إضافة تعليق جديد

الكورونا والسعادة أو كيف نعادي المستقبل؟

01/04/2020
1151 كلمة

"أنا كنت أرغب xxx xxxx xxxx

xxxxx=xxxxx

_xxxx_

xxxxx أن أفعل

ما يحلو لي-

من خلف ستارة".

فريدا كالو- يوميات فريدا كالو.

 

"المنزل ليس بالمكان الآمن لمن اضطرّت للبقاء حبيسة مع معنّفها"، أقرأ هذه الجملة باستمرار على منصات التواصل الاجتماعي بعد تفشي فيروس كورونا. أتذكر مقال سارة أحمد "نسويات قاتلات البهجة" وتفكيكها لنموذج طاولة الطعام التي تمثّل سلطة العائلة الرمزية. لم أكن أطيق كرسي أبي الذي يرفض أن يغيره. حاولت الجلوس عليه مرات عديدة كما حاولت التغيّب عن المائدة، لكني لم أنجح في ذلك، فمن الصعب التغلب على سطوة الكراسي. يُمثّل كرسي الأب على الطاولة مكانته في العائلة وكلّ محاولة لتغيير هذا النظام أو التمرد عليه قد يؤدي إلى ما تُسميه سارة أحمد "عزلِك على مائدة السعادة". أفكّر في الفتيات قاتلات البهجة وقت الحجر الصحي وهنّ منزعجات من تراتبيّة الكراسي كما أفكر في كلّ النساء المضطرات إلى العيش تحت سقف واحد مع المعنّفين.

أسمع الأصوات الصادرة عن البيوت وأنا أتجوّل ليلاً بسبب توقف حركة السيارات، أسمع صوت شجار وأستغرب سماع ما يدور داخل البيوت من الشارع. يقلقني التفكير في ذلك العدد الهائل من العائلات المحبوسة في منازلها. لم أقتنع يومًا بمفهوم العائلة النواة، ولا العائلات الممتدة. دائمًا ما تربط العائلة قمع الحريات بسعادة الآخرين، فمثلا إذا عبّرتِ عن عدم اقتناعك بمفهوم الزواج أو الإنجاب لن تتخلصي من سؤال "متى سنفرح بك؟"، كأن الموضوع لا يخصك بل عليك فعله من أجل هدف أسمى وهو سعادة الآخرين. ناقشت جدتي مرارًا عن مفهوم السعادة، وكانت تقول لي نفس الكلام: "الموضوع يرتبط بالعادات المجتمعية وعدم الاعتراف بالسعادة الموروثة يصل بنا إلى طريق مسدودة". 

أنا قاتلة السعادة، "معكّرة الجو" على طاولة الطعام، في العمل، وفي الشارع. مازلت أخاف عندما أمشي في المدينة الخالية بمفردي مع أنني أعيش لوحدي وأعمل بالليل وتعلّمت تقنيات الدفاع عن النفس. كنت أعمل بمقهى في سوق تباع فيه الزهور بالجملة. يبدأ الصباح هناك باكرًا وأستمر بسماع كلمة "صباح الخير" بالألمانية، خلال فترة عملي التي قد تصل إلى السبع ساعات. اتُّهٍمت باللؤم عندما طلبت من أحد الزبائن أن يتوقّف عن مغازلتي فردّ عليّ قائلا: "كلّ النساء يفرحن بكلمات الإطراء إلا أنت". يعتبر الناس هنا كل فتاة أو امرأة تعترض على التحرش غريبة الأطوار وتعيسة. تحصل معي الكثير من المواقف ولا يقتصر ذلك على وقت أو مكان معيّن. لا أعتقد أن توقيت العمل كان مرتبطًا  بالمواقف الذكورية التي واجهتني فالعالم بأسره ليس مكانًا آمنًا للنساء.  

