إضافة تعليق جديد

فن الكومكس النسوي بين التمويل والإنتاج الحر

08/12/2019
1334 كلمة

 سنحاول في هذا المقال تناول تجارب بعض المؤسسات والمبادرات التي تتخذ من الكومكس مادة أساسية في إنتاج المعرفة النسوية والجندرية في المنطقة العربية، محاولين أن نتطرق لتأثير التمويل ومدى قدرته على التحكّم في عملية الإنتاج وطرح الأفكار. 

في ظل ما تعاني منه الإنتاجات الثقافية والعلمية العربية من نقص وفقر ملحوظ، تتعرض الإنتاجات النسوية والجندرية بالتحديد إلى صعوبات جدّية محورها السلطة البطريركية المسيطرة على جميع مجالات الإنتاج الثقافي في المنطقة العربية. تلك المحاولات التي تحارب من أجل حقوق النساء والفئات الجندرية والجنسية خارج إطار الثنائية والنمطية المفروضة، تسعى بشتى الطرق لتحقيق مكاسب ملموسة اجتماعيًا وسياسيًا ونشر الوعي في مجتمعاتنا. واحدة من الوسائل المتعددة هي فن الرسوم المصوّرة أو الكومكس حيث تعمل بعض المؤسسات المهتمة بإنتاج الأعمال والمشاريع التي تناصر وتدعم القضايا النسوية والجندرية على إدراجه ضمن برامجها كنوع من أنواع الفنون القادرة على إيصال الأفكار بطريقة سهلة وسريعة وترسيخها في الأذهان. برز فن الكومكس في المنطقة العربية في وقت حديث نسبيًا؛ يمكننا رصد "مجلة ماجد" التي صدرت سنة 1979 كأول مجلة ترفيهية للأطفال في العالم العربي، كما قد شهد لبنان مبادرات إنتاج الكومكس في سنة 1980، حيث أطلق جورج خوري أول عمل تحت اسم «كرنفال» تدور أحداثه حول الحرب اللبنانية الأهلية. وفي الجزائر أيضًا، تأسست أول صحيفة  تتناول الأوضاع السياسية عبر فن الرسوم المصورة سنة 1988 باسم "المنشار"،  كما تشهد الجزائر "المهرجان الدولي للشريط المرسوم" (FIBDA) منذ سنة 2008.

سنحاول في هذا المقال تناول تجارب بعض المؤسسات والمبادرات التي تتخذ من الكومكس مادة أساسية في إنتاج المعرفة النسوية والجندرية في المنطقة العربية، محاولين أن نتطرق لتأثير التمويل ومدى قدرته على التحكّم في عملية الإنتاج وطرح الأفكار. 

 إحدى أهم وأقدم المبادرات جاءت من مؤسسة "السمندل"، التي انطلقت سنة 2007 كأول مجلة كومكس للبالغين في الشرق الأوسط تصدر بثلاث لغات، العربية والإنجليزية والفرنسية.. في حديثنا مع لينا مرهج من "السمندل" عن إصدارات الكومكس النسوية والجندرية التي تنتجها المؤسسة، تقول لينا إن "السمندل هي مبادرة عبارة عن عدد من رسامات ورسامين الكومكس الذين يتبادلون التراتيبة، والمبادرة متاحة لأي فكرة ممكنة"، وبناءً عليه فإن الأفكار والمواضيع التي تنتجها "السمندل" تعبّر عن توجهات ومواقف العاملات والعاملين فيها. 

بعد مبادرة "السمندل" شهدت بلاد المنطقة الناطقة بالعربية ما بين سنتي 2010 و2011 حركة نشطة لمبادرات ومشاريع إنتاج فن الكومكس، أي في فترة الثورات في معظم بلاد المنطقة، وما بعد تلك المرحلة بحسب رشا شطّا، باحثة في EUME- Forum Transregionale Studien وتركز في أبحاثها على دور الهجرة في الأدب العربي وفي تمثيلاته الفنية خصوصًا من خلال الرسومات الكرتونية والأفلام، نشأت مبادرات عديدة منها "لاب 619" (Lab619) في تونس، و"سكف سكف" (SkefSkef) في المغرب، ومبادرة "مساحة" (Mesaha) في العراق، و"حبكة" (Habka) في ليبيا، و"جراج"(Garage) في مصر.

