إضافة تعليق جديد

منظومة التشريعات العربية: قهر النساء أولوية

25/12/2019
1506 كلمة

نعيش كنساء في العالم العربي، في دول تصادر حقوقنا وتهمّشنا، فنصبح بالضرورة مقاتلات للمطالبة بحقوقنا، بينما نحن نريد أن نتمتع بها ببساطة، ليُتاح لنا أن نعتني بأنفسنا. كيف يمكننا أن نحقق ذلك ونحن نعيش في ظل منظومة قانونية تُشرّع قهرنا؟

"قد حالها"، عبارة عاميّة لبنانية تتردّد في كل مرة يدور فيها الحديث عن نساء حاربن من أجل حقوقهن وحرياتهن وأهدافهن، نساء عرفن كيف يحمين أنفسهن في ظل منظومة سياسية وقانونية واجتماعية لا تعترف بهنّ كذوات حرة ومُستقلة. صحيح أنّ هذه العبارة تحمل بين طيّاتها مضامين العرفان والاعتراف بقدرة النساء على تخطّي القيود والثبات لكنها تُعبّر في جزء كبير منها عن اتجاه لتحميل النساء عبء القتال المستمر لانتزاع ما هو بالنسبة للرجل "مكتسب". نعيش كنساء في العالم العربي، في دول تصادر حقوقنا وتهمّشنا، فنصبح بالضرورة مقاتلات للمطالبة بحقوقنا، بينما نحن نريد أن نتمتع بها ببساطة، ليُتاح لنا أن نعتني بأنفسنا. كيف يمكننا أن نحقق ذلك ونحن نعيش في ظل منظومة قانونية تُشرّع قهرنا؟

من هنا تأتي هذه المقالة، حيث سأتحدث عن العناية بالنفس من منطلق فتح أعيننا كنساء، وكمناصرات ومناصرين للحقوق الإنسانية للنساء، على بعض المنظومات القانونية التي تؤذينا وتحرمنا من الحرية والحقوق العادلة، وأيضًا تهدر طاقاتنا وقدرتنا على الاستمتاع بحياتنا اليومية والتفكير بذواتنا ومستقبلنا وشغفنا، وهواياتنا، وحبّنا لأنفسنا.

النساء على هامش القانون

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "كل إنسان يولد حرًّا"، لكن ما تقوله المنظومة القانونية في دولنا العربية يفهمنا أن لا مجال لتطبيق هذا المبدأ على النساء. وعندما نتكلم عن منظومة قانونية، فالمقصود بالإضافة إلى النصوص القانونية الوطنية والدولية، أشخاص القانون العام والقائمين على تطبيق القوانين والحكم بموجبها، من ضابطة عدلية وقضاة وإدارات الدولة. هؤلاء، في ظل الثقافة الأبوية السائدة، وعدم وجود نصوص قانونية صريحة تحمي النساء أو تعاقب أشخاص القانون العام على الممارسات التمييزية ضد النساء، سيجدون مساحة واسعة لإخضاعها وتجريدها من أي ضمانة تدافع بها عن استقلاليتها، أيضًا تجريدها من أبسط حقوقها وحرياتها. فالقضاة هم إما من رجال الدين، وإما أبناء بيئة محافظة يطبقون الشرائع الدينية بصيغة اجتهادية تنطلق من مفاهيم المجتمع التمييزية بدلاً من مبادئ العدالة والمساواة. هكذا، تُصبح إمكانية وصول النساء إلى الإنصاف مرتبط ببعض الحالات الفردية التقدمية.

والدول العربية صريحة لجهة "تحفّظها" على تأمين الضمانات اللازمة للاعتراف بالنساء ككيان مستقل. وأبرز دلالة على ذلك تحفّظات معظم الدول العربية التي صادقت على اتفاقية إنهاء جميع أشكال التمييز ضد النساء (سيداو). هذه التحفظات تتناول بصورة محورية المواد 2 و15 و16، التي تتعلّق مباشرة بتعديل القوانين بما يضمن استقلال النساء. تنصّ المادة 2 على "إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزًا ضد النساء"، أما المادة 15 فتتعلّق بمنح النساء "نفس الحقوق في ما يتعلق بالتشريع المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكنهم وإقامتهم"، وأخيرًا المادة 16 المرتبطة بإعطاء الرجل والنساء نفس الحقوق في ما يخص عقد الزواج وحضانة الأطفال.

منذ حوالي 7 أشهر احتجزت امرأة تُدعى خديجة نايف في أحد مخافر بيروت بسبب امتناعها عن تسليم جوازات سفر بناتها الثلاث لوالدهنّ خوفًا من أن يُسافر بهنّ وأن تفقد القدرة على رؤيتهن، واشترط عليها القاضي الذي أصدر القرار بتوقيفها أن تسلّم طليقها جوازات السفر حتى يُطلق سراحها. بقيت خديجة موقوفة لعدة أيام قبل إطلاق سراحها إثر تحرك محامين ومنظمات حقوقية وبعض الوسائل الإعلامية. ما حصل في هذه القضية هو مثال على تدني قيمة الحرية الفردية في المنظومة القانونية في دولنا العربية، عندما يتعلّق الأمر بامرأة. مقابل تضخمٍ في الضمانات الداعمة لسلطة الرجل بتقرير مصير أسرته، بمن فيها طليقته. 

