إضافة تعليق جديد

تشّة: رحلة انعتاق من سرديّات الوصم والعار

لطالما كنتُ، ولا زلت أُسأل : "خوخة، شْنُوّا معناها “تشّة؟"

اعتدت السؤال عن معنى كلمة "تشّة". هذه المفردة التي انتشلتها سواعد كويرية من تحت الأنقاض فصارت تعتلي أسهم الألفاظ المتداولة ببورصة المعاجم الكويريّة في تونس. غالبًا ما أضطر إلى شرح معانيها باقتضاب، ودائمًا ما أحاول اقتناص فرصة للإطناب. فرصة توفي حقّ المفردة وتُثني على ما لعبته في مساري الهوياتيّ من أدوار.

تربطني بـ"تشّة" علاقة عضويّة وهويّاتيّة قد تحول دون تناولها كموضوع بحث مستقلّ عن ذاتي، لذلك سأختار في طرحي هذا الترجّل عن موكب الموضوعية لأنعطف نحو تناول قد يبدو موغلا في الذاتية. بعيدًا عن التشريح الكلينيكي، سأفسح المجال أمام سرد أُعرّج فيه على محطاتٍ متفرّقة من دربي الشيّق رفقة هذا المصطلح الذي كان وما زال شاهدًا على تفاصيل حياتي وصراعاتي لاسترداد الهويّة والجسد. فقد اقترنت رحلة بحثي عن ذاتي مع بحثي الدؤوب عن مسمّيات تصفني، أي البحث عنّي داخل الحيز اللغوي أو عمّا قد يشبهني بالمعجم الكويري، لعلّي ألقاني.

منذ الصغر أَلِفْتُ سماع تلك الرنّة - تِشْ.شَه - وكانت تعني في سجلّنا اللغويّ بالعائلة قطعة لحم مطهوة. في أعرافنا العائليّة يُكرهُ التلفظ بكلمة "لحم"، لا سيما عند مخاطبة الأطفال، فكل أنواع اللحوم كانت تأخذ مسميات بديلة، فتصبح الطيور والدواجن "كوكو" والأسماك "حويتة" وتصبح لدينا لحوم الأغنام وغيرها من اللحوم المطهوة "تشّة". كبرت وأنا أعتقد أن كلمة "لحم" مبتذلة وعليّ تلطيفها.

قد يعزو البعض عبارة "تشّة" لسجلات لفظية أريد لها ترجمة أصوات القلي أو الشواء. فبعض التراكيب التونسية المستمدة من معجم الطهي، كـ"اللحم يتشتش فوق النار" (يحدث صوتًا كالتشتشة) قد تفترض أصولا مطبخيّة للكلمة.

عندما أتممت الإعدادية وانتقلت إلى عالم المراهقين الجديد، أصبحت أشعر بالعار تجاه كلمة "تشّة". نضج أترابي وتخلوا عن معاجم الطفولة وبقيت أنا قيد الالتزام بتلك المفردة المُخجلة. كنت أنزعج كثيرًا عندما أستضيف أحد أصدقائي وتتفوه أمامه أمّي بكلمة الأطفال السخيفة تلك وتنهاني بصرامة عن استعمال غيرها. لم أكن أتوقع يومًا بأن تكون لكلمة "تشّة" معانٍ أو استعمالات أخرى غير تلك التي أثثّت طفولتي وقاسمتني مائدة الطعام.

أعدت اكتشاف كلمة "تشّة" عندما تعرّفت على زميلة لي بالجامعة تمتهن الجنس اسمها رحاب. لم أكن أعرف شيئًا عن هذا العالم. كلّ ما أعرفه عن عاملات الجنس مثقلٌ بأحكام أخلاقويّة وذكوريّة وضعها "المستقيمون" و"الشرفاء". غيّرت صديقتي رحاب من نظرتي الأحادية نحو عاملات الجنس. كانت شخصيّة كاريزماتيّة، حادّة الذكاء، شديدة الفطنة والدهاء. رفضت أن تشتغل لحساب سمسار أو قوّاد وسخّرت وقتها لانتقاء حرفائها بعناية. تردّد رحاب كثيرًا كلمة "تشّة" عندما تتكلّم عن نفسها. كنت قد اعتقدت لوهلة أنني أدركت معنى تلك الكلمة من السياقات التي كانت تتنزّل بها، ولم أستفسر عن ماهيّتها إلاّ بعد أن توطّدت صداقتنا.

