إضافة تعليق جديد

وصفات لتجاوز آلام الفراق من ابن حزم إلى مضادات الاكتئاب

21/06/2018
1326 كلمة

نؤمن جميعنا أن قصص حبّنا مختلفة عن قصص الآخرين ، وآلام فراقنا لا مثيل لها.

يروي ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمام حكاية رجل يصفه بأنه كان حكيم الطبع عاقلاً وفهيماً، حتى دخل ذات يوم بغداد وبات في أحد خاناتها " فرأى ابنة لوكيلة الخان فأحبها وتزوجها، فلما خلا بها نظرت إليه وكانت بكراً، وهو قد تكشف لبعض حاجته، فراعها كبر أيره، ففرت إلى أمها وتفادت منه. فرام بها كل من حواليها أن ترد إليه، فأبت وكادت أن تموت، ففارقها ثم ندم، ورام أن يراجعها فلم يمكنه، واستعان بالأبهري وغيره. فلم يقدر أحد منهم على حيلة في أمره، فاختلط عقله وأقام في المارستان يعاني مدة طويلة حتى نقه وسلا وما كاد، ولقد كان إذا ذكرها يتنفس الصعداء."

منذ بضع سنوات اختلط عقلي مثل الحكيم في حكاية ابن حزم، لكن في عصرنا لا نذهب مباشرة إلى المارستان، بل ذهبت إلى طبيب نفسي لأول مرة في حياتي وبإرادتي الحرّة. لساعة كاملة أخذت أشكو إليه نوبات البكاء التي تداهمني، ساعات النوم الطويلة وعدم قدرتي على مغادرة الفراش، اضطراب وظائف الكبد الذي لا يجد الأطباء له تفسيراً، شعري الذي يتساقط من ذقني ورأسي، استقالتي من العمل منذ شهور، ولا جدوى الحياة واليأس المسيطر علي ، وكميات المخدرات المختلفة والمتنوعة التي ابتلعها دون أي متعة أو راحة.

استمع إلي وأنا أحكي كل شيء، ثم علّق قائلاً أن كل ما أعاني منه هو آثار جانبية لتجربة الانفصال التي مررت بها، وأنّ مثل هذه الآلام النفسية التي تترك أثرها على الجسد هي عارض متكرّر عن آلام الانفصال المصاحبة لنهاية العلاقات الطويلة أو نهاية قصص الحب الحميمة. في موقف غير الموقف كنت سأنفعل وأرفض أن توضع تجربتي العاطفية وقصّة حبّي المهشّمة في مقارنة أو مرتبة مساوية مع قصص الحب الأخرى. فجميعنا نؤمن أن قصّة حبّنا مختلفة عن قصص الآخرين. لكن أمام الطبيب كنت تعب ومرهق ومُتألّم، ومستعد لتقبّل أيّ وصف لما جرى. أي طريق كان سيشير له كنت سأسير فيه، دون أن أعترض أو أسأل.

منحني الطبيب شريط دواء مضاد للاكتئاب. خفّف الدواء من الألم وأعاد الاتزان لأعضاء الجسد المضطربة لكن احتاج الأمر وقت طويل حتى "أسلو" عما بي كما يصف ابن حزم شفاء رجله الحكيم.

وقعت في الحب مثل حكيم ابن حزم، لكن هجرتني الحبيبة ليس لكبر أيري، ولكن بسبب طموح أيري في المغامرة وأشياء آخرى لا مجال لذكرها. حينما كنت في غياهب جبّ آلام الانفصال كان كل من حولي يضغط عليّ مطالبين بضرورة سرعة تجاوز هذا الأمر، فاخترت الهجرة ومغادرة المدينة مبتعداً عن الضغوط. وفي رحلة التلذّذ بألم الفراق وإفساد أي مشاريع لعلاقات آخرى، اكتشفت "بيزنس" آلام فراق المحبوب، أو اقتصاد حيل التجاوز في الحب.

يخصص ابن حزم لآلام فراق المحبوب أو أحزان الـ"Breakups" فصل بعنوان "الضنى". يليه فصل بعنوان "السلو" يقول فيه " والسلو المتولّد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها". ثم من خلال تجربته المضنية مع جارية أحبها في مراهقته وشغف بها وتبعته في تنقلات العائلة من وإلى قرطبة ثم هجرته، يستنتج ابن حزم أوّل علاج لضنى الحب وفراق المحبوب وهو"السلو" مقسّماً مراحل التعافي لثلاث وهي النسيان والملل والاستبدال.

