إضافة تعليق جديد

هناك كوير في هذا العرس!

25/11/2019
1199 كلمة

صارحت أمّي برغبتي في ارتداء بدلة في زفاف ابنة عمّي في اتصال هاتفي. بعد أن أخبرتها ذلك، ساد الصمت لوقت طويل لدرجة أنّني ظننت أنّ الخط انقطع! لكن أمّي كانت ما تزال على الخطّ تحاول أن تفكر برد سريع. كانت تعلم أنّه من المستحيل أن تغيّر رأيي، لكنها وجدَت صعوبة في تقبّل الفكرة.

"أها!"، صرخت الخيّاطة لحظة دخولي محلّها، وأنا أتبع والدتي. 

"بالطبع لا تريدين فستانًا!"، قالت بصوت عالٍ، متجاهلة حتى مجاملات إلقاء التحية، لدرجة أنّني كدت أقفز من المفاجأة. 

لم ترَني قطّ وبالكاد لمحتني لثانية، لكن يبدو أنّها اعتقدت أنّها حلّلتني فورًا؛ ولِما تبقّى من الزيارة، تصرّفت وكأنّها تعرفني منذ سنوات وأنّها تعرف تحديدًا ما أريده. كانت والدتي قد زارت المحلّ لوحدها عدّة مرات من قبل، واصطحبت معها صورة للبدلة كنت قد أرسلتها إليها لتريها للخيّاطة كي تحيك مثلها. 

استمرّت الخيّاطة في تفقّدي، وكأنّها تبحث عن معلومات خفيّة خبأتها في جسمي وفي سلوكي. كنت أرتدي سروالًا بلون البِيج يناسب جسمي، وقميص "بولو" أسود، ورباط صدر، من دون معرفتها ومعرفة والدتي بالطبع. كان شعري قصيرًا جدًا، ولا ماكياج على وجهي أو أقراط في أذنيّ. وكنت أنتعل حذاء رياضيًا مريحًا لقدميّ، ولكن غير متناسق مع ملابسي. 

على الرغم من أنّ الخيّاطة أشعرتني ببعض الارتباك، ارتحت عندما أدركت أنها لم تكن تنوي إقناعي بعدم ارتداء بدلة. كنت مستعدّة لمجادلتها حول ذلك، كما اضطُررت أن أجادل والدتي، لكن يبدو أنّ الخيّاطة وجدت الفكرة صائبة، لا بل لبّت جميع رغباتي تقريبًا. لكن عندما طلبت منها خياطة جيوب في بنطال البدلة، أصرّت على عدم مجاراتي، والمُضحك أنّها رفضت جميع اقتراحات والدتي بـ"إضفاء لمسة أنثوية" على البدلة بواسطة إضافات برّاقة أو لمّاعة أو مزخرفة. بسبب ذلك، تجاهلتُ تكهناتها عن شخصيتي.

متوجّهة بالحديث إلى أمي، قالت: "لا بدّ أنّها الإبنة التي توكلين إليها المهام الحكومية الصعبة، فهي لا شكّ تتمّم المهمة!"

ضحكت أمّي ضحكة خافتة ومرتبكة.

وتابعت الخيّاطة: "لا بدّ أنّك ترسلينها بدلًا من أخيها لإتمام المهام!"

صارحت أمّي برغبتي في ارتداء بدلة في زفاف ابنة عمّي في اتصال هاتفي. بعد أن أخبرتها ذلك، ساد الصمت لوقت طويل لدرجة أنّني ظننت أنّ الخط انقطع! لكن أمّي كانت ما تزال على الخطّ تحاول أن تفكر برد سريع. كانت تعلم أنّه من المستحيل أن تغيّر رأيي، لكنها وجدَت صعوبة في تقبّل الفكرة.

قُلت: "آلو؟"

فما كان منها إلّا أن حاولت: "يعني، لست مضطرّة أن ترتدي فستانًا. لمَ لا ترتدين سروالًا أسود وبلوزة أنيقة؟" 

أردفت، قائلة: "كلّا."

