إضافة تعليق جديد

فحولة المال: مجد الرجال ومذبحهم!

هل خُلق الرجال من أجل رحلة ركض أبدية خلف المال؟

في زمن الطفولة الأخضر، كنت دائمًا أُنصت إلى أمي تقول: "المَال يَغدَا والرْجَال تْجِيبُو" (يضيع المال والرجال يأتون به). ربما ليس بإمكان خيال طفل صغير إدراك الحقيقة الكامنة وراء الكلمات، ولكن على الأرجح كانت أمي تنبّئنا بما يُعدّه الغد للأطفال عندما يصبحون رجالًا، إنذارٌ برحلة عمر قد تطول في البحث عن المال الضائع. على الرجل أن يكسر الصخور ويُخرج منها مالًا؛ تلك هي البداهة التي تعلمتها من أمي ومن بعض الرجال في القرية. لم نكن نملك في بيتنا الكثير من المال، إلا ما يسدّ الحاجة، وحتى في قريتنا كانت مظاهر الثراء نادرة، لذلك كانت معظم حكاياتنا الشعبية تروي قصص الصعاليك العراة الذين تحوّلوا إلى سلاطين بفضل سخاء جوف الأرض الذي يهب الكنوز والمعادن الثمينة. قد تكون تلك وظيفة المخيال الكبرى: إنه غشاء رقيق يُرمّم ثقوبًا سميكة تركَها الحرمان.

المال، زينة الرجال وفتنتهم، ألم تكن تلك إحدى إشراقات الوحي؟ وفي منطوقنا القرويّ كان المثل يقول: "زِينة الرّاجل في جِيبُو" (حسن الرجل في جيبه)، بمعنى أن المال مدخل لإنتاج الرجولة، واختبار يوميّ من أجل إثبات بريقها وقوَّتِها، وقد يكون في معظم الأحيان مدعاة للشعور بعدم اكتمالها، لذلك كنت دائمًا أنظر بإعجاب لأنَفَةِ الرجال الفقراء، وأرى فيهم صرخة يائسة ضد فحولة المال. أمام المحكمة التاريخية للمال هُزمت قوافلٌ من الرجال وانتصرت أخرى، ولكن في الحقيقة كان الانتصار العظيم من نصيب المال، لأنه لم يعد شيئًا مكتفيًا بذاته ومعدنه، وإنما أصبح معيارًا وعلامةً ورمزًا وسلطةً ودستورًا. فعلى كثرة الرجال الذين التقيتهم في حياتي، كنت أشعر على نحو عفوي وغامض بأن البعض منهم لو غَمّسوه في الذهب من رأسه إلى أخمص قدميه سيظلّ قاحلًا ولن ينبت الجمال –بأي شكل من الأشكال- في أرضه. 

المال بوصفه مدخلًا لبناء الرجولة 

المال المقذوف في عجلة الحياة والمجتمع، هو استعداد الرجال الدائم لإظهار المجد والحماية والقدرة على مقارعة الحياة، هو سيرة أولئك الرجال الذين حكَموا وعبثوا بالملذات ووزّعوا المغانم والصدقات واشتروا الآخرين بأموالهم، وهو سيرة رجال آخرين كَدَحوا وتحمّلوا الشقاء وأشعروا أطفالهم ونساءهم بالقدرة على الحماية والإعالة من أجل إنقاذ رجولة مُصابة بالهشاشة. المال سوقٌ رمزيةٌ لتداول القيم وإنتاجها، وعلى هرمها قيمة الرجولة، ويلوح الزواج مؤسسةً كبرى لاستنهاض الفحولة المالية وتحويلها إلى معياريةٍ اجتماعيةٍ ولحظةٍ رجاليةٍ مشتهاة لإظهار الهيمنة والقدرة على الامتلاك. عندما أفتّش في ذاكرتي القروية تأتيني صور الموظفين المحترمين والفلاحين الميسورين الذين تزوّجوا فتيات جميلات صغيرات السن، ينحدرن من عائلات متواضعة، ولم أكن قادرًا في معظم الأحيان على إخماد التفكير الذي يقودني إلى أنّ المسألة لا تعدو أن تكون صفقة بين الأب أو الأخ وزوج المستقبل، خاصةً وأنّ جميعهنّ تُجبرن على الانقطاع عن الدراسة، لأنه لم يعد من حاجة إليها، فالزوج الميسور هو رب البيت والأمين على قوته.

