إضافة تعليق جديد

الجندر والعمل: أكل العيش المُر

التمكين الاقتصادي للأفراد لا معياريي الهوية الجندرية لا بد أن يكون ركنًا أساسيًا في العمل لدعم القضايا الجندرية في مصر وفي المنطقة.

لم يخطئ أجدادنا عندما وصفوا رحلة البحث عن قوت اليوم وأكل العيش بالمرار. فشبح البطالة كثيرًا ما يخيم علينا في مصر، رجالا ونساء، ونحن نركض بين مشاوير مقابلات العمل و بحثًا عن وظيفة. ظروف العمل في العديد من الشركات غير إنسانية، ومسؤولو التوظيف في تلك الشركات (مع وجود استثناءات نادرة) غالبًا لا يحترمون الموظفين، كما أن فرص الحصول على تدريبات ملائمة وتعلّم مهارات جديدة للحصول على وظيفة قليلة. وهناك التفرقة الواضحة في الأجور وإتاحة الفرص بين الرجل والمرأة. فبحسب إحصاءات البنك الدولي، فإن نسبة النساء العاملات لا تتعدى 25% من إجمالي العمالة في مصر.

ولكن كيف تكون رحلة العمل والهمّ اليومي لكسب العيش إذا كنتَ (أو كنتِ) غير مطابق/ة للمواصفات المعيارية الجندرية؟؟ هذه هي قصتنا في هذا المقال، حيث يحدثنا رجال ونساء عن ما واجههنّ أثناء بحثهم عن وظائف أو خلال عملهم، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتمتعون بكفاءات تؤهلهم/ن للعمل. فمسؤولو التوظيف لا يجدون أية غضاضة في التعبير عن انزاعجهم من أن المتقدمات/ين ليسوا ذكورّا أو إناثً بما فيه الكفاية. ولا يجد الزملاء أو الزميلات أي حرج في إسداء النصائح للفرد حول مظهره. هناك التلميح وأحيانًا التحرش، وفي بعض الحالات يُجبر هؤلاء على خوض مواجهات ونقاشات حول مظهرهن/م،وحول طريقة السير والكلام. وقد تضيع عليهم/ن فرص تدريب وترقيات بسبب المظهر، وأحيانًا يضطرون إلى ترك العمل.

تحكي "شيري"، وهي امرأة عابرة جندريًا: "أنا أدرس الموسيقى. في أحد الأيام نُظّمت حفلة لجمهور مهم جدًا، من بينهم وزيرة الثقافة وشخصيات أخرى هامة. ووقع الاختيار عليّ لتقديم عرضٍ فردي، وهي فرصة نادرة. كنت سعيدة جدًا بحصولي على تلك الفرصة وبذلت قصارى جهدي لإثبات جدارتي واستحقاقي لها. ومع أنني أتعمد دائمًا ارتداء ملابس لا تنتمي لجندر محدد، إلا أنني أُجبِرت على ارتداء بدلة رسمية. قبلت بذلك فقط للحصول على هذه الفرصة، ولكن قبل أيام قليلة من الحفلة أُبلغت بإلغاء العرض الخاص بي، حيث قال لي مايسترو الفرقة "أنا هخاف على اسمي"، وضمّني لكورال الفرقة أثناء الحفلة".

قضايا لا معياريي الجندر لا تتعلق فقط بالحقوق الجسدية والجنسية

قد يكون من حسن حظ "شيري" أنها لم تفقد وظيفتها، ولكن تهميشها كان بسبب هويتها الجندرية، حيث أن المايسترو تجاهل أن مؤهلاتها كافية، كما توقع منها أن تكون مطابقة للمواصفات الجندرية حفاظًا على سمعة الفرقة.

وهكذا كان حال "منّة" أيضًا، وهي تعمل في أحد البنوك في القاهرة؛ فمديرها يتجنب الحديث معها لأنها "مسترجلة"، وتقول إنه يفرّق في المعاملة بشكل واضح بينها وبين الزميلات من حيث إعطاء الفرص في التدريبات والترقيات. كما ترى أنه يوزّع المهام بشكل غير عادل بينها وبينهن.

