إضافة تعليق جديد

تطبيق جرايندر: فضاء للتهميش والعنصريّة

لم يعد جرايندر مساحة آمنة للتعارف، فقد اخترقته أنظمة معادية للمثليّين واستخدمته للقبض عليهم.

عند دخولي عالم جرايندر أوّل مرّة في سنّ الثامنة عشر كنت خائفًا ومُرتبكًا ولا أعرف كيف أتصرّف. أردت أن ألقي نظرة على عالم افتراضي دلّني عليه متجر ألعاب أندرويد انطلاقًا من بحثي عمّا يوصلني إلى أي إثبات بوجود أناس يشبهونني وأني لست الوحيد في هذا العالم بميول جنسية غير نمطية. أنشأتُ حسابًا فارغًا بلا صورة أو معلومات خوفًا من أن يتعرّف عليّ أحد. الآن وأنا في الثالثة والعشرين من عمري أمتلك حسابًا على تطبيق جرايندر يحمل صورتي الشخصيّة. منحني جرايندر فرصة للتعرّف على أشخاص مختلفين واختبار المتع الحسيّة افتراضيًّا، لكنّه دفعني للتفكير في ميكانيزماته ومحاولة فهم أدوات السيطرة من خلال قوى الهيمنة الثقافية التي تقف وراء إنشاء تطبيق للتعارف تحوّل إلى فضاء للتهميش والعنصريّة.

جرايندر تطبيق إلكترونيّ أمريكيّ أُطلق سنة 2009، ويُعتبر مساحة "آمنة" لتعارف المثليين حول العالم ويعمل من خلال خاصية تحديد الموقع الجغرافي حيث يُظهر حوالي 100 أقرب شخص لموقع المستخدم. يتعاون القيّمون على التطبيق مع مركز مرسى للصحة الجنسية في لبنان ومع مجلة ماي كالي الأردنية المهتمة بقضايا الجندر والجنسانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من خلال عرض مقالات تنشرها المجلة على موقعها عند فتح التطبيق، مما يُتيح للمستخدمين فرصة الاطّلاع على قضايا تهمّهم. إلى جانب إشعارات تتعلق بالصحة الجنسية والممارسات الجنسية الآمنة وإشعارات للاستخدام الآمن للتطبيق من شركة جرايندر باللغة العربية، والتي يعيبها أنها غير سليمة نحويًا بشكل فاضح.

غير أن جرايندر لم يعد مساحة آمنة للتعارف، فقد اخترقته أنظمة معادية للمثليّين واستخدمته للقبض عليهم مثلما حدث في مصر سنة 2017 خاصّة بعد حفل مشروع ليلى. إثر ذلك، قام التطبيق بخلق خاصية حماية تخفي وجود التطبيق على الهاتف بطريقة سريّة تساعد الأشخاص في حال قُبض عليهم أو لحماية أنفسهم من فضول الأهل والأقارب. أصبحت هذه الخاصيّة الحمائيّة مجانيّة بعد أن كان المستخدمون يتمتعون بها بعد دفع مقابل ماديّ شهريًّا. وبحسب مقال نشرته صحيفة "ذا واشنطن بوست"، كان ينبغي أن تكون سنة 2018 سنة قياسية للتطبيق الرائد للمواعدة بين المثليين جنسيًا، والذي يقترب مجموع مستخدميه من 27 مليون مستخدم حول العالم. ولكن على العكس فقد تلقت الشركة، التي تتخذ من لوس أنجلوس مقرًا لها، شكاوى عديدة، من بينها شكوى أحد المواطنين الأمريكيّين الذي صرّح بأنّ لصًّا استطاع تحديد مكان منزله وعمله وقام بملاحقته وإرسال غرباء لإزعاجه في مقرّ شغله وسكنه. هذا بالإضافة إلى قلق خبراء الاستخبارات من أن الحكومة الصينية قد تكون قادرة على الوصول إلى ملفات المستخدمين الأمريكيين، كما أشارت بعض التقارير إلى أن التطبيق لديه مشكلة أمنية قد تسمح بمعرفة المواقع الدقيقة للمستخدمين وأن الشركة قد شاركت بيانات حساسة عن مستخدميها مع مورّدي البرامج الخارجيين.

يستعمل مثليّو المنطقة العربية تطبيق جرايندر في عملية التعارف وتمضية أوقات جنسية مع آخرين، ولكن الغريب في الأمر هو اعتماد مستخدميه بشكل عام واللبنانيّين بشكل خاص على اللغة الإنجليزية في التواصل وتحقير أي شخص يستخدم اللّغة العربية وإطلاق أحكام مُسبقة وعنصرية عليه بأنه مثلا "سوري الجنسية" كدلالة على دونيّته أو كدلالة على مستواه التعليميّ.

