إضافة تعليق جديد

هل يمكن للكتابة أن تُحرّر أجسادنا؟

18/07/2019
1669 كلمة

هذا ليس مقالا ولا بحثًا، بل هي محاولة شخصية لطرح بعض التساؤلات حول جسدي وجنسانيتي، من خلال رؤيتها في سياقها السياسي والاجتماعي ومن خلال فهم هويّاتي العديدة المركبة والمرتبكة أحيانًا وأبعادها التاريخية المتراكمة.

"من منظور معين، العالم مجهول بالنسبة إلى هؤلاء الناس رفيعي المقام. لذلك أنا أنقد هؤلاء الذين يأتون لتقديم المساعدة دون أدنى فكرة عما ينبغي عليهم فهمه. في عالم أهل القاع الحق الأول هو الحق في الرفض".

- غاياتري سبيفاك

 

لماذا أكتب؟

أسأل نفسي هذا السؤال منذُ أن عاودتُ الكتابة قبل بضعة أشهر.

أكتب كي أتعرف على نفسي، لأعرف ماذا أريد من هذا العالم. وقبل ذلك أكتب كي أتعرف على جسدي، هذا الجسد الذي صرت أعتبره أكبر سجنٍ في العالم.

وُلدت بجسد ذكر عليه أن يكون رجلا طيلة الوقت، هكذا يقول أبي. على مدار سنوات الطفولة والمراهقة، استُعمر جسدي من قِبَل السُلطة والعائلة، وفُرِضَت ميكانيزمات الرجولة عليه. لم أحاول استكشاف جسدي بنفسي إلا مرات نادرة، وفي الآونة الأخيرة أتساءل: هل أعرف احتياجات جسدي فعلًا؟ هل هذا ما أريده؟ ماذا لو كانت هناك أدوار جندرية أخرى، بعيدًا عن الدور الذكوري التقليدي، أريدها وأشتهيها ولكني لا أعرفها.

هذا ليس مقالا ولا بحثًا، بل هي محاولة شخصية لطرح بعض التساؤلات حول جسدي وجنسانيتي، من خلال رؤيتها في سياقها السياسي والاجتماعي ومن خلال فهم هويّاتي العديدة المركبة والمرتبكة أحيانًا وأبعادها التاريخية المتراكمة. أحاول انتقاد تجاربي العاطفية والجنسية السابقة، هل يمكن أن توجد أشكال مختلفة للممارسة الجنسية داخل إطار العلاقات المغايرة جنسيًا؟

 

حداثة عمياء وذوات مقموعة

لم أعد منجذبًا بشكل كامل لشكل الممارسة الجنسية التقليدي الذي تربيّت عليه منذ طفولتي. أبحث عن أشكال مختلفة وجديدة تشبعني حتى وإن لم أمتلك تصورًا عنها حتى الآن.

بالنظر إلى علاقات القوة في التجارب العاطفية السابقة، رأيت كيف تتحول الامتيازات الذكورية إلى سبب مباشر للأذى، فكنت دومًا أبحث عن إطار علاقة يتّسم بالندية والمشاركة، الإطار الذي أعتقد أنه ملائم لشخصيتي وتركيبتي الاجتماعية. هذا لم يحدث، لأنّ علاقات القوة التي يفرضها المجتمع والسلطة سيطرت على العلاقة. وعندما اضطررت إلى اللجوء إلى حلول تقليدية كالتفكير في الزواج، هيمنت علاقات القوى بشكل شبه كامل وطرحت فيما بعد سؤالا رئيسيًا: هل يستطيع شريكان استخدام الإطار التقليدي لمنظومة الارتباط لتحسين ظروف حياتهما دون إعادة إنتاج تلك المنظومة بشكل أو بآخر؟ ما وصلت إليه أن الأمر أشبه بالمستحيل.

تعرّفت على النظرية "ما بعد الاستعمارية" منذ أربع سنوات تقريبًا، عندما تحررت من كلّ التزاماتٍ أيدولوجيّة أو حزبية. ما شدّني إلى هذه النظرية النقدية أولًا وبالأساس هو اهتمامها بالذات التي لا تعيرها الأيدولوجيات اليسارية اهتمامًا كبيرًا. تلك الذات التي كانت تسبب لي إحراجًا كبيرًا عندما أتحدث عنها في الاجتماعات الحزبية الرسمية. الأمر الثاني هو تناولها لـ"الذات المستعمَرة" التي انسحقت بتقنيات الاستبعاد مرة والاستيعاب مرة أخرى، التقنيات التي شكّلها الاستعمار ثم قام بتوريثها لنُخب من صنعه وحده، كي تكمل رسالة "الحداثة" من مراقبة وتحكم وإنتاج واستهلاك.