يُطلق مصطلح "تشّة" على عاملات الجنس في الأصل، وتحلّ الكلمة محلّ عبارة "قحبة" في سياقات ودية. ينحصر استعمال المفردة في دوائر محدودة، فهي تتردد في أغلب الأحيان على ألسن العاملات وكثيرًا ما ينحصر تداولها بينهن. ليس من الدارج استعمال عبارة "تشّة" لشتم العاملات، وذلك على عكس كلمة "قحبة" كثيرة الرواج والمعمم تداولها. تُوصف عاملة الجنس بـ"القحبة" غالبًا، كما تُنعت بذلك النساء عمومًا بغية التحقير والوصم. يُمكننا اعتبار كلمة "تشّة" نوعًا من التلطيف وقد تحمل في أبعادها بعض معاني الفخر والدلع والاستظراف.

تخاف النساء أن تُنعتن بالقحبة، مثلما أخاف أنا أن أُنعت بالمأبون أو الكريوكة أو المراويّ، فتلك الشتائم المثقلة بحمولات من العار تحمل بعدًا سلطويّا. كنت أقبع تحت سلطة تلك الكلمات، خانعة أمام رهبتها، خاضعة لنفوذها، أرتعب لمجرد سماعها، فكنت أهابها وأتفاداها لدرجة كادت تمنعني من الحياة. أما رحاب فلم تكن تأبه للشتائم، تتعامل معها بلا مبالاة مدهشة وبتهوّر مرح. وكأنها بذلك تفتَكُّ أدوات السلطة من بين أيادي الجلادين، فلا تكاد تترك لهم من تأثير يطالون به سيادتها، أو حرية التصرف في جسدها وجنسانيتها.

هكذا اكتشفت المعنى الحقيقيّ لكلمة "تشّة"...

أحسست بتماهٍ عفوي وخفي يشدني إلى صديقتي الـ"تشّة". ربما كان تماهيًا مع صفتين منشودتين اقترنتا في ذهني بهذه الكلمة وهما: المقاومة والانعتاق. ففي تلك الفترة، كنت منطوية خوّافة ومع ذلك ساقني عنفوان صديقتي لمباغتتها يومًا بالقول: "أنا أيضا تشّة".

دفعتني رحاب إلى انتزاع شحنة العار التي علقت في ذهني حول الجنس والجسد

لم أكن أجرؤ على البوح بمغامراتي الجنسية لأحد. فبالرغم من انتمائي السري حينها لأوساط المثليين -والتي كانت تُعرف بانفتاحها على الجنس- إلا أن تصبّغي بالمناخ المحافظ والخوف الذي ترعرعت فيه كانا يحولان دون إفصاحي عن ميولي أو معيشي الجنسي.

دفعتني رحاب إلى انتزاع شحنة العار التي علقت في ذهني حول الجنس والجسد. صرت أُفصح تدريجيًا عن بعض تفاصيل حياتي الحميميّة ضمن دوائر مغلقة. مهّد لي فخرها بجنسانيتها طريقا نحو الانعتاق، وكانت أول من عهدت إليهن بسرّي المكنون: "أنا مأبون"، فأجابتني ضاحكة: "نعم أعرف!".

اندلعت الثورة في تونس وهمد حماسها الأول، مخلّفا مجتمعًا مدنيًا فاعلاً ويقظًا. تزوجت صديقتي رجلا تقدميًا منفتحًا وانقطعت عن امتهان الجنس. أما أنا فقد امتلأت رئتاي بنسيم التغيير وقررت المقاومة، فانضممت إلى المجتمع المدني ملتحقةً بركب النضال المثلي. كان الخطاب المثلي، آنذاك، منهمكًا في إرساء نهج الانضباط اللغوي، ساعيًا إلى تنقية المعجم المثلي من الشوائب. كنت شاهدة على فترة يحكمها شعار واحد "أنا مثلي ولست بشاذ". كانت تلك النزعة الخطابية-التصويبية جذابة، وهو ما جعلني أنصاع لها وأتخلّى عن كلمة "تشّة" التي كانت ضمن لائحة الشوائب الواجب بسترتها.

