إضافة تعليق جديد

"من أي بلد أنت": تندر والعنصريّة

في برلين كلّ شيءٍ مختلف، حتّى تجربتي مع تندر كانت مختلفة عمّا عشته في بيروت. أدهشني تنوع الناس الهائل في هذا المكان والذي لا يقتصر على مجموعات محددة أو شبكات علاقاتية ضيقة فحسب، فالكثير من الناس كانوا من خلفيات ثقافية وجنسيات متنوعة

تكتب زينة العبدالله لجيم و Wir Machen Das عن تجربتها على تطبيقات المواعدة في برلين.

 

لقد فاتني الانضمام المبكر إلى تطبيق تندر، أحد تطبيقات المواعدة، منذ إطلاقه سنة 2012. ربّما لأنّني كنت أواعد أحدهم في تلك الفترة ولكن الأكيد أنّ هذا التطبيق لم يثر فضولي رغم أنّ العديد من أصدقائي اندفعوا لإنشاء حسابات عليه والتقاط صور لأنفسهم وتحميلها على حساباتهم الخاصة.

كنت مقتنعة بأن تطبيقات المواعدة تخدم الأشخاص العاجزين عن الحصول على موعد بالطرق العادية المتبعة، كأن يلتقوا بأحدهم في أحد البارات أو أن يصادفوا شخصًا مثيرًا للاهتمام بأحد المقاهي ولم يمتلكوا الجرأة على بدء محادثة معه أو تبادل الأرقام.

بعد أن انتهت علاقتي بذلك الشاب أنشأت حسابًا على تندر لاكتشاف هذا العالم الافتراضي. كنت مقيمة في بيروت ولم يتبادر إلى ذهني يومًا أن أُولي اهتمامًا خاصًا لكوني من الجنسية السورية أو لميولي ثنائية الجنس في عمليّة البحث عن رجل أو امرأة قصد التعارف. وبطبيعة الحال لم أكن أهتم بجنسية الآخر سواء كانت عربية أو أجنبية بقدر ما كان اهتمامي موجهًا إلى خلفيّته الثقافية ومجالات اهتمامه.

اكتفيت بالدردشة وتبادل الرسائل القصيرة بين الحين والآخر دون مواعدة أحد فقد دخلت في علاقة جديّة مع فتاة. لم أتعرّض لمواقف عنصرية في فترة استخدامي لتندر في بيروت ربّما لأنّ الأشخاص الذين كنت أتواصل معهم منفتحين وغير مقيّدين بفكرة الأقليّة والعرقيّات ولكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال غياب العنصريّة عن تطبيقات المواعدة.

بعد أن انتقلت إلى برلين، دخلتُ في نسقٍ تصاعديّ سريع ولم أعد أمتلك الوقت الكافي للتعرّف على الناس والاختلاط بهم. الكثير من العمل، الكثير من المشاغل، الكثير من الأوراق، والقليل من الوقت. عدت إلى استخدام تندر، وأدركت عندها أن الأمر لا يتعلق بقدرتي أو عدمها في الحصول على موعد، وإنما بغياب الوقت الكافي للبحث عن الشريك العاطفي أو الجنسي.

في برلين كلّ شيءٍ مختلف، حتّى تجربتي مع تندر كانت مختلفة عمّا عشته في بيروت. أدهشني تنوع الناس الهائل في هذا المكان والذي لا يقتصر على مجموعات محددة أو شبكات علاقاتية ضيقة فحسب، فالكثير من الناس كانوا من خلفيات ثقافية وجنسيات متنوعة. أتاح لي هذا التطبيق فرصة توسيع آفاقي والتعرّف على أشخاص مختلفين عنّي: كاتب إيطالي؟ أو عدّاء سويدي؟ أو موسيقي إسباني؟ أو فنان فرنسي؟ نعم يُمكنني التواصل معهم في يوم واحد.

انقضت فترة الانبهار الأول وبدأت في اكتشاف جوانب من هويتي لم أتطرق إليها من قبل. على سبيل المثال المحادثات التي تبدو بريئة حول انتمائي المكاني (بلدي الأصل).

"من أيّ بلد أنت؟"، الجملة المملة والسهلة لبدء أي محادثة في مدينة كبيرة مثل برلين حيث غالبية الناس في الواقع مهاجرين قادمين من أماكن بعيدة.

أجد صعوبة في الرد على هذا السؤال. الجواب ليس بسيطًا كما تعتقد. لكي أكون دقيقة يجدر بي القول أنني من درعا في سوريا إلا أنني لم أعش فيها في أي فترة من حياتي. بدأت حياتي في دمشق وكلّ ما أذكره من تلك الفترة أنّني كنت ثائرة على التقاليد والأعراف. جوابي بأنني سواء من درعا أو دمشق أو حتى من سوريا ليس دقيقًا، لما يترتب عليه من إسقاطات ثقافية على تكويني الشخصي. وبما أنني عشت خمس سنوات في بيروت لا أعلم إن كان يجدر بي ذكر ذلك أساسًا في المحادثة، خاصة وأنّني أحنّ إلى بيروت لا دمشق.

بعد مدة أصبحت أجيب على سؤال "من أي بلد أنت؟" بالقول: "لست من أي مكان، لكنني أعيش الآن في برلين". بشرتي السمراء التي تكشف عن أصولي غير الأوروبية تدفع الآخرين دائمًا إلى استجوابي عن بلدي الأم. في أحد المرّات أصرّ أحدهم على معرفة أصولي فأجبته ممتعضة بأنّني من بلد عربيّ فأجابني بوقاحة: "لم أر في حياتي كسًّا عربيًّا أسمر". لقد اختزلني هذا الأخرق في عضو تناسليّ ذي لون مختلف عوض الاهتمام بتجاربي الحياتيّة وبأفكاري التي استوت على مهل بعد أن اختبرت الكثير وتنقّلت من بلد إلى آخر.

لقرون عديدة كانت العلاقات بين فردين من جماعات عرقية مختلفة غير مقبولة، إلا إذا كانت نتيجة للاحتلال. لوقت طويل كان الاختلاط بين الجماعات العرقية نادر الحدوث، ومن التابوهات الغامضة، وبالتالي يعتبره البعض مغريًا جنسيًا على اعتبار أنّ كل ممنوع مرغوب. أعتقد أنّ الوقت حان لتجاوز هذه الترّهات. لا أريد الخروج في موعد مع شخص يود تجربة خيالاته الجنسيّة القائمة على تعميمات وأفكار مسبقة تختزل المرأة العربيّة في جسدها ولون بشرتها. حتّى أكون صادقة لست ضدّ الأشخاص الذّين يفضّلون سمات ومواصفات جسدية دون غيرها لدى الشريك العاطفي أو الجنسي، ولكن عندما يصبح الأمر انجذابًا مفرطًا أو غير عقلاني تجاه عرق ما، لا يصبح الأمر مجرد تفضيل لسمات دون غيرها بل يتحول إلى إلغاء شخصية الفرد مقابل لون بشرته.

صحيح أنّ لكل فرد تفضيلاته في اختيار الشريك العاطفي. فبعض النساء تفضّلن العيون الزرقاء، وبعض الرجال يحبون النساء ذوات الشعر القصير، لكن عندما يكون الدافع الوحيد سواء لانتقاء الآخر أو رفضه يحدد بحسب الانتماء العرقي فإن الأمر لا يعتبر مجرد تفضيل بل هو سلوك عنصري مرفوض علينا فضحه والكتابة عنه.