"هل يمكن للتابع أن يتكلم؟" ذلك التساؤل الذي تملّكني منذ أكثر من سنتين، والذي كان عنوان النص الرئيسي للمُنَظّرة ما بعد الاستعمارية غاياتري سپيفاك؛ هل يمكن لنا أن نصل إلى صوت المضطهَد؟ أم أننا في أفضل الأحوال نتكلم نيابة عنه؟

تتحدث سپيفاك عن تعامل الاستعمار البريطاني مع عادة "ساتي" في المجتمع الهندوسي، التي تقضي بحرق الزوجة لنفسها بعد وفاة زوجها، بالطبع يصرخ الجميع "ما هذا التخلف القروسطي؟!". لكن هل سأل البيروقراطيون البريطانيون أنفسهم، والبرجوازية الهندية من بعدهم، ماذا تريد النساء الهندوسيات بحق؟ ماذا يدور بداخلهن؟ وما هو تصورهن لذواتهنّ وكيف ينظرن إلى أجسادهن؟ لم يحدث هذا قط وأعتقد بأنه لن يحدث.

لم تقف المجتمعات المُستعمَرة موقف المشاهد أمام دخول "الحداثة" وما قامت به من تغييرات لطبيعة المجتمعات المحلية وبنيتها. وعلى مدار تاريخ الاستعمار حضرت المقاومة في المجتمعات المحلية بأشكال شتى، لكنها لم تكن "تقدمية" على الدوام لأن التاريخ لا يتحرك بإرادة السياسيين وبرامجهم وإن كان ذلك مؤثرًا بالطبع في حالات كثيرة. عادة ما يتحرك الناس للمحافظة على الهوية المحلية والأشكال القديمة التي تنظم المجتمع في حركة غير منظمة وبلا هدف محدد وواضح في أغلب الأوقات، ذلك ما يجعل الاستعمار ليس قامعًا للشعوب فقط، بل يوقف التطور الطبيعي لتلك المجتمعات، منتجًا تشوهات في البنية الاجتماعية لا تعود بعدها تلك المجتمعات إلى ما كانت عليه من قبل.

 

حول الهيمنة القضيبية والانسداد الفكري لليسار المصري

هل أنا كرجل يحمل تقنيّات وانفعالات الذكورة بداخله أستطيع التحدث عن النساء وما يدور في عقولهن؟ بالطبع لا. هذا الموقف هو نتاج لتفاعلات شخصية مع تجارب سياسية وعاطفية، قبل عدة أعوام كنت أتبنى الموقف الذي يرى أنه من الطبيعي أن يتحدث الرجال عن قضايا النساء واضطهادهن، ولكن بمرور الوقت بدأت أدرك أن ذلك ليس بالنهج المناسب؛ فمن المستحيل أن يدرك الرجال بشكل كامل ما تشعر به النساء من اضطهاد خلال التفاعلات اليومية في الشارع والمنزل والعمل. الرجال لا يعيشون ذلك بل هم جزء رئيسي من ذلك الاضطهاد نتيجة الامتيازات المتاحة لهم والهيمنة الشاملة على المجتمع.

على مستوى آخر، قناعة الرجال بأن قيادتهم للنقاش عن قضايا النساء في المنظمات السياسية شيء طبيعي يفتح بابًا واسعًا للاستبدالية وتغييب النساء عن قضاياهن، ذلك ما عايشته وأغلب جيلي خلال النشاط في الحركات اليسارية بعد الثورة المصرية (يناير 2011)، استبدالية كانت تصل في بعض الأحيان إلى أشكال ساخرة متمثلة في أنّ مسؤول لجنة المرأة في الحزب رجل.

أعتقد أن النقاش حول تلك النقطة ينبغي أن ينطلق من سؤال "ماذا تريد النساء؟" وما هو الدور الذي تطلبه النساء من الرجال الراغبين في الاشتباك مع تلك القضايا، مع الوضع في الاعتبار بشكل رئيسي علاقات القوى والأدوار الجندرية في المجتمع ككل.