لكن ابن حزم يعود ويعلّق قائلاً أن كل حب يمكن تسليته وكل علاقة يمكن نسيانها لا يعوّل عليها، ولا يصفها بالحب الحقيقي. لاحظ أنه على عكس الكتابات العاطفية والنفسية التحليلية في عصرنا الحالي، فابن حزم من زمن يرى أن العشق والحب هو امتداد لصلة مع العالم الميتافيزيقي. كل روح يتمّ شقّها لنصفين ويرسلان لهذه الحياة ، وكل نصف يبحث عن النصف الآخر الذي يكمله. وحينما ت/يلتقي الواحد/ة بنصف روحه/ا المفقود يتحقّق الغرام والعشق الحقيقي لا العشق الذي لا يعوّل عليه. وابن حزم يكتب كتابه "طوق الحمامة" لكي يساعد العشّاق والعاشقات على تمييز الحب الحقيقي من الشهوة الزائلة، ولكي يرشدهم/ن في طريق الأشواك والعزال حتى يتحقّق الوصال ويتم المراد.

كل ما سبق بالطبع رأى مختلفة عن زمننا حيث اختفى الكلام عن الحب لصالح الحديث عن العلاقات الايجابية والعلاقات السلبية، وضرورة التوازن في العلاقة بين الطرفين وعدم استغلال طرف للآخر والمساواة والاحترام وغيرها من الأفكار التي تسرّبت من عالم "الصوابية السياسية" لتحاول تصويب أخطاء الغرام والهوى.

الرجل الحكيم في حكاية ابن حزم دخل "المارستان" لأنه كان يعاني ويتألّم، والمارستان في ذلك الزمن كان الغرض منها تخفيف آلام المريض/ة ومعاناته/ا لا تطويعه/ا وإعادة تهيئته/ا ليعود/تعود للعمل وحلقة الإنتاج. حكيم ابن حزم لم ينس الحبيبة، بل إنه ينتهّد كلما ذكر اسمها. تعلّم مع الوقت أن يكتم شوقه، ويسيطر على انفعالاته واتزان عقله. أما نسيان الحب فهو أمر لا ت/يفعله في ذلك الزمان إلا الخسيس/ة والحبيب/ة الكاذب/ة.

ينظر علم النفس الحديث نظرة مختلفة لآلام الانفصال عن ابن حزم ففي تلك الدراسة التي نشرتها د.ميلينا جرينبرج تشير إلى فحوصات أجرتها باستخدام جهاز اشعة الرنين المغناطيسي علي عينة من الرجال والنساء ممن تعرضوا/ن لتجربة انفصال في خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر، حيث عرضت عليهم/ن مجموعة من الصور لشركائهم/ن وشريكاتهم/ن السابقين/ات ولاحظ الأطباء إن المناطق التي تنشط في المخ عند عرض هذه الصور هي ذاتها المناطق التي تنشط عند تعرضنا للأذى البدنى. ولأن مفهوم الطب الحديث يقوم على حماية جسد الإنسان من نفسه/ا قبل الآخرين/الأخريات، فلا يعتبر التلذذ بآلام الهجر والفراق دليلاً على الإخلاص كما ظن ابن حزم. بل دليلاً على المرض.

حينما يستمرّ حزنك يتهمونك بالضعف والاستسلام للآلم بل ويتهمونك بالتلذّذ بها

ولحماية عقل وجسم الانسان من هذا الألم تنصح د.ميلينا بوصفة التعافي من آلام الانفصال والتى تؤكد عليها كل المواقع وبرامج الطب النفسي الأخرى وهي نفس الكلام سيكررونه بصيغ مختلفة: إحتفظ/ي بمسافة بعيدة عن الحبيب/ة السابق/ة واجعل/ي التواصل في أضيق الحدود، تخلّص/ي من محفّزات الذكريات. لكن بعد ذلك تجد/ين النصائح متضاربة: سيقولون لك لا تجلس/ي في غرفتك حزين/ة بل أخرج/ي وقابل/ي ناس جدد ، فالحياة مليئة بالملذّات والمغامرات. لكن النصيحة التالية حينما يرونك تتقرّب/ين من أحدهم/ن، هي ألا تندفع/ي في علاقات جديدة سريعاً فقد تعرّض/ي نفسك للأذى.

