إضافة تعليق جديد

عن اللّحظات الفارقة في حياتي

01/05/2020
1062 كلمة

لكلّ واحدة وواحد منّا لحظة فارقة في حياته. لحظة يتزعزع على إثرها كلّ ما هو ثابت ومألوف فندخل في دوامة من الشك والتساؤلات المؤرّقة. مخاضٌ عسير نختبره بصعوبة ولا نعرف إلى أين سننتهي. هل سنولد مشوّهات ومشوّهين أم سنولد أقوى وأحسن مما كنّا عليه؟

مازلت أذكر تفاصيل تلك الليلة جيدًا. ليلة مظلمة وباردة من ليالي شهر جانفي/يناير سنة 1998. عشتُ فيها أوّل لحظة فارقة في حياتي وأنا لم أتجاوز بعد السبع سنوات. كانت أمي تسرد على مسامعي قبل النوم قصصًا طريفة ومُسليّة من موروثنا الشعبي مثل "أم السيسي" و"المعزة المعزوزية" وهي تداعب شعري المجعّد والطويل. كنت أحبّ أن أتأمل وجهها وملامحها قبل أن أغرق في سبات عميق. في تلك الليلة بالذّات لم تحك لي أمي قصة مشوّقة كعادتها. قالت لي ودون سبب وجيه أو سابق إنذار: "لا تتركي أيّ رجل يلمس مؤخرتك". لم أفهم كلامها المُشفّر وأحسست بضيق شديد. ما معنى "المؤخرة"؟ أليست مؤخرتي مثل باقي أعضاء جسدي؟ ما المميز فيها؟ لماذا يلمس الرجال مؤخرات النساء؟ لم أستطع إيقاف ذهني عن التفكير للحظة، وصرت منتبهة جدّا لكل رجل يقترب منّي في مدرستي أو في محيط منزلنا. كنت أسأل والدتي باستمرار عن مغزى تلك القصة التي سردتها لي دون أن أحصل عن إجابة كافية تروي عطشي لمعرفة عالم لا أدرك مفاتيحه، فلجأت لحصة العلوم وللكتب المركونة عند رفوف القسم، وفي بعض الأحيان أسترق بعض التفاصيل من البرامج التلفزية. أذكر أنها حدثتني أيضًا عن الدورة الشهرية حتى صرت متشوقة لاكتشاف نواميسها الغريبة عنّي. كنت أكتب كلّ ما يجول بخاطري في كرّاسي عن مصدر الكون وعن الذات الإلهية وعن كيفية تكوّن البشر، حتى أصبحت الكلمات حليفتي في كلّ الأوقات إلى حين لحظة البلوغ. 

 وأخيرًا دخلت عالم الكبار. كنت أنتظر هذه اللحظة الفارقة بفارغ الصبر.

تدفّق الدم بين ساقيّ وأنا في عمر الرابعة عشر. كنتُ أستعد للذهاب إلى الشاطئ مع عائلتي وفجأة أحسست بشيء حارّ ولزج يفيض من تبّاني. وأخيرًا دخلت عالم الكبار. كنت أنتظر هذه اللحظة الفارقة بفارغ الصبر. لم يدم حماسي طويلا، لأن أمي صارت تعاملني بشكل مختلف. زاد خوفها عليّ وسارعت إلى تلقيني درس "الفتاة الشريفة" قائلة بصوت حادّ: "أصبحت الآن امرأة ولن تركبي الدراجة الهوائية ثانية حتى لا تفقدي عذريتك". لماذا يُصبح كلام أمي مُشفّرًا عندما تتكلم عن جسدي. ما هي العذرية وما معنى أن تكون الواحدة منّا امرأة؟ لم أكن أعرف الكثير من النساء في حياتي غير جاراتنا وأمي التي كانت بالنسبة لي نموذجا مثاليًا للمرأة الصبورة والكادحة وقد ورثت عنها هذه الخصال. كنت أجتهد في دراستي وأعمل في عطلة الصيف كي أشتري الكتب وكلّ ما تحتاجه فتاة في سنّي: حلوى، زجاجة عطر رخيصة، فوط صحية، بيتزا، تنّورة قصيرة، روايات رومانسية، هاتف جوّال إلخ. كنت أهتم بكل شيء إلا جسدي.

بلغت سنّ العشرين دون أن أدرك حاجات جسدي ورغباته التي كنت أقمعها باستمرار وأعمل على إسكاتها وإخماد لهيب خيالاتي الجنسية التي كانت تتسلّل إلى ذهني كلّما دخلت للاستحمام أو خلدت إلى النوم وذلك عملا بدروس والدتي وأوامرها. فكانت اللحظة الفارقة الثالثة في حياتي حينما اعتليت خشبة المسرح وبدأ جسدي يتتبّع بتعطش ونهم شديد نصائح الأستاذ المؤطر. كانت كل قطعة مني تهلّل فرحًا لتحرّرها من الأغلال التي تكبّلها. فكثيرة هي الصراعات الداخلية التي خضتها في سبيل البحث عن الذات التي أريدها أن تكون لا كما يريدها الآخرون أن تكون. ذات حرّة مغامرة محبّة لنفسها ولكل عيوبها وخصالها ومتحرّرة من نظرة المجتمع المقيدة لها. 