تلك المبادرات، التي لجأت للتمويل الذاتي أو جمع التبرعات بحسب رشا شطّا، عملت سويًا ضمن ورش عمل داخلية أو بالشراكة مع رسّامات ورسّامين من أوروبا لاكتساب المزيد من الخبرة وتعميم ثقافة الكومكس. الثقافة التي تُرجّح رشا أنها "استعادت مكانتها شيئًا فشيئًا امتدادًا من الذاكرة الطفولية التي تشبعت من قصص الأطفال المصورة". وتضيف أيضًا أنّ فن الكومكس (كما غيره من الفنون) يخضع لهامش مُحدّد من الحرية التي تسمح بها الحكومات في منطقتنا والديناميكية في التطرق لقضايا النسوية والجندرية خصوصًا التي تُعرّي قمع المنظومة الأبوية مثل العنف ضد النساء والعلاقات غير النمطية ومعاناتها في ظل سيطرة البطريركية، حيث ينعدم ذلك الهامش تمامًا في بلدان معينة مثل الجزائر وسوريا ويمكن أن يتلاعب بمدى اتساعه في بلاد أخرى مثل لبنان. هذا المدى الذي يمكن التلاعب به أو تختار بعض الحكومات أن تتغاضى عنه في مشاريع معينة من إنتاج مؤسسات أجنبية غربية بحسب لينا مرهج، يثير الانتباه إلى فائدة معينة للتمويل الأجنبي لبعض المبادرات المحلية حيث قد تفتح المجال لإيصال معاناة وأصوات بعض الفئات المهمشة من خلال أعمال فنانات وفناني الكومكس، خصوصًا وأن "الكومكس هو وسيلة فعّالة وسلسلة جدًا لإيصال الأفكار وايضاحها نظرًا لاعتماده على الرسومات والألوان بشكل أساسي" كما تؤكد رشا شطّا.  

كمثال آخر عن مبادرات إنتاج كومكس في المنطقة، تعتمد مبادرة "ترويحة" من إنتاج مؤسسة "القوس"(Alqaws) للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني، بشكل أساسي على جهود تطوعية  لما يقارب 70 ناشطة وناشط، بحسب عمر الخطيب مسؤول القسم الثقافي في المؤسسة. وترويحة هي عبارة عن إصدارات كومكس تتناول قضايا جندرية للمراهقين/ات، وقد تناولت في موسمها الأول تجارب المراهقات/ين داخل المدرسة وتتطرق في موسمها الثاني لعلاقاتهمن مع الأهل، هذا ما يفسّر الاندفاع الأول نحو إنتاج كومكس من فنانين/ات كومكس وتربويين/ات رأوا في إنتاج كومكس للمراهقات/ين خطوة ضرورية نحو نشر المزيد من الوعي حول تلك القضايا في فلسطين. ويؤكد الخطيب أن مؤسسة "القوس" هي من تحدد برامجها ومشاريعها ومن ثم تفرز لها من أموال المؤسسة وليس العكس، حيث لا تخضع المشاريع إلى أي نوع من أنواع سلطة التمويل أو توجيهات الممولين/ات.

 كما تبرز "الشكمجية"، من إصدار مؤسسة "نظرة" للدراسات النسوية كمثال حي ومستمر على أهمية الكومكس في دعم القضايا النسوية والجندرية، حيث صدر العدد الأول في عام 2014 وتوقفت المجلة عن الصدور بسبب تضييق الحكومة المصرية على مؤسسة "نظرة" والحجز على أموالها. وكمثال على التضامن بين المؤسسات العاملة في هذا المجال، سيصدر العدد الثاني أواخر هذه السنة وهو من إنتاج "ورشة المعارف" التي تعاونت مع "نظرة" لإصدار هذا العدد. وتوضح سارة أبو غزال أن الأمل أن "تتبنى مؤسسات ومبادرات أخرى [إصدار "الشكمجية"] فيما بعد، لحين عودة "نظرة" لعملها المعتاد بعد فك الحجز عن أموالها من قبل الحكومة المصرية". واستطرادًا في موضوع التمويل، تستغرب أبو غزال من السؤال التشكيكي حول التمويل وعلاقته بإنتاج المعرفة النسوية والجندرية وهذا ما ينطبق على فن الكومكس أيضًا، بحيث تقول أنه "يجب تشجيعه والعمل على توسيع انتشاره في سبيل خلق وعي نسوي وجندري لدى شعوب المنطقة العربية"، بدلاً من التشكيك في مصادر تمويل الجهات المنتجة لتلك الأعمال والادعاء بأنها أعمال مدعومة وموجّهة من جهات خارجية تهدف لتنفيذ أجندات غربية. فهذه التساؤلات حول التمويل بالطبع مهمة لكنها غالبًا ما تعيق سبل الاستفادة من الأعمال المنتجة بحد ذاتها وتركز عادة على الأعمال النسوية على خلاف غيرها. 