نمشي في شوارع المدن التي لا تحترم مساحتنا الشخصية، في الميكروباصات أو المتروهات حيث يفتح الذكور سيقانهم، يتلمّسون خصيتهم، ويحدقون بنا. حدَثَ أن كنت أمشي مع صديقتي في وسط المدينة فتهجّم علينا أحدهم وقال: "امرأة عابرة وأخرى عربية، أستطيع أن أفعل ما يحلو لي بكما"، أما الآن فيتركون بيننا وبينهم مسافة المتر على الأقل، يا للسعادة!   

 في هذه الفترة الصعبة، قمت بالعديد من الاستشارات على الهاتف وخاصة بعد فقداني لعملي. الكلّ يعمل من البيت وأخبرني شريكي أنه لم يستطع سماع صوت الموظفة مستشارة الضرائب بسبب صراخ طفلها. النساء يعملن من بيوتهنّ ويعتنين بأطفالهنّ في نفس الوقت، ففي ظلّ النيوليبرالية تعمل المرأة كالرجل تمامًا لكنها مازالت تتحمل أعباء المنزل ولا تساويه في الأجور، كما تقترح الشركات الكبرى عليها أن تجمد بويضاتها لكي تعمل أكثر، وفي عيد الأم أو المرأة قد يقوم الزوج أو الشريك بالطبخ. 

تعود بي الذاكرة إلى طفولتي في بلد ديكتاتوري محجور لا توجد فيه إلا شوكولا وطنية

تغيرت المدينة بين ليلة وضحاها. قامت معظم المحلات المفتوحة ببناء حواجز لحماية الموظفات/ين. تأقلم الناس مع الوضع بسرعة كبيرة واتبعوا التعليمات واشتروا محارمهم الورقية بكميّات مهولة. "احتلوا العالم بأسره ولكنهم لم يتعلموا كيف ينظفون مؤخراتهم" تقول صديقتي. أتأمّل الرفوف الفارغة وتعود بي الذاكرة إلى طفولتي في بلد ديكتاتوري محجور لا توجد فيه إلا شوكولا وطنية تعوّدنا طعمها وخيارات محدودة في كل شيء، نستطيع الآن إيجاد محارم ولكن اختفت الأقنعة الواقية من الصيدليات بشكل كامل. لم يدم الأمر طويلًا فبعد الأسبوع الأول من الحجر امتلأت الرفوف من جديد واستمرّ نسق الاستهلاك في تصاعد خيالي.

في ظلّ جائحة الكورونا انتشرت الخطوط الساخنة المجانية التي تؤمّن الاستشارات لمن فقد أو فقدت عملها، ولمن تعرّضت للعنف المنزلي، ولمن يعاني من مشاكل نفسية. فتحت المتاحف والمكتبات أبوابها الإلكترونية كما فتح موقع الأفلام الإباحية Porn Hub الإشتراك مجانًا لسكان إيطاليا. أفكر دائمًا في الأفلام الإباحية من وجهة نظر نسوية. أفكر في نجمات البورنو وكل العاملات في هذا القطاع. اقتصاد الجنس في عالم رأسمالي ذكوري لا يهتم الكثيرون بهذا الموضوع.  ليس لديّ موقف ثابت وواضح من الأفلام الإباحية، ربما لست ضدها ولكن مشكلتي مع توجّهها الذكوري وميزوجينيّتها في أحيان كثيرة. كيف يمكن تغيير المحتوى؟ كيف يمكن حماية حقوق العاملات/ين فيها؟ استنتجت أن مجانية العديد من المواقع تتناسب مع جودة الأفلام، وتُصعٍّب عمل من تريدُ أن تصنع تغييرًا، هناك مناضلات في ذلك العالم أيضًا.    

 "كنت أرغب أن أفعل ما يحلو لي من خلف ستارة".

