إضافة تعليق جديد

الجنس في روائية حيدر حيدر: طائر حرّ يُغنّي في وحشة الكهوف العربية

14/10/2019
1610 كلمة

 بين الواقع والخيال يقذف حيدر بالكثير من الأحجار في البرك المتعفّنة، حتى يعطي للأشياء رائحتها الحقيقية وصورتها الطبيعية التي طمستها ثقافة سَترُ المعاصي. وهنا يتدفق الجنس والحب - بما منحته لهما الطبيعة من قوة وعنفوان وتجذر في الكيان - ليشكّلا صرخة في وجه الإبادة اليومية للأجساد، وإصرارًا أبديًا على أن لحظات الجسد الهاربة والمجنونة لا تَسعها الأقفاص والمَوانع.

تتجلّى عوالم الروائي السوري، حيدر حيدر، مثل سراديب ومنافي وكهوف أقفلتها سُنّة الآباء المنقرضين وثقافة التحريم. ولكن حيدر "ملعون" و"خارجي"1، يُزعج صمت الكهوف ويُشعِل في الغابات العربية العتيقة حرائقه التي لن تخمد إلا بانتهاء الخراب وميلاد الإنسان الجديد. كيف ينمو الحب في أرض ترويها جماجم المنبوذين والمسحوقين؟ كيف يحافظ الجنس على حرارته واندفاعه في زمن صارت فيه الأجساد مقابر جماعية؟ كيف يُنقِذ الإنسان حريته من سطوة الأسلاف وأساطير العفة والنقاء؟ 

مهرجان من الأسئلة المزدحمة في روائية حيدر حيدر؛ استفهام عميق عن الوجود والكينونة وأسرار الجسد والروح. يدفع حيدر بشخصياته الروائية إلى المستنقعات والأوحال والمنافي، يتركها للظلمة والعراء وسط ليل عربي طويل ومُوحش، يَهبها طاقة حسية ومعنوية للتعبير عن أحلامها وخيباتها العريضة، ثم يسحبها برفق إلى عوالم الضوء والحرية والاحتراق. بين الواقع والخيال يقذف حيدر بالكثير من الأحجار في البرك المتعفّنة، حتى يعطي للأشياء رائحتها الحقيقية وصورتها الطبيعية التي طمستها ثقافة سَترُ المعاصي. وهنا يتدفق الجنس والحب - بما منحته لهما الطبيعة من قوة وعنفوان وتجذر في الكيان - ليشكّلا صرخة في وجه الإبادة اليومية للأجساد، وإصرارًا أبديًا على أن لحظات الجسد الهاربة والمجنونة لا تَسعها الأقفاص والمَوانع. 

أسئلة عن جدلية "الحرية" و"العهر" في اجتماعيات النقاء العربي، عن التباسات الحب والجنس والزواج والحرية المسروقة، عن الجنس المكبوت خلف سياجات البكارة الموهومة

 

من "فلة العنابية" و"آسيا لخضر" و"مهدي جواد" في رواية "وليمة لأعشاب البحر"، إلى "دميانة" و"ناجي العبد الله" في رواية "مرايا النار"، تتجلى الأجساد مثل حقول أحرقها الغزاة وهم يتلون عليها آيات الشرف والاستغفار. ومن داخل جحيم الموت والخراب الداخلي ستُولد الكثير من المعاني والكوابيس والأسئلة، أسئلة عن جدلية "الحرية" و"العهر" في اجتماعيات النقاء العربي، عن التباسات الحب والجنس والزواج والحرية المسروقة، عن الجنس المكبوت خلف سياجات البكارة الموهومة، عن المرأة الباحثة عن الحب والشهوة داخل غربة الجسد، عن رجل الثورة المنفي الذي تحاصره معايير الأجداد فيبحث عن كينونته الجديدة داخل امرأة الحلم والصدمة. 

 

المرأة الحرة: "عاهرة" و"إباحية" 