وجدتني أتغيّر وأتطوّر وأولد من جديد مع كلّ مقال أو كتاب أنتهي من قراءته

من اللحظات الفارقة الأخرى في حياتي عندما قرّرت أن أثور على تقاليد هذا المجتمع وأدرس علم الاجتماع كي أفهمه جيدًا وأصبحت بفضل متابعتي للحركات النسويّة في العالم وفي تونس ونشاطي في المجتمع المدني، نسويّة. كنت أبحث عن العدالة وأريد أن أحقّق نوعًا من التغيير في عقلية المحيط الاجتماعي الذي نشأت فيه. فوجدتني بدوري أتغيّر وأتطوّر وأولد من جديد مع كلّ مقال أو كتاب أنتهي من قراءته، حيث كنت حريصة على استقلالية أفكاري وشخصيتي عن البقية دون أن أقع في الدمغجة (الديماغوجيا)، فصرت صديقة أفكار فيرجينيا وولف ونانسي فريزر. إلى جانب المعارك الميدانية التي خضتها ضدّ النظام والمنادية بتحقيق العدالة الاجتماعية. خلال تلك التحركات تعرفت على مناضلات نسويات تقاسمت معهنّ نفس جرعات الألم ومعاناة العيش بأجساد أنثوية في عالم يقمعنا ويُهمّش أصواتنا. تشاركنا نفس الأحلام وصرخنا عاليًا ضدّ الاضطهاد والعنف المسلّط علينا. 

عشت قصّة حبّ من طرف واحد ولست نادمة على ذلك. لست نادمة على تلك اللحظة الفارقة التي قرّرت فيها أن أبادر وأقول له "أحبّك" دون خوف أو خجل. يُمكننا أن نبادر نحن أيضًا ونعبّر عن عواطفنا ونكسر تلك الصورة النمطية عن الرجل الفحل الذي ننتظره طويلا كي يقول لنا أي كلمة تثلج صدورنا. الحب من طرف واحد ليس سيئًا دائمًا. صحيح أنني تعذّبت بسبب الجفاء وبكيت طويلا ولكني تركت قلبي يعيش هذا الحب ويتذوّق مشاعره الجارفة: الشوق والغضب والنقمة والحنين واللوعة. تمكنت بفضل هذه التجربة العاطفية المبتورة أن أعرف نفسي أكثر وأكفّ عن جلدها وألملم شتاتها. قررت أن أحب نفسي وألا أسمح لأي كان أن يُؤذيني أو يستغلّني. ترجمتُ كل هذه المشاعر والأفكار في نصّ شعري بالعامية التونسية كتبته على دفتري وتركته للزمن والنسيان، أستحضر مقطعًا منه:

فاض الكاس

وبروح مفرفطة نفخت على الجمرة الشاعلة نار من غير فتيلة باش تطفى 

وضمدت الحريقة باش تبرا 

ورشيت على القلب ماء فرق باش تتفسخ اللّيعة (اللوعة)

وكمّمت فمّي على الصيحة 

شقيت صدري ودخّلت يدّي خرّجت منّو هاك الزرّيعة 

شدّيت المقص وقصّيتلها عروقها 

وبصوابع يدّي فتفتلها (فتّت) زهورها 

وكفّنت بشعري آخر ما قعد من خضار عودها 

ودفنتو في التراب وسط هوا آخر نظيف 

لعلاّ يرجع ينبت من جديد وسط اثنين 

شيّعت عيني من البعيد وبيبيت (إشارة التوديع باليد)

وودعتها وودعتك معاها وكمّلت من غير ما نتلفت (دون أن ألتفت)

ماني تعودت إنّي نفارق ونخلّي الزمان يسري في عروقي ويكونلي (يكون لي) الدواء 

*****

عديدة هي اللحظات الفارقة التي عشتها وتجرّعت آلامها إلى حين تصالحي مع مفهوم الألم لا من المنظور السلبي وإنما من المنظور الإيجابي. ذلك الألم الذي يحفّزنا على ولادة روحنا من تحت أنقاضها بصورة أجمل وأقوى مثل أسطورة طائر الفينيق الذي يُبعث من الرماد. ذلك الألم الذي يترك على أجسادنا خدوشًا وندوبًا صرت أتفنن في تزيينها بورود الحب، حب الحياة وحب الذات بكل قصصها الفاشلة والناجحة وأخطائها. بالنسبة لي، تكمن اللحظة الفارقة الحقيقية من منظوري الخاص، عند عثوري على ذاتي لأوّل مرّة وبعد عناء طويل السنة الماضية في نهاية نفق مظلم على مشارف محيط أزرق تدعوني للسباحة معها في أعماقه بعيدة من هنا، محيط حيث أريد أن أحيا وأن أكون، محيط أشاهده الآن من بعيد وقد أصبح سرابًا.