قبل فهم هذا الأسلوب الاجتماعي على جرايندر يجب أن نضع في الحسبان أنّ تركيبة هذا التطبيق وخاصيّاته لا تسمح بالانفتاح على اللغة العربية وهذا يُعطي وهمًا للمستخدم بأنّه يعيش في مكان غير مكانه الأصليّ فيتقمّص آليًّا مفرداته ولغته لذلك نصطدم بعدم اعتماد كلمة "مثلي" وتعويضها بكلمة "غاي" حتى من قبل مستخدمي العربية، وهذا دليل على أنّ المشكل ثقافيّ بالأساس. ويتمظهر ذلك أيضًا في انتشار المفردات الأجنبية وهيمنتها على السياقات التي يتعامل فيها المثليّون الذين يعتبر العديد منهم أنّ الغرب هو المعنيّ بالدفاع عن حقوقهم وحمايتها إلى جانب تعامل بعض المنظمات والجمعيات اللبنانية والعربيّة المهتمّة بالحريّات الفرديّة وحقوق المثليّين مع السفارات الأجنبيّة وترويجها لمنطق الهيمنة الثقافية الغربية. هذا ولا نغفل عن نقطة مهمّة وهي أنّ الإحساس بالاختلاف عن الميول النمطية المجتمعية في المنطقة ولبنان تحديدًا جعل من المثليّين أنفسهم يشعرون بأنهم غرباء، أجانب، فيرفضون كلّ ما هو متعلق بهذا المجتمع ولغته.

يلعب هذا التطبيق الإلكتروني دورًا مهمًا في ترسيخ الفروقات والأنماط الجندرية والجنسية

ويلعب هذا التطبيق الإلكتروني دورًا مهمًا في ترسيخ الفروقات والأنماط الجندرية والجنسية من حيث فرضه لتصنيفات معينة يختار منها المشترك ما يناسبه في عملية قولبة لأجساد المستخدمين ضمن فئات وتقسيمات مخزية وكأن المثليين لا ينقصهم إلاّ هذه التقسيمات على أساس مواصفات شكلية وجسدية ليصبحوا مجموعات متناحرة ترفض بعضها البعض. تساهم حالة الرفض المهيمنة على هذا التطبيق في تغذية الارتباك والاضطراب لدى بعض مُستخدميه الذّين يتعرّضون إلى كلّ أشكال الاقصاء والنبذ لعدم مطابقتهم لمواصفات جسمانيّة معيّنة. حيث تنتشر عبارات مثل "لا آسيويين"، "لا ممتلئين"، "لا عابرين/ترانس جندر"، "لا سود"، "لا أنثوي"، "لا مُشعر" وغيرها، وإن كان التطبيق لا يحرّض على هذه العنصرية واختزال العملية الجنسية في الإيلاج المُفرغ من المشاعر والأحاسيس إلّا أنه لم يتحرك لفرض قواعد جديدة وتعديلات تمنع الحرية المطلقة للمستخدمين في كتابة ما يعبّر عن ذواتهم الشخصية في خانة البايو أو من خلال الصورة الشخصية.

وإذا ما أردنا الأخذ بالرأي القائل بأن هذه العبارات هي تفضيلات تندرج ضمن حق الاختيار للشريك الجنسي فإن مراقبة هذه التفضيلات وملاحقة آثارها تفتح مجالات للنقاش حول العنصرية العرقية والجنسية والطبقية المستشرية داخل هذه الحسابات خصوصًا في مجتمعات ما زال الحديث عن الجنس فيها شبه محظور نتيجة موروثات وأعراف دينية ومجتمعية واحتلاليّة رجعيّة، حيث لعب المُحتل الأبيض دورًا محوريًّا في ترسيخ الأفكار الجنسية النمطية على السود، والعرب، والآسيويين. فالرجل الأسود مثلاً معروف بفحولته وقضيبه الكبير ودوره الموجب أثناء ممارسة الجنس الأمر الذي خلق نمطية أخرى تتعلق بالدور الجنسي تحرم الرجل الأسود من حرية الاختيار التي يدّعونها وتعرضه لمضايقات وتعنيف في حال خالف هذه النمطية.

وبغضّ النظر عن العنف الماديّ والنفسيّ الذي تُنتجه هذه القوالب فإن عملية استخدامها من قبل الغرب خاضعة لمعيار الرجل الأبيض، فتتحدّد ذكورة الإفريقيّ والعربيّ والآسيويّ وفقًا لذكورية الرجل الأبيض الأمر الذي يمتد ليصبح مقياسًا ضد النساء ولامعياريّي الجنسانية، وذوي الاحتياجات الخاصّة. الدول الغربيّة التي تدّعي الدّفاع عن الحريّات الفرديّة هي نفسها من قامت بتجريم المثليّة من خلال احتلال عسكريّ وفكريّ حاول محو جزء كبير من تاريخنا الذي يشير في جميع فصوله إلى رواج الممارسات الجنسيّة المثليّة، ولعلّ قصص الغلمان في التاريخ الإسلاميّ خير دليل على ذلك. الهيمنة الثقافيّة هي امتداد للاحتلال وهي إحدى آليّات السيطرة على مجتمعاتنا المُنبهرة بالنموذج الغربيّ، فالعديد من المثليّين يعتبرون الغرب مكانا آمنًا لهم فيتسابقون للهجرة أو لطلب اللجوء وهذا حقّهم ولكن دون وعي بأنّ كلّ ما تفعله هذه الأنظمة هي التغطية على جرائمها والكوارث الانسانيّة التي تسبّبت فيها في دول الجنوب.