في بونة أو عنابة، المدينة الساحلية التي تقع شمال شرق الجزائر، تدور أحداث رواية "وليمة لأعشاب البحر"، هناك على إحدى شواطئ المتوسط تُولد حكاية حب بين الفتاة الجزائرية "آسيا" ومدرّس اللغة العربية "مهدي جواد" القادم من جحيم الاغتيال السياسي في العراق إلى منفاه الأفريقي. ينمو حب آسيا ومهدي في الظلام، غريبًا وخائفًا، يحاصره الكهنة والتجار وحراس الأخلاق، وينشأ معه جدلٌ صاخب عن الحرية المفقودة. كانت آسيا امرأة مرصودة، يتعقبها الإثم والفضيحة والإباحية لأنها تُواعد رجلا غريبًا على شاطئ البحر وتجلس معه منفردين في غرفة ضيقة، لا ثالث لهما إلا الحب والخيالات الجميلة. تشعر آسيا بقسوة الملاحقة فتقول لمهدي جواد "يتعقبونني كمذنبة أو خاطئة ارتكبت إثمًا. المرأة هنا مُهانة وضعيفة. إنها حشرة تحت عيونهم. وأنت تعرف ذلك"2. يضغط مهدي جواد بعناد على مكامن الجرح، ويدفعها إلى أن تكون امرأة حرة، وأن الحرية المنقوصة ليست سوى محض أوهام وقبول بالتسوية، فيقول لها في إحدى اللقاءات "لماذا لا نسير داخل عيونهم الحادة. لماذا لا تفهميهم بالسلوك أنك لست عبدة لرغباتهم وأن حريتك تخرج من قوانينك الداخلية لا من قوانينهم الدينية والعمياء. إنهم يحكموننا بالطقوس البائدة. طقوس الصحراء والحريم"3.

"للّا فضيلة. خذي حذرًا. عيون بونه كلها تترصدني. وتلسعني كالنار. شرفي في خطر"

يكبر الحب رغم الحصار والرقابة، ويسرق تموّجاته ولحظاته الشبقية، فيتجلّى الجنس مثل "إله إفريقي مقدّس يرمز لقوة الجسد والطاقة البكر في هذه القارة الحارة"4. وتكبر على ضفافه أيضًا أصوات الماضي، التي تطلق معاييرها وأساطيرها على سردصيات الانفلات من العادة وهنا يدفع حيدر حيدر بشخصية "يزيد ولد الحاج"، زوج أم آسيا، التاجر الغني الذي يستوي ربّا على عرش بيته، لأنه حافظ النظام وساتِر الحرمات. يزيد العارف بتقاليد المجتمع، يُملي قوانينه وشروطه على بنات زوجته "لالا فضيلة"، ويصدر أوامره ونواهيه التي لاحدود لها: "لالا فضيلة. خذي حذرًا. عيون بونه كلها تترصدني. وتلسعني كالنار. شرفي في خطر. البنات يا لالا كبرن وعيون الشباب تأكلهن. أنت تعرفين معنى صحبة شاب لفتاة في بلادنا وأين تنتهي"5. وعندما تحاول لالا فضيلة التقليل من تخوفات يزيد، وترى في ذهاب بناتها إلى السينما والشاطئ وملعب التنس أمرًا عاديًا يعيشه الجيل الجديد، يُستَثَار يزيد في وعيِه التناسلي المسكون بالفضيحة والإثم، فيقول غاضبًا "اسمعي لالا. القحاب وحدهن يفعلن ذلك. أنا لا أسمح لبناتي بهذه الإباحية. بونه صارت "بورديل" ("بيت دعارة") بهذه الحرية. حرية الجيل المودرن. جيل الرقص والسينما والتقحيب".

 

الزواج: ترميم "الخطيئة" الأولى

في الوقت الذي يستقر فيه الجنس الهادم للأصنام داخل المعيارية الاجتماعية بوصفه خروجًا عن نظام الإنسان والرّب، يكتسي الزواج هالة وشرعية مقدسة يستمدها من منابع الإحساس بالشرف والنجاح الأبوي في فرض النظام العائلي. وكل امرأة بلا زوج تحمل في أحشائها خطيئة وغواية وفضيحة في الطريق، وهذا البعد الإكراهي في الزواج رغم انعدام الإحساس بالحب والاتساق الجنسي، يصوره حيدر حيدر في شخصية لالا فضيلة التي تبرر قبولها بالزاوج من يزيد ولد الحاج بعد وفاة زوجها، قائلة: "بعد موت سي العربي رفضت الزواج. قلت أكرس حياتي لتربية أولادي. إخوتي قالوا إذا لم تتزوجي لن ترحمك حجارة الناس. الزوج غطاء وحماية. زوجوني من يزيد ولد الحاج مرغمة. السعادة ليست مهمة. الشرف هو المهم. الحمد لله نحن مستورون يا ولدي"6.