عندما تمتلئُ جيوب الكثير من الرجال تمتلئُ معها الكثير من المناطق الحسيّة والرمزية، إذ ينمو الإحساس بقدرة أكبر على امتلاك شيء من الجاذبية أو النبل الارستقراطي، قد تظهر في تفاصيل بسيطة مثل كرم المسامرات -التي يحرص البعض على أن تكون مرفوقةً بالنساء- أو التسوّق في المراكز التجارية الضخمة على نحوٍ باذخٍ ومُلفتٍ للانتباه، حينها يشعر بعض الرجال أنهم مركز الدائرة والقطب الجاذب داخلها. وتترافق الاستطاعة المالية مع حالة إشباعٍ رمزي، يجسّدها شعورٌ بالمجد والتسامي على الآخرين، وإحساسٌ برضا داخلي عميق على الذات يوفّره الاطمئنان إلى تحقّق نِصاب الرجولة. والمال الوفير عند الرجال الأثرياء هو سلطةٌ وإنماءٌ يومي لغريزة الامتلاك؛ امتلاك الناس والأشياء، واستعدادٌ متواصلٌ أيضًا لخوض الحروب وإبرام الصفقات الناجحة والاعتزاز بصعود الأسهم في البورصات. إنه ببساطة الاندفاع البدائي إلى اصطياد المزيد من الطرائد.

في زمنٍ تنتظم حركته على إيقاع الأسواق والمنشآت الاقتصادية الضخمة وقصص النجاح المالي، تشقّ عالم الرجال تراتبيةٌ اجتماعية صارخة؛ جدلية القاع والهرم، ويسود معها إحساس بعدم العدالة في معظم الأحيان، لأن الخصال الجليلة للكثير من الرجال تظلّ غير مرئيةٍ، طالما أن قانون المال البارد يحجبها ويحطّ من جدواها. فقدان المال يُحدِث شرخًا في بنيان الرجولة لدى الكثير من الرجال، لأن العجز المالي يصحبه انسحابٌ من فضاء الجاذبية الذي يعمّره النجوم والأثرياء والحكّام. وينمّي هذا الانسحاب شعورًا برجولةٍ معطوبة، تبحث عن ترميم انكسارها بخوض مغامرات الوصول إلى الثراء، أو بالاستعاضة عن قوة المال بقوةٍ من نوعٍ آخر، عادةً ما تكون القوة الجسدية والفتوّة. الرجولة المكسورة تعيد إنتاج كتلةٍ هائلةٍ من الانفعالات السلبية مثل العنف والحقد واحتقار الآخرين، ودائمًا ما أشعر أن الأثرياء الجدد المنحدرين من أوساط فقيرة هم في نهاية المطاف رجالٌ مصابون بانكسارٍ في الرجولة، لذلك يحرصون على إظهار التفوّق المالي في كلّ شيء؛ إذ يُبدون ازدراءً مبالغًا فيه للفقراء، يحيطون أنفسهم بنساءٍ جميلات، ويملكون سياراتٍ فاخرة، ويزيّنون فيلّاتهم الفخمة بمجلداتٍ وكتبٍ كثيرة، دون أن يعرفوا عناوينها، لأن كل شيءٍ قابلٌ للاشتراء طالما أنه يدل على الثراء والنّبل.

لا شك أن هناك الكثير من الرجال قاوموا هذا الانكسار أو حلمُوا برجولةٍ أخرى، لا تنتقص من نِصابها نُدرة المال أو غيابه. وربما يُعتبر الشِعر مرآةً تعكس حُلمًا رجوليًا صامتًا بالانتصار على الفحولة المالية وصياغة بدائل لها. تحتفظ ذاكرتنا الشعرية الشعبية بوصفٍ مشابهٍ لهذا الحلم، إذ يقول من نظَم القصيد: "خْيَار الرّاجِلْ حُرْ يَفهِم قدره وزِينَة الرّاجِلْ فِي ذْرَاعَه وفِعْلَهْ"، بمعنى أن أخيار الرجال هم الأحرار ومن يعرفون منزلتهم، وزينة الرجل في هذا النظام ليس جيبه مثلما ذهب إلى ذلك المثل الشعبي السابق، وإنما أخلاقه وسلوكه وآثاره التي تُخلّده. كما أن تمجيد ذراع الرجل في التداول الشعبي لا يدلّ على الفتوّة، وإنما يدل عادةً على الكسب المالي بعرق الجبين والتعويل على الذات.

