي في توازن حياة كل فرد وحلقة فارقة في سلسلة العيش، نخسر بنقصانها من أنفسنا أشياءً كثيرة ونعيش دونها في هُوّة عميقة في ذواتنا. اعتبرتُ الجنس رقمًا حاسمًا لا يمكن أن نحلّ دونه معادلة الوجود. ظننت أخيرًا أنّ هذه الأفكار وغيرها كافية للانتقال بشكل سلس وبديهي نحو الممارسة دون أيّة تعقيدات أو عوائق.

ظننت أنّ كلّ شيء يمضي على ما يُرام، إلى أن أتت تلك الليلة، حين اكتشفتُ أنّ الصراع بين ما وُرّث لي من أفكار وبين ما اكتسبته بنفسي من مواقف، هو في الحقيقة حربٌ غير عادلة كنتُ فيها مُقاتلا وحيدًا أعزلا، في مواجهة جيوشٍ تمتدُّ أساطيلها إلى قرون من الأساطير والعادات والأديان بكتبها السماوية والوضعية. كنت وحيدةً أمام ثقافة شعب بأسره يقدّم تحريم الجنس كمقبّلات على طاولات الطعام، ويرضع الخوف من الرّجل في حليب الأم، ويورث جينات الطهر ويُنمّيها يومًا بعد يوم.

دخلت وقتها في فترة استرجاع مُطوّلة، وتذكّرت عن نفسي الكثير. تذكرتُ يوم فصلت مدرّسة العلوم الطبيعية بين الإناث والذكور بغرض تدريس الفتيات العادة الشهرية والأولاد مرضًا يُسمى "الزُهري". تذكرت أنّني حُرمت بسبب قرار الفصل اللعين هذا من رؤية قضيب لأول مرة في حياتي، قضيبًا ذابلا مُشوّهًا مريضًا بالزُهري ولو في الصور. تذكّرت أنّني لم أتلقّ يومًا درسًا بيداغوجيّا يتطرّق لا من بعيد ولا من قريب إلى الثقافة الجنسية، وأنّ المضاجعة كانت صورة مؤجلة إلى مرحلة لن أعرف قدومها. تذكرت الكثير، وتراكمت برأسي أفكار عديدة، من بينها أنّ المسألة الجنسية كانت مؤجلة في ذهني إلى درجة انعدام الفضول لاكتشاف المواقع الإباحية مثلما كان يفعل من هم في سنّي، فقد كنت أفكر أنّ ممارسة الجنس أمر بديهي يحصل بمفرده بمجرد رغبة شخصين واتفاقهما على ذلك دون أيّة مراكمة ثقافية ومعرفية. تذكّرت كيف كانت تنهرني أمّي وخالاتي بشدّة عند الاستماع إليهن وهنّ يتحدثن عن مواضيع تخصّ "الكبار" لأنني طفلة. لم أسأل يومًا ذلك السؤال الوجودي الخطير "كيف أتيت يا ماما؟" ولم يُكلّف والديّ نفسيهما عناء الإجابة بشكل فطري، كما لو كنت غصنًا أُلقيَ به من سابع سماء لأسقط بين حضنيهما وأصير ابنتهما المدلّلة. كنت عمياء، لدرجة أنّه لم يتملّكني الفضول حتى لطرح أسئلة عن جسدي، عن الجنس.

كنت أحمل كُلّ عوارض التشنّج المهبلي، ولم أقبل مصارحة أحد بذلك

كنت أحمل كُلّ عوارض التشنّج المهبلي، ولم أقبل مصارحة أحد بذلك حتى المقرّبين منّي. خفت كثيرًا من فكرة الحديث، وازداد خوفي من فكرة الذهاب إلى طبيب. في ذلك الوقت، لم يكن باستطاعتي إدراك مدى فاعليّة زيارة أخصائي جنساني وقدرة ذلك على معالجتي. كنت أتنازع في داخلي بين ثنائيات كثيرة تتأرجح بين القبول بالأمر ونكرانه، بين قدرتي الذاتية على حلّ الأمر وتفكيكه لفهمه وتجاوزه، وعجزي عن إيجاد أجوبة لأسئلة من قبيل "ما الذي يحصل معي الآن؟"، وبين اقتناعي بأنّ التشنّج المهبلي لا يصيب سوى من عانَين من صدمة قوية متعلقة بالجنس. كيف يُصيبني هذا الاضطراب ودفاتري خالية من أيّ تاريخٍ جنسي، سوى بعض القبلات أو اللمسات الحارّة.

كُلّ هذا جعلني أؤجِّل فكرة زيارة الأخصائي رغم إصرار حبيبي على ذلك. خلال تلك الفترة، عُدت بنفسي إلى وضعها البدائي، متخليّةً عن كُلّ ما أدخَلته بي "الحداثة" من أفكار صرت أدرك أنّها مُزيّفة. ليس لتشويه ما في طبيعتها، وإنّما في التبنّي السريع والمفاجئ لها. لقد كانت أفكارًا مضيئة مسقطة على واقع تغزوه الظلمة. أدركت أنّ ما فعلته بنفسي لم يكن سوى تلوينًا لواجهة منزلٍ مهجور خرجت منه، ولم أعد أتعاطى معه سوى مع ما يُزيّن حديقته الجميلة. واجهت وقائع عدّة، أهمّها أنّي لا أعرف شيئًا عن الجنس ووجب البداية من الصفر. مضت سبعة أشهر على هذه الحال، تخلّلتها العشرات من المحاولات الفاشلة، لكنّي لمست خلالها تطورًا بطيئًا جدًا وصل أخيرًا إلى القدرة على ممارسة الجنس بشكل طبيعي. ما زالت فكرة الطبيب مؤجلة لكنّي أؤمن أكثر من قبل بأهميتها وحتميتها. لم أعد أفكر الآن بأنّها تجربة كارثية، بل على العكس من ذلك، فكرت أنّ الأمور التي تحصل بعد طول انتظار يمكن أن تحمل طعمًا أجمل؛ كمن تنجب طفلا بعد عقمٍ طويل، أو كمن التقت بحبيب بعد غياب، مثلهما، انصهرت مع شيء بداخلي وضحكنا كثيرًا.

الآن، لم أعد أشعر بأنّ ذلك الألم قد كان على هذه الدرجة من السوء، فقد كان العامل الوحيد الذي وضعني وجهًا لوجه مع الاضطراب الذي عانيته. ذلك الألم بالذات، بات منعرجًا أساسيًا في الانتقال من مرحلة الإدراك الذهني إلى الإدراك المادي، وهو ما ساعدني على تلمُّس الأمور بكلتي يديّ، لكي أتحسّسها وأراقب تطوّرها شيئًا فشيئًا. يمضي الآن كل شيء على ما يرام، ولكنّي أفكّر في اللواتي لم تمنح لهنّ فرصة للتفهّم والإحاطة، سواء من قبل حبيبهنّ أو شريكهنّ وخاصة من قبل أنفسهن ومجتمعهن. أفكر في كل من مرّت بهذه التجربة لتجد نفسها ملقاة أمام باب منزلها في ليلة دخلتها. أفكر فيهن وفي كل واحدة كان يمكن أن أحلّ محلّها لولا لعبة القدر غير العادلة.