 

"تعرّيتُ واندسستُ تحت اللحاف وعانقته. التففت بالجسد المرتعش البارد، وبكل دفء الأنثى وحرارتها غمرتُه. ليكن موتنا معًا أو حياتنا"

 

الزواج المنقذ من الفضيحة أو الذي يرمم "خطايا" جنسية قديمة، يتجلّى بأكثر مأساوية في رواية "مرايا النار"، من خلال شخصية "دميانة"، الشابة الجميلة التي استبِيحت في أوج مراهقتها، فقذفت بها العائلة مرغمة إلى زوج لا تحبه ويكبرها سنًّا درءًا للفضيحة. ولكن رياح دميانة وعواصفها الداخلية لن تكفّ عن الهبوب، ورغم الانهيار الجسدي العابر في جثة رجل، اسمه "الزوج الحامي"، فإن الشوق الدائم إلى الاحتراق في رجل تحبه وتشتهيه في كل الفصول سيبعث الحرارة والخصوبة من جديد في دميانة، عندما تلتقي "ناجي العبدالله" الرجل الغريب القادم من جحيم الشرق، الباحث عن حياة جديدة ترمّم خرابه الداخلي. وهكذا تروي دميانة لحظة انتصار الشبق والحب على الموت البارد واللاعقلاني: "تعرّيتُ واندسستُ تحت اللحاف وعانقته. التففت بالجسد المرتعش البارد، وبكل دفء الأنثى وحرارتها غمرتُه. ليكن موتنا معًا أو حياتنا. همستُ له وهو تحت رعد الصقيع: لن تموت. لسنا أمام جدار الرمي. حبنا أقوى منهم. خذ دمي وحرارتي وانج. كن قويًا كما كنت في أزمنة الأمل وضياءات البحر."ليكن حبنا صلبًا كحصى الشواطئ، لامعًا ومصقولا تحت غروب الشمس"7. ورغم الاندفاع بقوة نحو وطن الشهوة والحمّى السرمدية الآتية من نار الحب، فإن دميانة تظل تستعيد سؤالها القديم "هل أنا امرأة منذورة للخطيئة في هذا العالم؟ أم أنني ضحية أقدار ومصادفات لا قبل لي بردها والتحكم بمجراها؟"8.

الجسد: وطن مُستعاد في عصور الانهيار

لالا فضيلة التي قبلت بلعبة الشرف والحماية الزوجية من أجل عيون بناتها، ودميانة التي تلبّست مجددًا بالحب والشهوة بعد أزمنة الاكتواء بنار الخطيئة، شخصيتان لا تشبهان "فلّة العنابية" في رواية وليمة لأعشاب البحر، المناضلة الخائبة والمخدوعة التي شاركت في حرب التحرير الجزائرية وأحالتها فترة ما بعد-الثورة إلى امرأة عادية، مكانها المنزل وواجبها الوطني الجديد طاعة الرجل-الزوج أو الرجل الماسك بزمام السلطة. ولكن فلّة ترفض هذا الواقع الجديد باستهتار وإصرار شهواني على النزق والنجاة من المآلات الرتيبة، تقول "بعت كل ما أملك بدءًا من الشرف وانتهاء بالله والثورة واحتفظت بنفسي. إلى الجحيم. الوطن الذي صار سوقًا ليس وطني، وأنا لا ذنب لي. لقد سجلوه في الدوائر العقارية والمصارف باسمهم: العسكر والوزراء وجهابذة الحزب والمخبرون والتجار، ثم طوقوه بالأسلاك الشائكة والدبابات، أما وطني أنا فهذا البانسيون وهذا الجسد"9.

جسد فلّة العنابية وطن مُستعاد في عصور الانهيار الثوري والخيانة الوطنية، تتحصن به كملاذ أخير للحفاظ على نبض العروق والاحتراق بالآثام دون حسابات. هذه المرأة التي "طحنها الزمن وغدر الرجال" وخدعتها آمال التغيير، لا تخشى الوقوف عارية أمام الحقيقة وتُطلق العنان للجسد حتى يتذكر وشومه القديمة، تدق على صدرها -في حوارية لها مع صديقها مهدي جواد- قائلة "هنا الثوريون القدامى والماسكون بزمام دولة الأمر والنهي استراحوا في محطة فلّة بوعناب. حتى الشهداء قبل أن يستشهدوا عبروا تحت السارية. تطهّروا في جنة عدن الأرضية قبل أن يطيروا إلى جنة السماء. المرأة الإفريقية يا خويا مهدي مصنوع جسدها من حجر النار الشمسي. الحق أقول لك. طبيعة ظامئة أبدًا لا ترتوي من الأمطار على مدار الفصول"10.

