إضافة تعليق جديد

سعاد، وأمي وأنا 

في غربتي، ومع زوجي اللبناني الذي ولد وتربى في ألمانيا، أجد نفسي بحاجة مستمرة إلى ترجمة ذاتي، ترجمة خبراتي الحياتية، ومشاكلي الجندرية بكل تعقيداتها وقصصها الدرامية. حين تصادف وأن أتيح فيلم "الاختفاءات الثلاثة لسعاد حسني" للمخرجة اللبنانية رانيا اسطفان للجمهور عبر الإنترنت، وجدتها فرصةً لمشاهدته مع زوجي في محاولة مني أن أجعله شاهدًا على مأساة سعاد في رحلتها التي تتشابه إلى حد كبير مع رحلة كثيرات من النساء غيرها. ثم وجدت نفسي في حيرة من أمري، أتساءل متى بدأ شغفي بسعاد...

في مقدمة كتابه "أن نجعل الأشياء كويرية تمامًا"1 يوضح لنا ألكسندر دوتي أن قراءة الثقافة الجماهيرية بصورة كويرية قد تتجلى في فعل التلقي نفسه، وفيما إذا كان المتلقي يقف موقفًا كويريًا بغض النظر عن ميولها الجنسية أو توجهاته الجندرية المعلنة. 

في هذا المقال، وتماشيًا مع وجهة النظر المطروحة في الملف الذي ينشر في إطاره، أحاول دمج الرؤية النسوية بالكويرية في أربع خطوات فكرية، فأستعرض أولاً محطات في تاريخ سعاد حسني (1943ـ 2011) السينمائي من منظور شخصي، تنعكس فيه تجربة أمي وتجارب شبيهة لأخريات مع فكرة الأنوثة وكيان المرأة. ثم أحاول ثانيًا أن أرصد تمثلات سعاد حسني على الشاشة باعتبارها جزءًا من مشروع قومي لتركيب ـ وفي أحيانٍ نادرة لتفكيك ـ كيانات الذكورة والأنوثة ومعانيهما. وثالثًا، ومن خلال الرؤية المطروحة هنا، أحاول مساءلة سلطة الناقد السينمائي الذكر، واستعراض طرائق بديلة لقراءة الأفلام بمناهج نسوية وكويرية، وأسعى أخيرًا لتوسيع نطاق الكويرية كمنهج تحليلي واعتبار قضايا بعينها، كالتمييز بسبب السن Ageism أو إيروتيكية أجساد من تقدم بهم العمر على الشاشة في صميم اختصاصاتها. 

يحاكي هذا المقال بناء فيلم رانيا اسطفان السالف ذكره، ويأتي في ثلاثة فصول قصيرة يسبقهم استهلال وتعقبهم الخاتمة.

استهلال: فستان سعاد

من الذكريات الأولى التي أحفظها في وجداني عن أمي قبل ارتدائها الحجاب يوم أن قصّت صورة لسعاد حسني من إحدى المجلات وذهبت بها إلى الترزي كي يخيط لها فستانًا يماثل فستان سعاد تمامًا. اختارت أمي نفس القماش والألوان وأصرت أن يطابق التصميم فستان سعاد بلا تغيير أو تعديلات. أتذكر الفستان بكل تفاصيله، أتذكر كيف بدت سعاد فيه في قمة جمالها. لم يكن ما فعلته أمي أمرًا غير معتاد. نساءٌ كثيرات، أنا من ضمنهن، حرصن على تقليد سعاد؛ كيف تلبس، كيف تبدو وتتحرك، وكيف تضحك. كانت سعاد نموذجًا للأنثى كما يجب أن تكون لا من وجهة نظر النساء في مصر والعالم العربي فقط، بل والرجال أيضًا. في زمان ومكان، كانت وظلّت فيه جنسانية المرأة تابوهًا، علمتني سعاد كيف أكون "ست"،  متى أكون دلوعة، ومتى أغضب، وأرتني في أدوراها كيف أحب، كيف تبدو المرأة حين تحب، كيف تعبر عن مشاعرها وعن جنسانيتها بطريقة تبقى بجرأتها على هامش المسموح دون أن يقلل ذلك من إعجاب ملايين المشاهدين بها. 