في حالات أخرى تكون المطابقة للمواصفات الجندرية شرطًا للتوظيف في المقام الأول. فتقول سلمى إن إحدى مسؤولات التوظيف أخبرتها مرة أثناء مقابلة عمل أن عليها أن تظهر بشكل أكثر أنثويّة في هذا العمل، وذلك على الرغم من أن عملها في التصميم لا يتطلب احتكاكًا بالعملاء. وعندما حاولت سلمى الاستيضاح عن معنى أن يكون مظهرها أنثويًا، أخبرتها المسؤولة بأن عليها ارتداء كعب عالٍ وتنورة. كذلك، تروي سلمى أنها ذهبت مرة لمقابلة أحد العملاء، فانزعج كثيرًا من منظرها وقال لمساعدته: "إنتي جايبالي واد وبت في نفس الوقت. طلبت منك مصمم، مش قاتل مأجور".

أما "داني"، فلقد اعتاد على الرفض، والذي غالبًا ما يكون دون مبرر، واضطر أخيرًا للقبول بوظيفة أقل من مؤهلاته فقط لأن المسؤولين لم يتساءلوا أو يستغربوا من تعبيراته الجندرية أثناء مقابلة العمل. ومع ذلك، فإن زملاءه يتنمرون عليه في العمل، كما يتعرض للتحرش وتعديات لفظية عديدة، إذ يُلمّحون أحيانًا إلى ميوله المثلية. عندما قرر داني أخيرًا أن يرفع شكوى إلى المدير العام، اكتفى المدير بتحذير موظفيه من المزاح مع داني بهذه الطريقة، دون أن يتخذ أية إجراءات لحمايته في المستقبل. فلم يضع قواعدًا جديدة للسلوك ولم يعاقب الموظفين المتنمّرين. وفي النهاية، اضطر داني لترك العمل بعد 10 شهور فقط.

ويمتد هذا النوع من التنمر والتهميش حتى إلى بعض منظمات المجتمع المدني الحقوقية، إذ تقول مروى، التي عملت مع العديد من هذه المنظمات، إنها كانت تتعرض لمواقف يومية من زميلات وزملاء يعلقون على ملابسها، و يلمحون إلى ميولها المثلية بسبب مظهرها "المسترجل" على حد تعبيرهم/ن. كذلك، كانت بعض الزميلات الأكبر سنًا تنصحنها أحيانًا بأن تتجه أكثر للأنوثة، بينما يُقدم بعض الزملاء والمدراء على التحرش بها.

قضايا لا معياريي الجندر لا تتعلق فقط بالحقوق الجسدية والجنسية، بل بحقوقهم الأساسية في العمل وكسب العيش، والحق في الاستفادة والتواجد في الساحات والأماكن العامة، أي الحقوق الأساسية لأي فرد.

فإذا فكرنا مثلا في التكاليف المترتبة على أي فرد من "الترانس" إن أراد/ت تلقي العلاج الهرموني أو غيره، نجدها مبالغ طائلة قد لا تتوفر إلا لمن حظي/ت بأسرة داعمة أو مصدر دخل ثابت، وكلاهما عاملان نادران في مجتمعاتنا. وفي المحصلة فإن حياة الفرد قد تتحول إلى دوامة بين البحث عن مكان عمل يتقبل هويته/ا وبين توفير رأس المال اللازم لشراء العلاج الهرموني أو غيره.

من هنا أرى أن التمكين الاقتصادي للأفراد لا معياريي الهوية الجندرية لا بد أن يكون ركنًا أساسيًا في العمل لدعم القضايا الجندرية في مصر وفي المنطقة. وفي هذا الصدد يمكن الضغط وحثّ الشركات على وضع سياسات لحماية غير معياريي الجندر من العاملات والعاملين بها.