فلّة التي لا ترتوي، تجاهد من أجل الحفاظ على بريقها في أزمنة النسيان ونكران نضالات الأمس، وبين الأمس واليوم يرتسم طريقها كالآتي: "من مناضلة مفعمة بالحيوية والأمل إلى مومس. خط أحمر موشىّ بلون النار يصب في الأسود: الوطن"11. لقد تخلّى عنها الله والوطن وفارس الأحلام، لذلك تجعل من جسدها خندقًا وجبهة جديدة للرفض والمجون، تسعى بثرثرتها وانفلاتها إلى إزعاج طمأنينة الوفاء داخل الآخرين، وعندما يرفض صديقها العراقي مهيار الباهلي "القديس الأحمق" تلبية صراخ جسدها المهجور وفاءً لزوجته، تتعرّى أمامه وتمارس بقلمه شهوتها، وبعد أن تفرغ من أنينها تقول له: "هذا الجسد لا يعجبك. لقد عبروه جميعًا ولكنه ظل صامدًا كحجر النار. كل الثوار عبروا من هنا. لماذا تعفّفت. من قال لك أن امرأتك لا تنام الآن مع رجل آخر؟".

الحب الملتبس: حرارة الأجساد المعلقة على مشانق العفّة

فلّة الخارجة عن النظام تعاند سطوة الزمن وقانون الانطفاء. وخلف المجون واللامبالاة هناك طفلة صغيرة داخلها ترجّلت إلى مثواها الأخير، لم تستطع تلك الطفلة الحياة في زمن الخنازير والوحوش وغزاة آخر الليل، لذلك عندما تقول فلّة العنابية بـ"أن براءة وطفولة الحب ليستا أكثر من فخ مموّه بالأعشاب والزهر في غابة بشرية تعج بالوحوش" بدت كأنما ترثي إلى الأبد تلك الطفلة اليانعة التي ازدهرت يومًا في نفسها. مع تسارع عجلة الأيام اكتسبت العنابية المجرّبة نظرياتها في الحب والخيانة والوفاء، وهي لا ترى في الخيانة سوى عجز الرجل أو المرأة عن تحقيق الجمهورية الفاضلة في شخص ما، لذلك يدفعنا البحث اليائس عن الكمال نحو الخيانة، بينما تلخّص دورة الحب كالتالي "الحب يبدأ بالولع والدهشة ثم سرعان ما يتبدد بالملل والعادة والرتابة...الهمس الحار والحكايا الجميلة وأصداء الشعر تصدأ بتقادم الوقت فتتبدد الدهشة والأسطورة، ليبدأ البحث عن أساطير أخرى وأصداء جديدة. كل شيء يصدأ في النهاية والحب أكثر الأواني قابلية للصدأ. هذا هو قانون الطبيعة"12.

"إذا استطاع رجل وامرأة أن يتعانقا بعد انقضاء رعشة الجنس فلن يفترقا أبدًا"

 

لكن مهدي جواد، المنفي والمطارد، الذي وجد وطنه ومرساه في "آسيا لخضر"، يعاند نظرية فلّة العنابية ويراها صدى لامرأة أرسلها الزمن الغادر إلى جحيم المقابر، فيحاول أن يجعل من الحب كينونة وماهية وكفاحًا أبديًا من أجل استرجاع الطفولة البعيدة، وطريقًا جديدًا نحو الحرية وطرد الخرافات وإلزامات المجتمع والأجداد، ويحاول في النهاية أن يفسر لها معادلة الحب التي بإمكانها الصمود أمام إرادة الانهيار، وصراط النجاة من احتراق الأجساد والأرواح، ويشرح لها بأن "العلاقة بين الرجل والمرأة بإمكانها أن تتجاوز اليومي والتجاري والجنسي إلى الحزن والفرح الكامنين في الخلايا: إذا استطاع رجل وامرأة أن يتعانقا بعد انقضاء رعشة الجنس فلن يفترقا أبدًا"13 .

  • 1. حيدر، حيدر: "أنا مشعل الحرائق في الغابات الهرمة والمنخورة والمتداعية"، مجلة حبر، الأحد 04 تشرين الثاني 2018. الرابط: https://www.7iber.com/culture/haidar-haidar-interview/
  • 2. حيدر، حيدر. وليمة لأعشاب البحر (نشيد الموت). ط6، سورية: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، 1998، ص: 54.
  • 3. المصدر نفسه. ص: 55.
  • 4. المصدر نفسه. ص: 82.
  • 5. المصدر نفسه. ص: 154.
  • 6. المصدر نفسه. ص: 39.
  • 7. حيدر، حيدر. مرايا النار. ط3، سورية: ورد للطباعة والنشر والتوزيع، 2000، ص: 98.
  • 8. المصدر نفسه، ص: 31.
  • 9. حيدر، حيدر. وليمة لأعشاب البحر، ص: 249.
  • 10. المصدر نفسه. ص: 101.
  • 11. المصدر نفسه. ص: 110.
  • 12. المصدر نفسه. ص: 178.
  • 13. المصدر نفسه. ص: 190.