إضافة تعليق جديد

ما فيش في بيتكم مراية؟

13/05/2019
1276 كلمة

حكايات عن وصم الجسد بين ذكور مجتمع الميم.

لطالما كان الجسد المثالي هاجسًا يطارد الكثيرات والكثيرين في فترة ما من حياتهم. تواجه معظم الفتيات والنساء مثلًا توقعات ومطالبات مجتمعية للظهور بجسد مثالي مثل نجمات السينما؛ قوام ممشوق ورياضي يناسب كل صيحات الموضة، فتبدأ بعض الفتيات في فترة المراهقة بالامتناع عن الأكل وتجويع النفس حتى تصل إلى الجسد المطلوب، ثم يبدأ الضغط عليهنّ من الأهل أو المجتمع إذا لم تكن أجسادهنّ في إطار حجم محدد وذلك للتمكن من اجتذاب شريك حياة كخطوة "أساسية" مع اقترابهن من مرحلة الشباب.

أما الرجال فكثير منهم يحلم بجسد مفتول العضلات وبطن مسطحة مقسمة إلى ستة؛ سعيًا نحو الصورة المثالية والسائدة في مجتمعاتنا الأبوية عن الرجل، والتي ازداد الضغط باتجاهها بعد انتشار الصالات الرياضية والأنظمة الغذائية المختلفة، فيقضي عدد كبير من الرجال وقتهم في زيارة الصالات الرياضية لفترات طويلة حالمين بالجسد المثالي، وعليه يصبح غير المهتم بارتياد الصالة الرياضية شخصًا مُهملًا لنفسه ولصحته الجسدية وجاذبيته أيضًا.

لا يختلف حال الذكور في مجتمع الميم كثيرًا عما سبق في هاجس الجسد المثالي؛ فقد يظن البعض بأن الانتماء إلى مجتمع المثليين والمثليات والعابرات والعابرين وثنائيي الميل الجنسي والكوير يعني النجاة من معايير المجتمع الذكوري والرأسمالي في رسم الصورة الأمثل للجسد، إلا أن اختلاف ميولنا الجنسية وانحيازاتنا الجندرية واعترافنا بها، لا يعني تحررّنا من الأفكار الذكورية، وأن الكثير من الأشخاص داخل مجتمع الميم تربوا على تلك الأفكار ويمارسونها عن وعي أو دون وعي في علاقاتهم المختلفة ليعيدوا إنتاج النظام الأبوي القمعي.

لا يحتكر الذكور في مجتمع الميم ممارسة الأفعال الذكورية، فالمنظومة الأبوية تعيد إنتاج نفسها ضمن مجتمع المثليات والعابرات/ين أيضًا، الأمر الذي لا بد من التطرق إليه وتفكيكه. لكنني هنا أسرد لكم من وحي تجربتي وتجربة بعض الذكور والأشخاص الكوير في مجتمع الميم نتشارك نبذ المجتمع لنا بسبب أجسادنا. تعرفنا على بعضنا من خلال تطبيقات المواعدة أو في دوائر الأصدقاء والمعارف، وأدركنا بلقائنا أن لكلٍّ منا قصة ما تدور حول أجسادنا وكيف يراها الآخرون، وتحديدًا تعرّضنا للتحقير من رجال مثليين آخرين.

وزني أهم مني

كشخص ينتمي إلى مجتمع الميم، أعي جيدًا أن فكرة الجسد المثالي قد فُرضت على الكثيرين منا، فنحن لم نهتم يومًا بتغيير شكل أجسادنا بأية طريقة قبل أن نحتك بآخرين داخل مجتمعنا أثّروا في كيفية تقبلنا لأنفسنا.

بدأ تعرّضي للإهانة والسخرية من جسدي مع بداية مشواري في البحث عن شريك. حدث ذلك في الصيف بعد امتحانات الثانوية العامة، وما أدراك ما الثانوية العامة التي انتهيت منها وأنا أزيد عن 120 كجم. في البدء، لم أشغل بالي بعدد الكيلوجرامات التي زادها وزني، ولم يكن أول تعليق على جسدي أسوأ ما يكون، إلا أنه بعد عدد من الرسائل المتنوعة من أشخاص مختلفين أفادت بأنني "تخين أوي"، توقفت عن المحادثات أو الرد على الرسائل المهينة. كان الأغلبية يبحثون عن شريك ذي جسد متناسق وليس كما دعاني أحدهم بـ"شبه البرميل".