لم يكن مجرد لفظ تشّة ما كان يفزع المجتمع الأكبر والنشطاء المثليين، ربما كان المفزع فيه ما كان يحمله من إشارة صريحة إلى الجنس والجنسانية اللامعيارية. إشارة تحدٍ في مواجهة طباع المجتمع الرافض، أو ربما لِما تحمله تاء "تشّة" من تأنيث، فهي كشقيقتها "كريوكة" تحمل مدلولا تحقيريا ينبع من دونية "الأنثوي" في مخيالنا الجمعي. لا يمكنني الجزم بهذه الفرضيات، لكن ما يمكنني تأكيده -على الأقل- أنه على أساس أنوثتي الناتئة كان يسقيني المجتمع الأكبر والمثليون قمعًا وتمييزًا وإقصاءً.

أعتبر انتمائي إلى مجتمع المثليّين مسارًا إجباريّا وحتميًّا تحوّل بمرور الوقت من حِصن يعطيك ولو نسبيًا الإحساس بالأمان إلى سجن كبير، حيث لم تكن حملات القمع والتطهير اللّغوي بمعزل عن بقيّة الممارسات الإقصائية الأخرى. فالممارسة الخطابية "تدخل في علاقات تفاعل مع الممارسات الأخرى وكثيرًا ما تمثل عائقًا رمزيًا أو واقعيًا يحول دون هذه المشاركة"1.

لم يكن انجذابي الوجداني والباطن نحو الرجال سببًا عميقًا أو مباشرًا لتعرضي لأشكال التمييز والعنف. كانت خصالي الأنثوية الفاقعة في جسد قيل إنه "ذكري" هي المؤشر البازغ الذي كان يدق نواقيس الخطر. كانت تلك الهيئة الخنثوية والخصال الملموسة والعاصية التي توحي بالعهر، بالخطيئة والشذوذ، م وتحيل المارة بالأرصفة نحو افتراض الميول المثلية لدي، أو "الوَبنة" كما يقال بالعامية. ولا ينأى مفهوم "الوَبنة" في دلالاته التونسية عن مفهوم الأُبنة كعيب أو كصفة للمأبون.

تجعل مني خنثويتي السافرة مؤشرًا مزمنًا لـ"الوبنة" وتجعل من احتكاكي بالمثليين أداة وشاية. ولهذا تبرأ منّي قسمٌ من المثليين، ودفعوا بي إلى القعر، عسى أن يظفروا بانعتاقهم المنفرد من جحيم الآخرين فأنا من الكائنات الكويرية "المحروقة" و"الشانعة". وضعني القمع المثليّ أمام مفترق طرق، أدركت معه بأن ما أتقاسمه مع "التشّة" و"الكريوكة" من تحقير وإقصاء هو حتمًا أشد عمقًا وتجذرًا مما أتشاركه من قمع مع المثليين. أقصد هنا بالمثليين؛ المتماهين، المنسجمين والمتطابقين مع المعايير الجندرية والأخلاقية السائدة. أي أولئك الذين لا يلمح الشارع لديهم لُبسًا ولا يهددون علنًا استقرار الوضع العام. الذين بإمكانهم اجتياز اختبارات الرجولة والقبول الاجتماعي، أو الذين بإمكانهم الإفلات من خطر التعرية والانكشاف. فتظّل أجسادهم مصانة و"شوائبهم" مخفية بمنأى عن الرقابة والنظرات الثاقبة.

شكّل انتسابي لغويًا لفئة الـ"تشّة" دفعة جديدة نحو تعزيز افتخاري بأنوثتي، بنسويّتي وبكويريّتي. كانت نقلة نوعية من حيث أساليب استعمالي وتَمثُلي لجسدي. أصبحت بذلك الانتساب أسعى جاهدة لاسترجاع ملكية جسدي المأسور. جسدي الذي ما فتئ يقبع باستمرار تحت وابل من الشروط والسياسات الجندرية والجنسانية القسرية. ساعدت "تشّة" جسدي على التحرر. حوّلت جسدي المسيّس، المشرطن والمشيطن من شمّاعة للتحقير والوصم إلى أداة سياسية للمقاومة وزعزعة الأسس السيس-هيتيرو-معيارية. أصبح جسدي هو الغاية والوسيلة والذات، هو الموضوع والمحتوى والوعاء. هو الذي أُجابِهُ من خلاله القمع وأتحدى به المعايير الجندرية المجحفة والفاشية. فـ"بالقدر الذي تعمل فيه المعايير الجندرية تحت رعاية القيود الاجتماعية، فإن إعادة تأويل تلك المعايير من خلال تكاثر وتفاوت الأنماط الجسدية يصبح طريقة ملموسة ومتاحة لتسييس الحياة الشخصية"2.