علّمني أبي منذ الصغر أن لا أُظهِر العوز أمام الآخرين، فما بالك عندما يكون الآخر امرأة! 

في سنتي الجامعية الأولى، كنت كثيرًا ما أختلق الأعذار لأتخلّف عن موعدي مع صديقتي، عندما لا أملك مالًا كافيًا لسداد فاتورة القهوة والطعام. كان إحساسًا مُلتبسًا بين كبرياء الرجولة وتعلّقٍ صَلبٍ بفكرة الكرامة حتّى في أبسط التفاصيل، لقد علّمني أبي منذ الصغر أن لا أُظهِر العوز أمام الآخرين، فما بالك عندما يكون الآخر امرأة! ولكن الحياة الجامعية التي منحتني فرصة الاختلاط برفيقاتٍ وصديقاتٍ جديدات ورفاقٍ وأصدقاءٍ جدد، سرعان ما جعلت الكثير من اليقينيات والعادات تنحني في الكثير من الأحيان أمام دفء التضامن وتقاسم الخبز والسجائر ودنانير الحوالة البريدية والمنحة الجامعية، وعندما تحملني الذاكرة إلى تلك الأيام، يأتيني من بعيد صوت إحدى رفيقاتي التي كانت تعاتبني بلطف: "دعك من أخلاق المزارعين، الفقر والفرعَنَة". كان حديثها استنفارًا لبنيانٍ رجوليّ مُقيمٍ داخلي، شيّدته الحياة والمجتمع وأصبح مُرابطًا في منطقة اللاشعور، وقد كانت دعوتها عميقة إلى الانشقاق عن البنيان والتحرر من ثقله، عبر بناء رجولةٍ جديدة لا تربط شرطها القيمي بشرطها المالي.

ربما كان الدرس الأول الذي وفّرته المعرفة والحياة بخيباتها وانتصاراتها الصغيرة، هو أنّ العلاقة الماهوية بين الرجولة والمال ليست حقيقة ميتا-تاريخية، وإنما جزء من عملية تاريخية واجتماعية يجري إنتاجها وإعادة إنتاجها باستمرار داخل المبادلات اليومية المثخنة بالصراع على مواقع الهيمنة، وهي كذلك تمظهرٌ لرغبةٍ دفينةٍ في التغطية على حقيقة الجفاف القِيَمي. ورغم أن العمل على تفكيك هذه العلاقة يلوح مستعصيًا نظرًا لامتلاكها قوةً تشبه قوة العقائد، إلا أنه شرطٌ ضروي لإعادة صياغة رجولةٍ مغايرة لا يُخيفها الاشتغال على ذاتها ومساءلتها، ومُتخففةٍ شيئًا فشيئًا من الانفعالات السلبية المتأتية من الربط الماهوي بين المال والرجولة. 

هل خُلق الرجال من أجل رحلة ركض أبدية خلف المال؟ الإجابة بنعم على هذا السؤال، تجعل من المال جوهرًا وهويةً ومصيرًا، فيصبح بالتالي أداة استلابٍ لإنسانية الرجل، ومصادرةً لقدرته على توسيع أفقه الوجودي، فيصبح أسيرًا لما يملكه أو ما يُمنّي النفس بامتلاكه، لذلك يبدو محمود درويش محقًا عندما اعترض على السقوط في إسار الامتلاك، قائلًا: "لي حكمة المحكوم بالإعدام: لا أشياء أملكها لتملكني".

تتميز الفحولة المالية بقدرةٍ عجيبة على سحق القيم الإنسانية النبيلة، مثل الحرية والعدالة والحب والصداقة واحترام الآخرين… ولئن كانت السعادة في أحد معانيها الفلسفية، هي أن نجعل الحياة أقل شقاءً، فإن سعينا الدائم إلى اقتسام الأعباء بعدلٍ أكثر مع الآخرين (نساءً ورجالاً) قد يشفينا من كبرياء وقلق "الرجولة المهيمنة"، ويجعلنا أكثر تواضعًا واستعدادًا لعقلنة علاقتنا بالمال والتخفّف من إلحاحاته ومصادراته التي لا تنتهي.