إضافة تعليق جديد

Jadal

آه يا دنيا!

فريد الكردي

 

أشعر باشعة الشمس تتسلل من خلال النافذة وكأنها تتذمر من تأخري عن العمل اليوم. أغطي وجهي براحتي يدي في حركة يائسة لحماية عيني. لأعجب أن دراكولا كان يتجنب الضوء باستمرار!

 

في الحقيقة، لم أكن يومًا ممن يحبون الإستيقاظ باكرًا رغم أني أمضيتُ ثلثي عمري تقريبًا على تلك الحال بسبب الدراسة.

 

أتمتم في سري بضع كلمات نابية في حركة أشبه بطرد الأرواح الشريرة. ثم أتذكر انها ترقد بجانبي هذه المرة فأسلم أمري.

 

دنيا مزاجية جدًا في الصباح. الأسلم لك أن تبادلها الحديث على فنجان قهوتها الصباحية. إذا والدتك "داعية عليك" كما يقولون وحاولتَ إيقاظها من نومها فتهانينا لك: استمتع بـ"نهار عتبة" (يوم منحوس) على أنغام زمجراتها. أتأملها وهي ترقد في سلام. شعرها الأسود منسدلا على كتفيها. تنتابني رغبة عارمة في تقبيلها ولكنّي أتذكر أنّ يوما حافلا ينتظرني. 

 

لا أريد أن أكون سبب"المراثون الصباحي" خاصة بعد الليلة "الحمراء" التي قضيناها معًا البارحة. أحاول النزول من السرير بكل هدوء لأذهب إلى الحمام. بيد أني أتفاجأ بها تعانقني من الخلف: "فريد، زيد شوية...". أبتسم لاإراديا. أنظر إلى الخلف فإذا بها تطبع قبلة على شفتي. قبلاتها ساحرة مفعولها يفوق مفعول الغاز المشل للحركة. يمكنك حتى أن تتحسس آثار أحمر الشفاه. أسعى لفك أسري بكل لطف. فتشير بأصبعها إلى الحائط المقابل أين نعلق اليومية.

20 مارس... يوم إجازة رسمية.

لستُ ممن يحبذون الإجازات الرسمية. أعتبرها تعلة للتقاعس عن العمل لشعب "كركار" (كسول) بطبعه. المدينة ترتدي ثوبها البائس في هكذا أيام. مكره أخاك لبطل! أعود إلى الفراش بجانبها بعد إلحاح.

النساء الذكيات لديهن قدرة خارقة على إقناع الرجل. ليس من منطلق سلطة أو تفويض كما يفعل أغلب الرجال في مجتمعاتنا الشرقية الذكوريّة. إنما من منطلق التأثير. من السهل أن توهمك زوجتك بأنها تهتم لرأيك ولك الكلمة الفصل في الموضوع- إرضاء لغرورك - في حين أنها حبكت خطة محكمة لتصل إلى ما تريد.

دنيا ليست إستثناء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجنس.

أسحب يدي اليسرى تحت الغطاء باحثًا عن يدها. أناملها الرقيقة تقطع علي طريق البحث. يدها ساخنة على خلاف يدي التي حسب قولها - باردة كأيدي مصاصي الدماء - كلانا يتأمل السقف كانه يفحص لوحة فنية في معرض للهواة.

"فريد، نحبك" تهمس في أذني. جسدها يكاد يلتصق بجسدي، أشعر بأنفاسها تخترقني.

 

أعمل جاهدًا لإخفاء ابتسامتي البلهاء لأن تلك، في كثير من الأحيان، علامتها للنصر. ثمان سنوات بصحبة دنيا وأجدها متجددة في كل مرة ربما لأن ممارستنا الجنس هي عملية استكشفاية أكثر منها روتينية ميكانيكية. هي كتابة قصيدة حب مشتركة تتأرجح بين العمودي والحر.

 

أمقت بشدة من يعتبرون الجنس ماكينة لإنجاب أطفال متحجرين مثلهم. ربما وسيلة ترفيه مجانية على أقصى تقدير.

 

نشأتُ كذلك بمشاعر متحجرة رغم أني كنتُ أحمل لقب "الحساس" في العائلة لأني سجين انفعلاتي. أبكي بسهولة مثلاً. كان ذلك سبب مضايقات وسخرية - تبدو بريئة، عن حسن نية في الظاهر- من أمثال " الراجل ما يبكيش".