هذه المعادلة، نرى مثلها في الأردن حيث يستخدم المحافظون (السلطة الإدارية في المحافظة) قانون "الاحتجاز الوقائي"، لاحتجاز النساء بحجة حمايتهن من العنف أو من جرائم الثأر وبحسب إحصائيات إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل لسنة 2014 فإنّ أكثر من 69 بالمائة من حالات سجن النساء في الأردن تحدث عبر التوقيف الإداري، أي دون أي عملية قضائية، مقارنة مع 27 بالمائة من حالات سجن الرجال بالأردن. هنا أيضًا النص القانوني لا يستهدف بصيغته التي جاء فيها النساء، إلاّ أنه يعطي المحافظ سُلطة استنسابية (سلطة تقديريّة) واسعة لتوقيف الأشخاص إداريًا حفاظًا على السلامة العامة. مفهوم فضفاض مثل "السلامة العامة"، لن يفسر بالواقع إلا استنادًا إلى المفاهيم السائدة، بما فيها من ذكورية وأبوية. ومن بين حالات احتجاز النساء تطبيقًا لهذا القانون وفقًا لهيومن رايتس ووتش، هي وجود نساء ليلاً مع رجال ليسوا من الأقارب، أو حالات وجود خطر على النساء من التعرض إلى جرائم "الشرف". كما يحتاج إخلاء سبيل المحتجزة إلى كفيل (أب، جد، عم، أخ).

تحت عنوان "الحماية" أيضًا، يمنع قانون العمل الموحد في سوريا تشغيل النساء ما بين الساعة الثامنة مساءً والسابعة صباحًا إلا باستثناءات يُحدّدها وزير الشؤون الاجتماعية والعمل. تنعكس هذه الحمائيّة، بالضرورة، سلبًا على فرص عمل النساء وخياراتهنّ في هذا المجال خاصة وأنهنّ يُعاملن مثل "القاصرات". تغيّر الوضع في سوريا بعد انخراط الرجال في الحرب واكتساح النساء لسوق الشغل فأصبحن مصدر دخل أساسيّ للأسرة وعليه حصل تعديل في قانون العمل ولكنّه جاء من باب قانون الأحوال الشخصية، حيث بات مسموحًا للنساء أن يدخلن في عقد الزواج بندًا يشترطن فيه حفظ حقّهن بالعمل. وتنص المادة 73 من قانون الأحوال الشخصية المعدّل سنة 2019 على الحالات التي يسقط فيها حق النساء في النفقة، ومن بينها أن "تعمل من دون إذن زوجها صراحة أو ضمنًا"، ثم تُردف المادة "إلا إذا كانت اشترطت في عقد الزواج غير ذلك". هذه المواد تجد نظيرًا لها في معظم القوانين العربية، ويعود ذلك إلى أنّ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي لقوانين الأحوال الشخصية في المنطقة. فمثلا ينص الفصل الثاني من قانون الأحوال الشخصية اليمني صراحة على واجب الزوجة "طاعة الزوج" و"الامتثال لأمره والقيام بعملها في بيت الزوجية".  

 

الحضانة لإخضاع النساء

تستقي الدول العربية قوانين أحوالها الشخصية من أحكام الشريعة الإسلامية، أو تطبّق الشريعة مباشرةً مثل السعودية. بعض الدول العربية، تعطي الطوائف غير المسلمة الحق في تطبيق أحكامها الدينية في قوانين شخصية خاصة بها ولعلّ المثال الأبرز على ذلك هو لبنان، حيث لديه 15 قانون أحوال شخصية، تطبقها محاكم طائفية متنوعة. يفيد مثال لبنان بأن وجود محاكم طائفية لا تطبق الشريعة الإسلامية لم ينصف النساء، فما أكثر الحالات التي بقيت فيها النساء معلّقات بزواج كنسي غير قادرات على الانفصال، بينما تمكّن الرجل من الزواج من أخرى بمجرّد تغيير ديانته إلى إحدى الطوائف الإسلامية. إنهاء الزواج بإرادة النساء وفق القوانين المستمدة من الشريعة الاسلامية ليس بالأمر اليسير أيضًا. فإنهاء الزواج وفقًا لهذه القوانين قرار يعود للرجل بطبيعته، كما يعود له أن يتراجع عن قراره بالإنفصال وإرجاع زوجته من دون رغبتها إلى العلاقة الزوجية ثلاث مرات. بكل الأحوال، الطلاق النهائي (الطلاق البائن) لا يُحرر النساء حيث تبقى خياراتها الشخصية في المستقبل سببًا لخسارة حضانة أطفالها لو حصلت عليها. 