تطبيقات المواعدة مساحة آمنة... للتنمر

"أنصحك بالذهاب إلى قاعة الرياضة بدلًا من الجلوس طوال اليوم. بهذا الجسد لن تجد يومًا من يقبلك". كانت هذه رسالة تلقيتها كرد على رسالة تحمل "مرحبا"، فكان رد الشخص على الجانب الآخر من الشاشة هو تحقير جسدي وإخباري أنني غير مطابق للمواصفات وأنني بهذا الجسد المُترهل لن أجد شريكًا.

هذه ليست الرسالة الوحيدة التي قد تصل لشخص بجسد "عادي" على أحد التطبيقات، بل ربما تكون أكثرهم لطفًا، فقد تحتوي بعض الرسائل أحيانًا على عبارات جارحة مثل "انت تخين أوي ومحتاج تخس" أو "انت معندكش مرايات في بيتكم تشوف فيها جسمك". أحمد، 19 سنة

تطبيقات المواعدة من أكثر المساحات التي يتنامى فيها الحديث عن حتميّة الجسد المثالي. تُظهر الغالبية العظمى عضلاتها المفتولة، وإذا كان جسدك لا يشبههم فأنت خارج المنافسة. في أحيان أخرى، يكون الحديث عن الأجساد هو الموضوع الأساسي، فهناك بعض المستخدمين الذي يعلنون صراحة عن تحقيرهم لأجساد الآخرين، بل وعن عنصريتهم أيضًا مثل "مفيش تخان، أنثويين أو كبار في السن". قد تكون هذه هي العبارة الوحيدة الموجودة في بعض الصفحات الشخصية على تطبيقات المواعدة، وبجانب العبارات العنصرية فإن الأشخاص غير الرياضيين على رأس قائمة "غير المرغوب بهم".

نعم، حتى داخل مجتمع الرجال المثليين هناك مجتمع أصغر هو مجتمع "غير المرغوب بهم" والذي شيئًا فشيئًا يصبح ملجأ لأي شخص يشعر بعدم الانتماء أو النبذ من الآخرين، سواء لعدم انتمائه لثنائية النوع الاجتماعي ومطابقته للمعايير المجتمعية لشكل وتصرفات الرجل، أو لعدم إظهاره لجسد رياضي مثالي. في هذا الملجأ نتشارك قصصنا اليومية وما يحدث لـ"أصحاب المقاسات الكبيرة"، كما كنا ندعو أنفسنا على تطبيقات المواعدة أو في حياتنا اليومية بسبب "مقاساتنا الكبيرة".

أهو حمل؟

"ما كل هذا البطن، أهو حمل؟" جملة استمر شريكي بقولها مزاحًا لمدة سنتين، في كل مرة كان يقولها كنت أبدأ بالتفكير "هل جسدي غير مناسب؟ لا يطابق مواصفاته؟ غير جيد؟؟" ومن هنا جاء القرار بأن أبدأ بارتياد الصالات الرياضية وأحصل على الجسد المثالي لإرضاء شخص آخر. سابقا كنت أشعر بالراحة داخل جسدي البيضاوي المترهل، ولا أبحث عن جسد يُدير الرؤوس عند الذهاب إلى الشاطئ. كان جسدي يناسبني ويناسب شخصيتي من وجهة نظري، لكن الأمر قد تغير الآن فأنا أمارس الرياضة لمدة ساعتين يوميًا لأصبح في جسد عارضي الأزياء والمشاهير.

ماذا كانت النتيجة من كل هذا؟ إصابة أسفل الظهر أثناء التمارين تركتني مستلقٍ على السرير لمدة شهرين كاملين، ما تسبّب بالطبع في زيادة وزني. هذا ليس كل شيء، فقد بدأت أنظر إلى جسدي على أنه غير مناسب، وامتنعت عن الأكل؛ أصبحت أجوّع نفسي بغرض نقص الوزن. أصبحت أكره جسدي أكثر كل صباح وهذا ما شخّصه الطبيب النفسي فيما بعد بـ "فوبيا تقبُل الجسد"." عمرو، 26 سنة