حمل عزل مصطلح "تشّة" عن المعجم الكويري بتونس إقصاءً لمجموعات كويرية-قاعدية بأكملها. فكانت محاولات الخطاب الجمعيّاتي لفرض معجم مستورد "نقي" تزيد -بالنسبة لي- من هشاشة وتعرية المجموعات الأكثر تهميشا، وتعمل على حرمانها من أدواتها الأصلية والأصيلة للتعبير والوجود. ومثلما يقول فوكو في أحد أهمّ محاضراته بـ"الكولاج دي فرانس" عن "نظام الخطاب": "ليس الخطاب ما يترجم الصراعات أو بنى الهيمنة فقط، بل ما يترجم بماذا ولماذا نتصارع، تلك السلطة التي يُراد افتكاكها"3.

ربما يكون في استرجاع مصطلح "تشّة" ودمقرطته أو إقحامه في المعاجم النضالية، اعترافًا وتمكينًا لتلك المجموعات المعزولة التي لا تحظى بسلطة معرفية، ولا تحظى ثقافتها بشرعية تمثيل النضال الكويري.

في كتابهما "الفصل 230: تاريخ من تجريم المثليّة الجنسية في تونس" أورد الناشطان رامي خويلي ودانييل ليفين سبوند شهادة لترافيستي تدعى إليسا تتحدّث فيها عن النشطاء المثليين، قائلة: "أشعر أني بعيدة عنهم، يضعون الكثير من المسافة بيننا. هم طلاب أو موظفون حكوميون وأنا لا أشعر أنني ممثلة في هذه المجموعات. لا يزالون ينظرون إلينا كضعفاء، أو مستفيدين. لم يحاولوا إدماجنا كما يجب. هناك أيضاً الكثير من التمييز في مجتمع الـم.ع".

إن تمثّلي وتماهِيّ مع مصطلح "تشّة" -أي الاكتساء بنعتٍ كان يخصّ في البدء عاملات الجنس- يعكس جوهر إيماني ووفائي لمبادئي التقاطعية ولروح التضامن. يذكرني ذلك المسمّى الفضفاض بانضمامي على نفس خط المقاومة والدفاع مع الأفراد والمجموعات الأكثر تهميشًا، أي أولئك القابعون في قعر الهرميات الاجتماعية. أنقذتني "تشّة" من وهم الامتياز الزائف. مفردة من ثلاثة أحرف بطعم النسويّة-الكويرية وبنكهة تقاطعية. "تشّة" مفردها مؤنث دائم لا تغيب عنه تاء التأنيث، يحتضن في استعمالاته جميع الجنادر. جمعها "تشش" وهو على الأرجح حيادي الجندرة رغم أنّي أحبّذ جمع "تشتوشات" وهو قطعي-التأنيث ليصبح مفردهُ "تشتوشة".

اليوم، ومع اتخاذي لمسافة عن ذلك التطور المفصلي الذي لحق بكلمة "تشّة"، تبيّن لي أن انتشالها من طيّات الوصم والتهميش، جعل منها رهانًا لغويًا كاسبًا. فقد ساهم الطابع المبهم لتلك المفردة في مرونة تطويعها وسهّل انتزاع شحنة العار التي تشوبها. كما عزّز طابعها الهلامي من فرص إعادة افتكاكها وتحميلها معاني فخر وانتماء جديدة، كما أدى ذلك إلى إكسابها بُعدًا فضفاضًا يَعِدُ بشمولية نامية.

  • 1. رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة، بترا للنشر والتوزيع، سوريا، 2005، ص 114
  • 2. Judith Butler, Sex and Gender in Simone de Beauvoir's Second Sex, Yale French Studies, No. 72, Simone de Beauvoir: Witness to a Century (1986), p45
  • 3. Michel Foucault, L'Ordre du discours, Gallimard, Paris, 1971, p12