 

من جانب آخر، كان يحبطني كثيرًا المعاملات الخاصة التي أحضى بها سواء من بعض أفراد العائلة، الأصدقاء أو حتى الغرباء مراعاة لمشاعري الرقيقة.

لا أتذكر أن الحظ حالفني كثيرًا في الحب. كنت دائمًا أعجب بالشخص الخطأ. كنت أسميه في ذلك الوقت - حب تحت تأثير أفلام هوليودية - باستثناء علاقات عابرة هنا وهناك. من يدري ربما علي لعنة آمون!

 

أمي تتنبأ أني سأرتبط بـ"فيلسوفة" لأني رافض تمامًا أن تكون زوجتي غير متعلمة أو لا تشاركني هوسي بالقراءة والكتب. كلما طرح الموضوع للنقاش أجيبها: "إن أردتُ من يهتم بشؤون البيت كاملة سأستعين بخدمات معينة منزلية".

 

تمرر دنيا يدها على كتفي الأيسر برفق غارسة أظافرها الطويلة في ظهري. أحس بألم خفيف وترى ذلك في تقاسيم وجهي. في قلب تلك الزوبعة أتذكر الحدبة على كتفي الأيسر.

 

أضحك في سري على أحدب نوتردام الذي كان يطارد عشيقته المفترضة ازميرالدا. أضحك أيضًا على رؤية الإعلام لمقاييس الإثارة والجنس. من فيكتوريا سيكرت إلى كلفن كلاين وغيرها من علامات الملابس الداخلية في محاولة يائسة لرفع معنويات معدومي الثقة أو كما أحبّ أن أسمّيهم "المعذبون في الأرض".

 

مرّ الوقت بسرعة ورفعت الراية معلنة انتهاء الماراثون. تمددت بجانبها ألتقط أنفاسي. أصابعي تلعب بشعرها في حركة لولبية بينما اتخذت هي من صدري وسادة بشرية.

 

- أنت بمكان وجودك، صحيح؟

- ماذا تقصدين؟

- أخبرني أين نحن الآن؟

إنها على حق...

 

آسف لأني خذلتكم أيها السيدات والسادة. لكني أفعل أي شيء لحماية نفسي من واقع غاشم مرير أرفضه.

دنيا وحدها تملأ عليّ هذا الفراغ القاتل. لا شيء أكثر إثارة من ممارسة الجنس مع شخصية صنعتها مخيلتي بإتقان.

أنظر إلى السقف مرة أخرى فإذا بي وحيدًا في السرير. أجول بنظري في الغرفة فألمح الكرسي المتحرك يحدجني من بعيد بنظرات غاضبة لأنني لم أغادر البيت لأكثر من أسبوعين.

 

قد أبدو لك فاشلأً، مثيرًا للشفقة. تتخيلني ربما عالة على المجتمع. إذا التقينا صدفة في الشارع قد تهمس لصديقك "اللي ما يعجبوا شيء" قل "الحمد لله"، أرأيت الذي مر أمامنا منذ قليل، مسكين.

 

أشعل لفافة تبغ وأفتح هاتفي أخيرًا باحثا عن رقم سامية، عاملة جنس حاصلة على ماجستير أعمال. صحيح أن أجرتها تعادل 70 مرة أجرة عاملات الجنس بماخور "عبد الله القش"، ولكن على الأقل أنا على يقين أني معها أكتب قصيدة حب مميزة.

 

أنا، كغيري من ذوي الإعاقة، الجنس لأمثالنا غير متاح وكأننا كائنات هلامية رخوية غير مرغوب فيها. يشبهوننا بـ"الملاك الطاهر" الذي سيظلّ ّطاهرا" طيلة حياته. نقمتي كبيرة على ترهات حب نفسك أولًا. في أوروبا، العديد من عاملات الجنس يخترن العمل بشكل حصري مع ذوي الإعاقة. 

 

أضحك مرة أخرى في سري وأقلع عن فكرة طلب سامية. يهاتفني صديق ويطلب منّي أن نلتقي في المقهى المعتاد. وجدتُ نفسي أوافق على الفور وأشرع في ارتداء ملابسي. لقد حصلتُ لتوي على سبب لأعيش يوما آخر في هذا العالم الموحش. الإكتئاب لا دين له.