كيف لنا أن ندَّعي التحرر ونحن لا نحاول أن نساهم في فتح نقاش متعلق بالتحرر الجندري والجنسي؟

والآن، أحاول أن أستخدم ما ألهمني في السنوات السابقة للمساهمة في إخراج إنتاج معرفي متعلق بالقضايا الچندرية والجنسانية، لا عن طريق التحدث بالنيابة عن النساء المقهورات ولكن عن طريق سرد التجربة والتفاعلات الشخصية والجنسية التي حدثت لي في حياتي واستهلاكي لها وتفاعلي معها من أجل محاولة لحل معضلة ضخمة بداخلي. المعضلة هي أننا كرجال في هذا العالم، إذا كنا ندَّعي التحرر، فنحن غارقون في أزمة أخلاقية عميقة. كيف لنا أن ندَّعي التحرر ونحن لا نحاول أن نساهم في فتح نقاش متعلق بالتحرر الجندري والجنسي؟ كيف لنا أن نرى تلك القضايا هامشية خصوصًا في المجتمعات الشرق أوسطية التي نعيش فيها؟

هذه النقطة تنقسم إلى شقين، الأول: الرجال "التقدميون" هم في الأصل رجال، وُلدوا وانغمسوا في علاقات القوى المهيمنة لمصلحة الرجل، بالتالي هم ليسوا على استعداد للتنازل عن تلك الامتيازات طواعية، ذلك غير مُتصوّرٍ من الأساس. يحتكر الرجال المعرفة، وتتجلى تمامًا سلطة المعرفة التي تجعل النساء في موقع التابع دائمًا، لتظل مُنجذبة إلى نموذج "المناضل المثالي" الذي يعرف أكثر منها على الدوام ويمنحها المعرفة وقتما يحب وبالقدر الذي يساهم في رضوخها له. تسيطر هنا "المركزية القضيبية" التي تنظر إلى الأشياء من وجهة نظر الذكر بالأساس، وأن الرجل هو "الإيجابي" دومًا والمرأة ما هي إلا وعاء مُستقبِل "سلبي" دومًا، لتخلق تلك المركزية في بعض أشكالها، الذكر "المُحتوي" الذي يهيمن بالعنف مرة وباحتكار المعرفة مرة أخرى مُعيدًا بذلك تشكيل العالم حسب تصوراته وحده.

أما الشق الثاني فهو يتعلّق بالتربية السياسية في الحركات والأحزاب اليسارية: تعتمد تلك التربية على ما يُسمى بـ"فقه الأولويات" الذي يعني أن الكلام عن النسوية وقضايا الجندر يكون في ذيل قائمة الاهتمام والنقاش ذلك إن وُجد من الأساس. تُناقش قضايا اضطهاد النساء استنادًا إلى مركزية "الطبقة" في التحليل، هذه المركزية تُهمّش باقي الأشكال المختلفة من الاضطهاد كالنوع والعرق والموقع الجغرافي، على سبيل المثال. لم يُفتح نقاش حول تقاطعيّة الاضطهاد وتبني رؤية جديدة ترتكز على عدة أسس لا أساس واحد مما جعل تلك الحركات تتخلف عمّا وصل إليه الحراك في قضايا الجندر في مختلف بلدان العالم. تلك التربية السياسية تساهم بشكل رئيسي في جعل الرجال داخل الحركات اليسارية أكثر تمسكًا بامتيازاتهم، غير مهتمين لا بتفكيكها ولا حتى مناقشتها بشكل موسع.

 

أزمة الإنتاج المعرفي الجندري باللغة العربية

إذا استخدمت نفسي كمثال، فمعرفتي واهتمامي بقضايا النسوية والجندر جاء من خارج السياسة اليسارية المنظّمة، عبر تجارب شخصية ومناقشات مع صديقات ومجهود نظري فردي. ينبغي علينا الالتفات إلى هذه الحقيقة والاعتراف بها كخطوة أولية لحل تلك الأزمة. على مستوى آخر، وكأحد الأسباب الرئيسية لاهتمامي بالنسوية ما بعد الاستعمارية، أحاول الإجابة على تساؤل محرج للغاية، وهو كيف يكون الإنتاج المعرفي باللغة العربية المتعلّق بالقضايا الجندرية والتحرر الجنسي بهذه القلّة؟ ولماذا لا يوجد لدينا إسهامات معرفية للتعبير عن أنفسنا وذواتنا؟

أغلبنا متأثر تمامًا بالإنتاج المعرفي الغربي المركز فيما يخص الجندر، وأغلبنا يعرف حركات الموجة الثانية والثالثة حق المعرفة. المشكلة ليست هنا بالطبع، فتلك نضالات تُعلم العالم ومضطهَديه وتراكِم خبرات وانفعالات، يجب على الجميع فهمها والتعامل معها. ولكن، أين إنتاجنا نحن الناطقين/ات بالعربية، التي وقعت الشعوب المتحدثة بها تحت استعمار أوروبي طويل؟ أين تجاربنا الخاصة مع أجسادنا؟ والتي بالتأكيد تختلف سياقاتها عن السياقات الغربية المركز. ينبغي أن نجتهد في تفكيك علاقات القوى التي تحكم المجتمعات ما بعد الاستعمارية، وعلاقات الجسد بالإسلام وتراثه، وكيفية صعود دولة ما بعد الاستعمار الوطنية وانهيارها، كل ذلك هو دورنا نحن، الناشطين والناشطات من أجل إنتاج معرفي تحرّري لقضايا الجندر والتحرر الجنساني.