لنتذكر خديجة نايف هنا، فما حصل معها لا يشكّل سابقة لناحية احتجاز نساء في سياق قضايا الطلاق والحضانة. فقد صدرت خلال السنوات الأخيرة قرارات عديدة لتوقيف نساء من الطائفة الشيعية امتنعن عن تسليم أطفالهن تطبيقًا لقرارات الحضانة، وذلك بشكل خاص عندما يكون الطفل صبيًا، حيث تصبح الحضانة تلقائيًا للأب بعمر السنتين. خسارة حضانة الأطفال، وربما خسارة القدرة على رؤيتهم أول ما يضعه النظام القانوني نصب أعين النساء لو قرّرن الانفصال عن الزوج. بالمقابل، تخضع النساء لشرط عدم الزواج للاحتفاظ بحضانة أبنائها ضمن السن القانونية لحضانة الأم. كما تخسر النساء حقهّن في الحضانة في حال "نشوزهنّ"، أي تركهن للمنزل الزوجي بغير رضا أزواجهن ومن دون مبرر يقبله الشرع – أي المحاكم الشرعية. 

لا يقف استغلال رابطة الأمومة لإخضاع المرأة داخل الأسرة عند حدود حصولها على رضا زوجها أو طليقها، إنما أيضًا قد يمتد إلى رضا نسبه من الذكور. ففي سوريا، على سبيل الذكر، النساء ممنوعات صراحةً من الحصول على جواز سفر أولادهنّ القاصرين، حيث أن منح هذه الوثيقة يشترط موافقة الأب أو الجد أو الأخ الأكبر أو العم، والحالة الوحيدة التي يمكن للأم فيها أن تحصل على جواز سفر لأبنائها هي حصولها على قرار قضائي يُعيّنها وصية عليهم. ووصاية الأم تكون مؤقتة لإنجاز فعل محدد بالذات، وتحتاج إلى معاملات معقّدة من ضمنها إثباتات عدم وجود وصي ذكَر من جدّ أو عم أو أخ أكبر للولد القاصر. 

تزويج القاصرات

التعامل مع الحضانة كحق مكتسب للأب في العديد من الدول العربية يجعل الزوج أو الطليق في موقع الولاية على المرأة، تبعاً لولايته على أبنائها. هذه الولاية لا تسمّيها القوانين بصورة صريحة وإنما تفرضها بفعل تحميل المرأة نتائج وخيمة لقيامها بأي تصرّف قد لا يرغب به شريكها الحالي أو السابق. في المقابل، فإن القوانين واضحة لجهة ولاية الأب على ابنته. وفي سياق قوانين الأحوال الشخصية يتمتع الأب بسلطة واسعة على حياة ابنته. ومن أبرز تجليات هذه السلطة هو تزويج القاصرات. تكثر زيجات القاصرات المؤقتة والدائمة بين الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة وفقرًا، مما يزيد من معاناة الفتيات والنساء في هذه المجتمعات. وفي هذا السياق نشرت اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة تقريرًا أكّدت فيه أن زيجات القاصرات سنويًا يتراوح بين 8 و10 آلاف، أي حوالي 13 بالمئة من إجمالي عقود الزواج المبرمة في المملكة. هذا الرقم المُفزع هو نتيجة غياب قوانين تحدد سن الزواج بعمر الرشد وتحمي الفتيات المحرومات من حقهنّ في الاختيار وتقرير مصيرهن بأنفسهن. 

حتى النساء الراشدات لسن حرّات تمامًا في اختيار شريك حياتهن لأنهن يُجابهن في بعض البلدان مثل لبنان قوانين طائفيّة صارمة أو قوانين جزائية قمعيّة، وفي القانون السوري على سبيل الذكر تُترك السلطة للقاضي ليقرر ما إذا كان امتناع الولي عن قبول زواج الراشدة مجحفًا أم لا. لكن اتخاذ النساء لقرار الزواج خلافًا لرغبة رجال العائلة قد يؤدي إلى قتلها تحت مسميات مختلفة، تتعلّق أساسًا بـ"الشرف". منها مثلاً "الدافع الشريف" في القانون السوري، والـ"الغضب" في القانون اللبناني، والتي يذهب القضاء إلى تفسيرها لمصلحة الرجل في جرائم القتل التي تحصل داخل الأسرة، حيث تخفف عقوبته بناءً على ذلك.

أمام كلّ هذه القوانين التي تجعل من قهر النساء أولويّة تواصل الكثيرات مشوارهن الطويل والشائك لتحقيق استقلاليتهن وتثبيت موقعهن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ورغم إصرارهن وعزيمتهن، ما تزال هناك نساء مُكبّلات بنصوص قانونية تمنعهن من الحضانة أو اختيار شريك حياتها وما تزال هناك فتيات صغيرات تُنتهك أجسادهن ويُجرّدن من طفولتهن باسم "الزواج". لا تستطيع هؤلاء النساء سيئات الحظّ أن تعتنين بأنفسهن ولا أن يتطلّعن إلى حياتهن وخياراتهن بحريّة. فحب النفس قرين الحريّة، حريّة معرفة ذواتنا وإدراك رغباتنا.