كنت مصرّة على ارتداء بدلة، وكانت أمّي تعرف أنّ تغيير رأيي غير وارد، مهما حاولَت. عندما رأت صورة البدلة التي كنت أفكّر في ارتدائها، لانَت بعض الشيء وظنّت أنّها قد تبدو جميلة إذا أحسنت الخيّاطة إنجازها. لكنّها ظلّت تحاول "أنثنتها" قدر المستطاع حتى آخر لحظة. لكن لحسن الحظّ، باءت جميع محاولاتها بالفشل. فما لم تدركه حينها أنّ في البدلة التي اخترتها مساومة أصلًا على خياري الأصلي. لو كانت حرةً كليًا في خياري، لكنت انتقيت بدلة رجالية تمامًا، ولكنت ارتديتها مع قميص أبيض تحت البنطال وسترة وربطة عنق. لكنني ارتأيت أن أختار بدلة عرفت أنها ستلاقي بعض الاستحسان من أمي ولن تغضبها، وذلك لتفادي المواجهة بيني وبينها. وبما أنّ وضعي المادي تعيس، كان على أمّي دفع ثمن البدلة، لذا شعرت بضرورة محاولة إرضائها قليلًا.

بشكل عام أعجبتني النتيجة النهائية لعمل الخيّاطة. وكان العنصر الوحيد الذي لم يعجبني  مرتبطًا بجسمي أكثر من البدلة بحدّ ذاتها، ذلك لأنني كنت ما أزال أحتفظ بثدييّ ووركيّ فكنت لا أملك إلا خيار الرضا بالنتيجة النهائية، على أمل أن يتكفّل رباط الصدر بالباقي. 

لطالما كرهت حضور حفلات الأعراس وخصوصًا العائلية منها. أمقت الجموع والموسيقى العالية ("الضجيج" بالأحرى لأنّ هذه ليست "موسيقى")، ووجوب ارتداء الملابس المرتبة، وإضاعة الوقت وإنفاق المال على الملابس والأحذية، والأقرباء العجزة ومتوسطي العمر المتصبّبين عرقًا الذين يقبلونني على وجنتي فيما يدعون لي أن أكون التالية في لائحة العرسان، ناهيك عن اضطراري للتصرّف بلياقة طوال الوقت لأنّه عرس عائلي، وعائلتي متحفّظة وتقليدية، والأسوأ من هذا كلّه، اضطراري للسهر طويلاً لأنّ المغادرة باكرًا تعتبر تصرفًا فظًا. لعلّ الأمرين الوحيدين اللذين يستهويانني في حفلات الزفاف هما رؤية سعادة العريس والعروس ومشاهدة الأطفال يفرّغون طاقتهم في الرقص. لكنّ نصف ساعة كفيلة بمنحي هذه المتعة. لذا، كان إصراري على ارتداء البدلة منفذي الوحيد لمحاولة تحمّل هذا الزفاف قدر المستطاع.

يوم الزفاف، ارتديت رباط الصدر، وتألّقت ببدلتي، مع بلوزة ذات قبّة وأكمام برّاقة (إرضاءً لوالدتي)، وانتعلت حذاء أسود جلديًا لمّاعًا، من دون كعب بطبيعة الحال. لم أغيّر شيئًا في تسريحة شعري الذي كان قصيرًا جدًا، بل اكتفيت بغسله، كذلك، لم أضع أي مستحضرات على وجهي، باستثناء كريم مجانسة اللون (ما لم يرُق لوالدتي)، ورفضت رفضًا قاطعًا لبس أي مجوهرات (ما لم يرُق لوالدتي كذلك)، واتجهت للعرس أتساءل عما ستكونه ردود أفعال أقاربي. 

تفاجأت فعلًا عندما تلقّيت إطراءات من ستّة أشخاص على الأقلّ بدا أنّهم أحبّوا ملابسي بصدق. وصفوا بدلتي بكلمات مثل "كلاسيكية" أو"أصيلة" أو "واو" أو "مختلفة" أو "متميّزة". لم أفسر لهم بأنّ الاختلاف لم يكُن هدفي وإنّما أردت فقط أن أكون مرتاحة. فقط شكرتهم وأكملت ليلتي. لكنّ معظم الحضور لم يعلّقوا أبدًا، وبما أنّهم عائلتي، أيقنت أنّ صمتهم دليل اعتبارهم بأن مظهري غير لائق أو غريب جدًا على أقل تقدير. 

فمثلاً حدّقت بي إحدى بنات عمي الجميلات والتي كانت ترتدي فستانًا رائعًا، معلنة على ملامح وجهها خليطًا من القلق والاشمئزاز حاولت أن لا أركز عليه. لم أكترث بردود الأفعال هذه طالما لم يحاول أحدهم أن ينغص علي ليلتي بشكل مباشر. لا بالعكس، رفعت رأسي عاليًا وتمخترت في صالة الاحتفال كي أزعج الناس الذين يستحقّون ذلك. 