سيقولون لكِ اترك/ي الحزن يخرج من داخلك، ابك وعبّر/ي عن حزنك، لكن حينما يستمرّ حزنك يتهمونك بالضعف والاستسلام للآلم بل ويتهمونك بالتلذّذ بها أو الأسوء من ذلك أن كل هذا ليس إلا وسيلة للحصول على الاهتمام بعدما هجرك من كان يهتم بك.

هذا التضارب في النصائح منبعه يكمن في أنه لا توجد خريطة واضحة لتفادي الآلم أو تجاوزه، ومنبعه أيضاً الخلط بين محاولة التغلّب على ألم الانفصال والتغلّب على ذكرى الحب.

حكت لي صديقة تعاني من آلام ما بعد الانفصال والطلاق، انها ذهبت إلى محلّلة لا طبيبة نفسية. وبدلاً من أن تصف لها دواء وتنهي المسألة مثل طبيبي، اختارت صديقتي مسار الجلسات الطويلة، وحتى الآن مرّ حوالي العام والنصف وهي تواظب على زيارة المحلّلة، تتصنّع التماسك وفخورة لأنها تمضي أكثر من عشر ساعات في عملها كل يوم وأحياناً تعمل ست أيام في الأسبوع لا خمسة فقط، تربي كلباً وتتحاشى الدخول في أي علاقة بحجّة أنها ليست مستعدّة كما نصحتها المحلّلة. هي تعتبر هذه الحياة مستقرّة وترى أن وضعها هذا سيستمرّ فتقول أنها "محتاجة وقت اشتغل على نفسي شوية".

حلّلت صديقتي علاقتها السابقة المنتهية ورأت أنها تنجذب للذكور الذين يستغلّونها عاطفياً ويكذبون عليها، وكان ردي عليها: "هل هناك ذكور لا يفعلون ذلك؟"

هزت رأسها وقالت: "لن تفهمني، ليست المشكلة فيهم، المشكلة في أنني أنجذب لهذه الأنواع".

تدفع صديقتي ما يوزاي 25 دولارا أمريكيا لكل جلسة لدى المحلّلة، لكنها الآن لا تفكّر في الانتحار ولا تستعير هواتفنا لتتجسّس على فيسبوك صديقها، وهي مقتنعة أنها قد نست هذه العلاقة وتجاوزتها، لكنها تحتاج أن تركّز على مشاكلها الداخلية.

على عكسها فأنا لم أسع أبداً للنسيان. أتذكّر أخطائي كما أتذكّر لحظات السعادة في كل العلاقات العابرة. ما الذي يتبقّى لنا إذا نسينا تجاربنا العاطفية وأهم وأعمق التجارب التي تشكّلنا؟ ثم إن ما يحدث لا يكون أبداً نسياناً، بل إننا نضع العلاقة وكل ملحقاتها في صندوق أسود، ولأنه ما من مكان لنضع فيه هذا الصندوق، فأنت تحمله/يه إلى الأبد على ظهرك، وتسير/ين به بين الناس وأنت تظن/ين إن أحد لا يلاحظ ذلك. وفي كل مرة تحاول/ين فيها إن تفتح/ي باباً للحب ينظر لك الصندوق الأسود من زاوية الغرفة فيشتت انتباهك عن الشريك/ة الجديد/ة الذي/التي ت/ينتظر آهات نشوتك دليلاً على تحقق الوصال والاتصال.

كل تجاوز قائم على إدّعاء النسيان، هو هروب للأمام

كل تجاوز قائم على إدّعاء النسيان، هو هروب للأمام ومهما جرينا ستلحق بنا الذكرى أو ستكمن في زاوية الغرفة ومعها أجزاء معطوبة من قلبنا وروحنا.

بدلاً من النسيان ربما يكون الحل أن نترك الجروح مفتوحة، أن نحملها بفخر ونشارك بها مع الآخرين، سواء نريد إن نصحبهم/ن إلى السرير أو إلى السينما. لا تخف تجاربك عن الشريك/ة الجديد/ة، فمهما حاولت/ي إخفائها مدعيا/ة أنك قد نسيت/ي أو ترغب/ين في النسيان سيظل الوحش في الصندوق منتظراً اللحظة المناسبة، بدلاً من هذا قد ت/يساعدك الشريك/ة على إخراج الوحش وترويضه وعلى تحويل غضبك من نفسك ومن الحبيب/ة القديم/ة إلى طاقة تدفعك للتغيير وإعادة خلق حياة جديدة مع الشريك/ة الجديد/ة. وقد يصبح هذا الوحش هو حيوانك الأليف.