في طريقي للآخرين، تُهت عن نفسي

"تلقيت الكثير من التعليقات السلبية بسبب جسدي من عائلتي أو حتى شركاء أو أشخاص في إطار التعارف المبدئي، والكثير من الرفض.. رفض بطرق مُهينة مثل "انت تخين أوي" أو "مش بحب التخان" أو "انت حد لطيف أوي بس فعلا محتاج تشتغل شوية على جسمك لأنه مش ألطف حاجة بالشكل ده". قررت اتباع حمية غذائية نباتية قاسية وممارسة الرياضة خمسة أيام في الأسبوع، وبعد فترة وجيزة ولكنها صعبة وصلت إلى الجسد "المثالي"، وتغير كل شيء. ذُهل أشخاص من وصولي إلى هذه النتيجة الرائعة، حتى أولئك الذين رفضوني من قبل بسبب جسدي، أصبحوا الآن معجبين بمظهري الخارجي وكيف غدوت مطابقا للمواصفات، لكن هل هذا ما كنت أريده؟ الإجابة هي لا، لم أرِد أو أحلم بمثل هذا الجسد في يوم ما، فقد أصبحت شخصا مُختلفا تماما في الشكل؛ عندما أقف أمام المرآة أجد جسدًا متناسقًا ورياضيًا ولكن شخصًا مختلفًا تمامًا عني. في بعض الأيام كان عقلي يأخذ بعض الوقت لاستيعاب أن هذا الشخص الواقف أمامي هو أنا. رأيت كيف يتعامل الناس مع الصورة الخارجية فقط، وكيف وصل الأمر إلى تحقير أجساد البعض وتمجيد أجساد أخرى، وهو المعيار الذي لا نعلم من وضعه". إياد، 28 سنة

 

"أريد جسدًا رائعا ومتناسقا، لذا بدأت بتجويع نفسي وعندما آكل أتناول ما يكفي لإبقائي حيًا، ولكني كنت لا أخسر الوزن أو أصل إلى النتيجة المرجوّة. بدأت بتجويع نفسي أكثر، وصل الأمر في إحدى المرات إلى الإغماء بسبب الامتناع عن الطعام لمدة ثلاثة أيام متتالية، فأصبحت أتناول الطعام ولكني أجبر نفسي على التقيؤ بعدها. كنت أكره أوقات تناول الطعام لأنني أعلم أنني سأذهب وأتقيأ كل ما بداخلي. إنه شعور مؤلم أن تستيقظ كل صباح وأنت تعلم بأن عليك التقيؤ حتى يصبح جسدك مثلما تحلم، أو ما يريد الآخرون رؤيته. بالطبع أُصبت بالعديد من المشكلات في الجهاز الهضمي نتيجة هذا الفعل، لكن لم أهتم، كنت أظن أن مثل هذه المشكلات يمكن حلها بسهولة أكبر من إنقاص وزني". سامح، 30 سنة

الجسد الرشيق في مقابل العمر

"كشخص تجاوز عمري الخمسين، تعرضت لمواقف عديدة محورها كان جسدي، خاصة مع شركائي السابقين، كانت دائمًا لديهم مشكلة مع جسدي غير المناسب لمعاييرهم. أجبرني أحدهم على ممارسة الرياضة حتى أصل إلى الجسد المناسب وعندما زادت ضغوطات العمل وتوقفت عن ممارسة الرياضة هجرني. قررت العودة إلى ممارسة الرياضة، فمع زيادة عمري تصبح فرصة الحصول على شريك أصعب، لذا قد يزيد الجسد الرياضي من فرصتي بطريقة أو بأخرى". حسن، 50+ سنة

ماذا بعد؟

كانت هذه بعض القصص اليومية في حياة ذكور يتعرضون لتحقير أجسادهم من الغرباء أو حتى من شركائهم، لكن هل نمارس الرياضة ونهتم بأجسادنا للحفاظ على صحتنا النفسية والجسمانية أم للحصول على تذكرة لدخول عالمٍ أنت مهدد فيه بالنبذ في حال تجاوزت درجة الدهون في جسدك نسبة معينة؟ كيف نقاوم هذا الوصم ونخلق مساحاتٍ آمنة للحياة والحب؟ هل يمكن أن نكون مع الآخر ونشعر في نفس الوقت بالانتماء إلى أجسادنا عند الوقوف أمام المرآة؟