باءت محاولة أمي لتقليد سعاد بالفشل، فبعد أن قضت ساعات في وكالة البلح للبحث عن قماش مماثل وأقنعت الترزي بالعمل على تصميمه لم تكن النتيجة مقنعة، فقماش الوكالة الرخيص لم يوف بالمهمة. ارتدت أمي الفستان مرة واحدة ثم تخلصت منه وإن كانت لم تتخلص أبدًا من عشقها لفساتين سعاد. 

الفصل الأول: خلي بالك من زوزو 

أتذكر كيف كانت ـ ومازلت ـ مشاهدتي لفيلم "خلي بالك من زوزو" 1972 تمنحني قوةً وحماسًا. زوزو الطالبة الجامعية وابنة الراقصة الشعبية التي تجد نفسها في عناء متواصل لمفاوضة المعايير الجندرية المحافظة تارةً، وما تفرضه عليها البنى الطبقية تارةً أخرى. ولكنها تنتصر في النهاية على الصعاب بفطنتها، ومرونتها، ومقدرتها على خوض معترك الحياة بخفة وبساطة، والمحافظة على الشعرة الدقيقة بين ما تُمليه عليها رغباتها وطموحها وما يتوقعه منها المجتمع. مقدرةٌ لم أستطع أبدًا التحلي بها. بصريًا، تمنحني زوزو القوة حين أراها ترقص في سحرٍ وجمالٍ لا مثيل لهما، حين أراها تحب وتفصح عن رغباتها وجنسانيتها، حين تعيد صياغة شعر أحمد شوقي قائلة "وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا كدا هو!"، جاعلة رحلة بلوغ المنى للمرأة في مقام الممكن، رغم صعوبات الطريق ورغم ما يسكنه من شرور، رغم كل ما عليها من تضحياتٍ تقدمها، وحتى لو كان ذلك بجسدها، من أجل الدفاع عن حبها وعائلتها. 

ثمة مشهد في الفيلم يجتمع فيه العمق والمتعة في الآن نفسه، حين تخلع سعاد جاكت الفستان الذي ترتديه وترقص بدلاً من أمها، وهي تفعل ذلك مرغمةً وفي الوقت نفسه بدافع حبها لأمها وحرصها عليها في مواجهة طبقية حبيبها وعائلته. هو فعلٌ تعيد به امتلاك نفسها بسطوة جسدها الذي يصبح وكأنه امتدادٌ لجسد أمها، تستدعيه عند الضرورة، كأنه قد حُتّم عليها بذلك أن تعيد خلق ذاتها، أن تتخلص من الأدوار التي فُرضت عليها، أن تبلغ حريتها بإعلان امتلاكها للحدود التي فُرضت عليها. 

الفصل الثاني: صناعة السندريلا

وأنا أشاهد فيلم "الاختفاءات الثلاثة لسعاد حسني" ظل سؤالٌ ما يطاردني، هل كان مسموحًا لسعاد أن تكون وتحيا كما تريد؟ أم أنه فُرض عليها أن تكون سندريلا؟ لقبها الذي حملته لسنوات في إشارة لأنوثتها وإطلالاتها الأشبه بإطلالات حورية سماوية؟ 

يُبرز الفيلم في عذوبة سردية كيف كانت سعاد حسني أشبه بصورة مصنوعة إلى حدٍّ كبير، تجسدت فيها تصورات جمعية عن المرأة المصرية، كيف تبدو وكيف تكون، أشبه بخيال جميل، أعدّه وأداره وقدّمه على الشاشة جيلٌ من الكتاب والفنانين الذكور، ليستهلكه ويتماهى معه رجال ونساء المشاهدين على حد سواء. في أحيانٍ كثيرة يصبح جسد المرأة تجسيدًا لمشاريع قومية تتخذ من الأنوثة ميدانًا لفرض شرعيتها وإشباع الرغبات الذكورية. في زمن أصبحت الثنائيات فيه موضع تساؤلٍ مستمر وتشتّتت فيه معاني الأنوثة والذكورة، قد تبدو فكرة كهذه قديمة وسخيفة، والحق أنني بحديثي عن الذكورة والأنوثة هنا لا أرغب في إعادة تأهيلهما ككيانات حقيقية ثابتة، ولكنني مازالت لا أستطيع الفرار من وجودهما إلا نظريًا فقط، وإن حاولت باستمرار تفنيدهما ومساءلة حدودهما ومعانيهما. 