أمامنا فرصة عظيمة، نحن القابعون/ات في هذا الجزء من العالم، هي فرصة الرفض والهدم، ثم الانطلاق نحو بناء إنتاجنا المعرفي وبرنامجنا للتحرر

لا أعني هنا أن العالم منقسم إلى شطرين (شرق-غرب) منفصلين تمامًا في البنى وطريقة العمل، لا أقع في خطأ الجوهرانية بأن الغرب "متقدم على الدوام" والشرق "متخلف على الدوام"، نحن نعيش في عالم واحد تحكمه آلة سلطة ضخمة هي الرأسمالية، التي تقوم بنفس عمليات الاستغلال والتهميش والاستبعاد ولكن في سياقات مختلفة وتقسيم عمل وأدوار مختلف. ينبغي علينا النظر إلى تفكيك هذه السياقات من أسفل، من علاقات القوى في المجتمعات المحلية أولًا، ثم الانطلاق إلى برنامج وأدوات عمل تعتمد على تحليلات متعمقة لذواتنا ومجتمعاتنا. أمامنا فرصة عظيمة، نحن القابعون/ات في هذا الجزء من العالم، هي فرصة الرفض والهدم، ثم الانطلاق نحو بناء إنتاجنا المعرفي وبرنامجنا للتحرر، تقول سپيفاك: "من منظور معين، العالم مجهول بالنسبة إلى هؤلاء الناس رفيعي المقام. لذلك أنا أنقد هؤلاء الذين يأتون لتقديم المساعدة دون أدنى فكرة عما ينبغي عليهم فهمه. في عالم أهل القاع الحق الأول هو الحق في الرفض". 

ذاكراتنا هي ذاكرة المضطَهَدين والمضطهِدين، أريد أن أكون جزءًا من صناعة تلك الذاكرة الجمعية للاضطهاد والتهميش والاستبعاد، حتى يكون هناك مخرج، والكتابة هي مخرجي الوحيد. لكن، هل الكتابة قادرة على تحرير أجسادنا؟ أم أن هذه تصورات رومانسية في أغلبها؟

أفكر في هذه النقطة كلما بدأت في كتابة نص جديد. أعتقد بأنه بمجرد خروج الأفكار من الرأس وتحوّلها إلى أحرف مكتوبة يفقدها جزءًا كبيرًا من مقصدها عند الكاتب/ة. قد تشكل الكتابة ومشاركتها بشكل واسع سجنًا في أحيان كثيرة، بل ومسببًا إضافيًا للألم. استقبال القرّاء للنصوص يتفاوت من فرد إلى آخر نتيجة اختلاف التجربة الشخصية والتأويلات المتعددة للنص والانفعال معه، حتى وإن كنت مدركًا تلك الحقيقة فإن التعامل معها من موقع الكاتب يصيبني بالتوتر الشديد. يزداد الأمر صعوبة عند الكتابة عن جسدي لأنّني مُشوّش ومُرتبك. يمثل جسدي متاهة أدور فيها كل يوم دون الوصول لاستخلاص محدد، كمٌّ رهيب من الانفعالات والممارسات اليومية سواء في الشارع أو في العلاقات العاطفية يصعُب تفكيكها والكتابة عنها.

هذا النصّ الذي كتبته بمشقّة أصبح يُشكّل عبئًا ثقيلا يؤرّقني ليس بسبب التزامي بموعد تسليم أو ما شابه ذلك ولكن مراجعة المكتوب ومقارنته بالأفكار داخل رأسي وإدراك الهوّة بينهما أحبطني كثيرًا. علاقتي بالكتابة مُركبّة. أهجرها وأعود إليها وفي أغلب الأحيان لا أعرف لماذا أكتب، كلّ ما أعرفه ربّما هو أنّ الكتابة لن تنقذني من الاكتئاب والألم ولكنّها تُمكنّني من مساحة للبوح، وهذا أمرٌ عظيم.