تأخذني كلمات فريدا كاهلو إلى ما بعد الثورة في سوريا. في يوم من الأيام دخلت امرأة بسرعة وهي تنزف إلى محل لبيع النظارات، كان المشهد أغبشًا بسبب قصر نظري، ولكنّي تمكنت من تمييز ملامحها بعد التحديق فيها طويلا. تعرّضت للعنف ولا تستطيع الرؤية بعينها المصابة. لم أحتمل رؤية الدم وسارعت لاستلام نظّارتي ومغادرة المحل حانقة على الرجل الذي عنّفها.

تراءت لي لوحة "فريدتان اثنتان" وهي بورتريه مزدوج لفريدا كاهلو في عيادة تصحيح البصر بالليزر. أزعجتني رائحة المخدر، أغمي عليّ ولا أتذكّر شيئًا بعدها. عندما استيقظت أحسست أنّني أرى أفضل مما كنت عليه، بدت السماء قريبة جدّا.

أحدّق مرة ثانية في نفس اللوحة ولكن في بيتي في المدينة الهادئة المحجورة وأسمع أصوات الغربان. كانت فريدا أول امرأة أعرفها مزدوجة الميول. عاشت أغلب حياتها في عزلة وتحت سطوة الألم نتيجة حادث أصابها في الثامنة عشر من عمرها. يُعجبني شعرها وحواجبها الكثيفة التي صارت موضة في السنوات الأخيرة. 

موت بعض الأشخاص وفي هذه الحالة كبار السن والمرضى من أجل بيئة نظيفة هو فكر كولونيالي بحت وفاشية بيئية

كنت أغمض عيني وأمشي في شوارع المدن التي سكنتها وأتمنى أن ينتهي العالم، هذا العالم الجشع الذي يحكمه الرجل الأبيض المهيمن، العالم الذي تُقتل فيه النساء باسم "الشرف". أما الآن فيأمل الكثيرون بحدوث تغييرات جذرية، والبعض يحتفل بهذا الفيروس الذي أعطاهم الوقت والراحة والهواء النظيف. نعيش في "عالم جديد شجاع" يموت فيه كبار السن والمرضى ويبقى فيه الصغار الأقوياء. خفّض الحجر انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون في الجو ولكن هذا لا يعني أن هناك آثارًا إيجابية ناتجة عن جائحة كورونا فموت بعض الأشخاص وفي هذه الحالة كبار السن والمرضى من أجل بيئة نظيفة هو فكر كولونيالي بحت وفاشية بيئية. يجب ألا ننسى أن النظام الرأسمالي الذي يحكمه الرجل الأبيض هو المسؤول الأول عما يحصل للطبيعة، وأن السكان الأصليون مازالوا يعيشون مع الطبيعة وليس ضدها، مستمرون في نضالهم ضد الاستعمار. نشر موقع Indigenous Action المناهض للاستعمار الذي يعمل على الدفاع عن الأراضي المقدّسة للسكان الأصليين مانيفستو بعد تفشي فيروس كورونا تحت عنوان: "إعادة التفكير في نهاية العالم: بيان السكان الأصليين المعادي للمستقبل". يوضح البيان مفهوم نهاية العالم التاريخية بالنسبة للسكان الأصليين حيث جاء فيه ما يلي: "لقد ذهبت العديد من العوالم قبل هذا العالم. نُسِج تاريخنا التقليدي بإحكام مع نسيج الولادة ونهاية العوالم. من خلال هذه الكوارث، حصلنا على العديد من الدروس التي شكلت من نحن وكيف نكون مع بعضنا البعض. طرق وجودنا ملمّة من خلال إيجاد الانسجام وعن طريق  تدمير العوالم. الإهليلجية. ولادة. الموت. إعادة الولادة".

العالم ينتهي باستمرار، والتاريخ يكتبه المنتصرون، يشطبون ما يحلو لهم من الكلمات وفيروس كورونا مهما قتل منا سَيُنسى. ولعلنا نخرج من هذه الكارثة بدروس عن البدايات والنهايات وتأريخ مضاد للتاريخ المهيمن لا نكون فيه سعيدات بالضرورة.