أحد الأمثلة التي تؤكد على جدّية التضامن في مجال إنتاج الكومكس في المنطقة، وفي إطار مشروع تعاون بين جمعية "حلم"، التي تدافع عن المثليين/ات والفئات الجندرية الأخرى المهمشة في لبنان، و"السمندل" للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية، ورهاب العبور الجنسي، ورهاب مزدوجي الميول الجنسية 2018 (IDAHOTB)، تبرّع جميع الفنانات والفنانين المشاركين  بأعمالهمنم مجانًا. . يضيف طارق زيدان، المدير التنفيذي للمؤسسة، عن تلك التجربة أنها "مثال ناجح جدًا لمحاولات التضامن وأهميتها بين الفن والفنانين والفنانات والنضال من أجل الحقوق الجنسية والجندرية". ويضيف أنّ اعتماد "حلم" على فن الكومكس هو خطوة تأتي "ضمن سياسة الجمعية للانفتاح على فنانين وفنانات ومبدعين ومبدعات من مجالات مختلفة في سبيل خلق مجالات أوسع وأثرىتدافع عن قضايا الأشخاص غير معياريي الجنسانية". 

خارج نطاق المؤسسات، تدافع رسّامة الكومكس رواند عيسى عن إنتاجات الكومكس النسوية والجندرية مشيرة إلى عدم وجود سوق حقيقي لإنتاج الكومكس وبيعه، وبالتالي لا إمكانية حقيقية لرسّامات ورسامي الكومكس بأن يتنجوا أعمالهمن بشكل حر مما يضطرهم للانضواء تحت مظلة مؤسسات مموّلة. لذلك "نشهد تطوّرًا ملحوظًا في إنتاجات الكومكس التي تتبناها وتموّلها مؤسسات ومنظمات لمشاريعها"، فإنتاج القصص المصوّرة بشكل مستقل (freelance) هو بالتأكيد "خاضع لتمويل معين ولكن ذلك لا يعني أن تلك الإنتاجات لا تصب في ذات الاتجاه الذي تسعى رسامات ورسامو الكومكس للتعبير عنه وتبنّيه".  رواند مثالًا على ذلك من خلال عملها مع"المفكرة القانونية" (Legal Agenda) على موضوع التحرّش الجنسي في مكان العمل، بحيث أنها مهتمة بتلك القضية وترغب في التعبير عنها ولكن التمويل المناسب لخلق ذلك المحتوى لم يتوفر إلا من خلال برنامج معين للمنظمة. 

وبالنظر إلى تجربة مختلفة بعض الشيء في إنتاج الكومكس بشكل مستقل أو حر، نظرنا إلى "كومك قاهرة"، والذي حيث تعرّفه رسّامة الكومكس المصرية دينا محمد بأنه مشروع شخصي، أطلقته وبدأت بتطويره والعمل عليه بمفردها بدون أي دعم من أي نوع كان، لذلك "المشروع شديد البطء وغير دوري، وقد توقف عدة مرات". بموازاة ذلك تقارن دينا بين تحايلها على شركات الإنتاج المصرية لتبني كتابها "شبيك لبيك" وإنتاج إصدارات جديدة منه وسهولة الاتفاق مع منتج أميركي لبيع النسخة المترجمة في أمريكا، الحال الذي يلخّص واقع إنتاج الكومكس في مصر والمنطقة عمومًا بسبب عدم وجود ثقافة كومكس حقيقية ومنتشرة مما يجعل المنتجين من المنطقة في حالة تردّد لتبنّي هذه المشاريع  بينما يتلقّفها آخرون من خارج المنطقة، بالإضافة إلى عدم تبنّي السياسات الحكومية لهذا النوع من الفنون بل فرض رقابة عليها خصوصّا الجندرية والنسوية منها، واتباع السياسات والممارسات التي تخلق وتعزز الرقابة الذاتية لدى الفنانات والفنانين.

مما سبق، تتبيّن لنا التحديات التي يواجهها فن الكوميكس وتحديدًا عند استخدامه في خدمة القضايا النسوية والجندرية، مثله مثل أي مبادرة نسوية، من ناحية التمويل والتساؤلات التي تُطرح حول هذا الموضوع. وفي ظل الواقع الذي يحتّم على المبادرات النسوية والجندرية عمومًا أن تلجأ للتمويل الأجنبي، وعلى فناني وفنانات الكوميكس أن ينتجوا أعمالهم وأعمالهن بلا دعم يذكر، علينا أن نتذكر أن محاولات التشكيك في توجهات وأهداف هذه الأعمال قد تكون محاولات لاضطهاد النضال النسوي والجندري بحد ذاته، يقابلها محاولات للتضامن والتعاون لإنتاج كومكس نسوية وجندرية بين مؤسسات مختلفة وكذلك السعي الدائم من قبل الفنانين والفنانات لإنتاج أعمال تعكس توجهاتهن وتدعو إلى المساواة ورفع الوعي النسوي والجندري في المنطقة.