الفصل الثالث: "أنا كنت غضبانة" والراعي والنساء

كنت في الخامسة من عمري حين ذهبت إلى السينما للمرة الأولى في حياتي مع أبي وأمي. ذهبنا لمشاهدة فيلم الراعي والنساء 1991، أو هما من أرادا مشاهدة الفيلم ولم يجدوا أحدًا لمجالستي فقرّرا اصطحابي معهما. كنت أصغر من أن أعي أي شيءٍ مما يدور في الفيلم، أتذكر فقط موسيقى راجح داود التي غمرتني بجمالها وشغفي برؤية سعاد حسني على الشاشة الكبيرة. بقت ذكرى الفيلم في مخيلتي عندما كبرت، ليس فقط لأنه أول فيلم أشاهده في السينما ولكن أيضًا لأن أمي ظلت تحبه لسنوات عديدة. 

سعاد حسني التي ظهرت في هذا الفيلم هي سعاد أخرى لا عهد لنا بها، أكبر سنًا، أكثر حكمةً ورزانةً، وهي وإن كانت كعادتها تقدم تضحياتٍ من أجل عائلتها، فهذه المرّة كأمٍّ لابنتها لا كبنتٍ لأمها. سعاد في هذا الفيلم وحيدة، حزينة وتشعر بالاغتراب كما يظهر ذلك في الحوار. وهي في حديثها مع نساء الفيلم الأخريات، ابنتها الرومانسية، المثالية بسذاجة، التي تشبه الشابة التي كانت عليها وأخت زوجها الناضجة، القوية والمستقلة، والتي تشبهها أيضًا حين انتصف بها العمر، تبدو وكأنها تتحدث مع نفسها. تحاول النساء الثلاث مواصلة العيش معًا في سلام قبل أن يضلّل بهن الراعي، الرجل الذي يقتحم حياتهن فيقعن ثلاثتهن في حبه. الرجل الذي تتجسد فيه كل الأدوار التي يلعبها الرجال في المراحل المختلفة لحياة المرأة: الأب، الأخ، الزوج أو الحبيب. 

أخبرتني أمي عن بعض قصص النميمة حول سعاد حسني حين ظهر هذا الفيلم إلى النور، كيف تردد أن وزنها قد زاد بصورةٍ ملحوظة، وأن أسنانها ظهرت معوجّة وضامرة، ويبدو أن الجمهور قد تضايق من رؤيتها على هذه الصورة، رافضًا أن يتقدم بها العمر، أن يظهر على جسدها الأنثوي آثار استهلاكه وتداعيات ما قدّمته من تضحيات. والحق أن سعاد لا تختلف في ذلك عن الكثيرات من النساء في عائلتي وحياتي.

في مصر التي ترعرعت بها، كان موت سعاد حسني حدثًا جللًا شغل الرأي العام. فكرة إقدامها على الانتحار، آخر التابوهات التي نجحت في تخطّيها لم تلقَ قبولاً ولم يرغب أحد في تصديقها، فأخذوا يحيكون نظريات مؤامرة حول موتها واحتمالات أنها قد قُتلت عمدًا. سألت أمي، "هل انتحرت سعاد أم قُتلت؟" فأخبرتني أنها تعتقد في انتحارها. "ولكن لماذا انتحرت يا أمي؟"، سألتها بسذاجة، فأخبرتني أن النساء الجميلات مثلها، حين يتقدم بهن العمر وتتبدد أنوثتهن، يشعرن بأنهن قد صرن منبوذاتٍ ومهملات، لا نفع لهن، لا حاجة ولا قيمة، لهذا السبب وقعت سعاد فريسة للاكتئاب ثم قتلت نفسها. 