مرت بداية العرس بسلاسة لأن الاحتفال بدأ مبكرًا. كانت العروس سعيدة، وبما أنّني أحبّها، فرحت لسعادتها ولكوني بالقرب منها وهي تحتفل بيومها المميّز.

لم يفارقني الشعور المألوف بأنّني دخيلة في هذا الحفل، فكلّ فتيات جيلي كُنّ متزوّجات أو مخطوبات أو يأملن الزواج قريبًا - من رجل- طبعًا.

لكن وكما توقعت، بدأت أشعر بالضجر والتعب بعد أوّل ساعتين. كان الزفاف مثل جلسة تصوير مطوّلة، ولم يكن هناك عدد كاف من الأطفال الراقصين. بعد 300 صورة و200 "عقبالِك"، كنت مستعدّة للعودة إلى المنزل، لكن لذلك لم يكن ممكنًا. كان أمامي ساعتان أو ثلاث ساعات بعد على الأقل. نظرت من حولي لإيجاد منفذ ما من دون ترك الفندق. بعد البوفيه، استأذنت وانسحبت من مونولوج مضجر للغاية مع أحد أقربائي (لا يمكنني اعتباره حوارًا فعليًا)، وتوجّهت إلى الحمّام. لجأت إلى الحمّام عدّة مرات هربًا من الموسيقى الصاخبة، ولكنني هذه المرّة تخطيت الحمّام وصعدت الدرج إلى طابق آخر كليًا، حيث وجدت لدى وصولي كنبة مريحة. خلعت حذائي واستلقيت على الكنبة. كان الطنين في أذنيّ وصخب الموسيقى ما يزالان يصدحان في رأسي، ولاحظت ذلك بسبب الصمت شبه التام في هذا الطابق. جلست لفترة طويلة، متجاهلةً نظرات الغرباء الحائرة ورمقات موظفي الفندق.  كم تمنّيت أن أكون في المنزل، في فراشي، مع كلبي الملتفّ عند قدميّ!

لم يفارقني الشعور المألوف بأنّني دخيلة في هذا الحفل، فكلّ فتيات جيلي كُنّ متزوّجات أو مخطوبات أو يأملن الزواج قريبًا - من رجل- طبعًا. أمّا أنا فلا أنجذب للرجال أبدًا، ولا أشعر حتى بالارتياح مع فكرة تلقيبي بامرأة. غلبني الشعور بالوحدة وسط هذا الجَمع وأحسست أنّني خفيّة بينهم. ليس لأنني أهتم بموضوع الزواج بحدّ ذاته (ولو كان القرار في يدي، لألغيت مفهوم الزواج من أساسه) لكن لأنني أدرك أنني أعيش في عالم يفرض عليّ واقعًا معينًا، فتمنّيت أن يكون لديّ خيار الزواج على الأقلّ. لا أنكر أنّ جزءًا منّي يتمنّى لو أنّني كنت أستطيع أن أتوقع أن أحتفل بحبي لإحداهن (عندما أعثر عليها) مع المقربّين منا بعفوية، ليس بالضرورة في زفاف كهذا، ولكن بطريقة أو بأخرى، أو على الأقل أن يتقبّلوا علاقتنا. لكنّ الواقع بعيد كلّ البعد عن هذا الخيال، وفي بعض الأحيان يخنقني ثقل هذه الهوة بينهما.

عندما شعرت أنّ غيابي طال لدرجة أنّ الآخرين قد يلاحظونه، سرت ببطء إلى الصالة، وفكّرت فجأة بأنّه كان عليّ الإصرار على خياطة الجيوب في البنطال. 

على مسافة ليست ببعيدة من البابين الكبيرين المؤدّيين إلى الضجيج الذي يصمّ الآذان، رأيت شابًا عريض القامة، جالسًا وحده في كرسيّ، يتصبّب عرقًا في بدلته ويمسح جبينه. عرفت أنه صديق لعائلة العروس وتذكرت أنني قد التقيته عدّة مرّات، وكنت متأكّدة أنّه حضر من باب التهذيب واللياقة فقط. نظر إليّ لدى اقترابي منه، فابتسمت، ولم أقل له إلا كلمة واحدة: "هانِت!" .