أظن أن هذا أكثر أحاديثي مع أمي صدقًا وصراحةً حول الآلام النفسية، حول الانتحار، وأن في المعايير الجندرية السائدة ما يقتل. أصبحت أخشى سعاد التي تسكن داخلي، أخشى أن أصبح امرأة جميلة أو أن أبالغ في اهتمامي بشكلي والصورة التي أبدو عليها. أردت أن أقتل الجزء الذي يُغرم بسعاد وجمالها داخلي، وبقيت مشاعر الخوف من النبذ والإهمال تطاردني حتى اللحظة. سعاد كانت غاضبة، هذا ما قالته في لقاء تلفزيوني ربما كان آخر لقاءاتها، "أنا كنت غضبانة" كان ردّها حين سألتها المذيعة أين غابت عن جمهورها لسنوات طويلة. وكأنّ الغضبَ مكانٌ احتاجت إلى الفرار إليه والاختباء فيه، فالغضب واحدٌ من تلك المشاعر التي لا يُسمح للمرأة بالتعبير عنها، وبما أنّ سعاد حسني هي مثال الأنوثة، هي المرأة كما يجب أن تكون، فلا يصحّ لها أن تغضب، أن تُظهر غضبها علنًا، أن تتقدم في العمر، أن تفسد صورتها في مخيلة الناس، عليها أن تضحي مرةً أخرى وأخيرة لتبقى تلك الصورة بلا شوائب. 

الخاتمة: موعد على العشاء

"موعد على العشاء" 1981 هو واحد من أفلامي المفضلة لسعاد حسني، وهي تلعب فيه شخصية امرأة تعيش علاقةً تهينها وتوجعها، تحاول الفرار من الرجل الذي قهرها ولكنها لا تجد مفرًا سوى قتله وقتل نفسها، فتضع السمّ في طعام عشائهما الأخير. في المشهد الختامي، نراها تُرغم نفسها على أكل "المسقعة" التي وضعت فيها السم، كي تجعل زوجها يأكل منها. "كان هذا طريقها الوحيد للهروب" قالت لي أمي ذلك وهي تشرح لي لماذا اختارت سعاد أن تموت في هذا الفيلم. 

كامرأةٍ عانت طوال حياتها من متاعب نفسية، افتتنت بسعاد في موتها كما شغفت بها في حياتها. انتحارها هو تضحيتها الكبرى، مشهدها الأخير والأعظم، ثورةٌ حطمت بها تابوهًا آخر، طريقها الوحيد للهروب التي كان عليها أخذه ولو مرغمة. ولكننا لم نمنحها حتى الحق في ذلك، بقي انتحارها أمرًا غير مقبول، مثار لجدل مستمر يتكرر فيه رفضه ونكرانه صراحة. حتى في موتها، لم تأخذ سعاد حقها وقررنا نحن إعادة كتابة دورها في الموت كما يحلو لنا، ففكرة انتحارها تُفزعنا، تكشف لنا ألّا أحد قد "خلّى باله من زوزو". انتحار سعاد يكشف لنا كيف أن مجتمعنا قد يستهلك النساء حتى هلاكهن. سعاد التي لم يسمح لها بأن تتقدم في العمر، بأن تمرض، بأن تغضب، لم يسمح لها كذلك بالانتحار، وكأنما جسدها وسيرتها ليسا ملكًا لها، وإنما لعائلتها ووطنها. موت سعاد هو موت للأنوثة المصرية. سعاد قتلت سعاد حسني كي تتخلص من صورتها المصنوعة والموجودة في مخيّلة الناس، كي توجد هي بذاتها ولذاتها. 

 

 

 

  • 1. Doty, A. (1993). Making Things Perfectly Queer: Interpreting Mass Culture. Minneapolis: University of Minnesota Press.