إضافة تعليق جديد

نظرية المؤامرة وتسييس رهاب المثلية في العراق

في خضمّ النقاش المحتدم حول شرعية رفع علم قوس قزح من عدمه في بلد محافظ تحكمه الميليشيات الدينية، لم تتوقف حوادث القتل والعنف الأسري والتي ازدادت وتيرتها بشدة منذ بدء الحظر الصحي حتّى صارت شبه يومية. 

"يجب متابعة أولادكم وأبنائكم من ممارسة الشذوذ الجنسي واللواط والمثلية". كانت هذه الكلمات جزءًا من رسالة تهديد أو"تنبيه" كما أسماها من كتبها موجهًا إياها "للعوائل العراقية الأصيلة". رسالةٌ قصيرة، ركيكة ومليئة بالأخطاء الإملائية، تركها القتلة فوق جثة الضحية الشاب في مدينة الصدر في بغداد بعد إطلاق النار عليه. جريمة القتل وقعت بعد 3 أيام فقط من رفع علم قوس قزح في مقر بعثة الاتحاد الأوروبي والسفارتين الكندية والبريطانية في بغداد يوم 17 مايو/أيار بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية والعبور الجندري، وقد نُشر الخبر مرفقًا بصورة العلم المرفوع والبعثات الدبلوماسية المذكورة على حساباتها الرسمية على تويتر قبل حذفه منها لاحقًا. جاء الرد سريعًا من قبل شخصيات متحدثة باسم كتل وأحزاب دينية في العراق مثل كتلة النهج الوطني والنابعة من حزب الفضيلة الإسلامي، وكتلة سائرون المنبثقة من التيار الصدري، ومقتدى الصدر بنفسه الذي أدلى بتصريح على حسابه في تويتر رافضًا فيه رفع العلم واصفًا المثلية بـ"الشذوذ الجنسي" والمثليين بـ"مرضى نفسيين يحتاجون إلى العلاج والهداية"، ووصف رفع علم قوس قزح على أنّه "تصدير للمعصية والإلحاد والفاحشة والعادات السيئة من المجتمعات الغربية الماجنة إلى مجتمعاتنا الإسلامية المحافظة". وكان للجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي ووزارة الخارجية العراقية ردٌّ مماثل من شجب واستنكار ورفض للفعل بوصفه "تجاوزًا للقيم والأعراف الاجتماعية للشعب العراقي". وجاء رد الفعل أيضًا من قبل مستخدمي صفحات التواصل الاجتماعي العراقية بين رافض ومؤيد ومنتقد لردود الفعل المبالغ فيها والتي جاءت في وقت يشهد فيه العراق ظروفًا صعبة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا خاصّة بعد العنف الممنهج الذي جوبهت به ثورة 25 تشرين الأول/ أكتوبر وتفاقم الأزمة الاقتصادية مع انتشار جائحة كورونا.  

في خضمّ النقاش المحتدم حول شرعية رفع علم قوس قزح من عدمه في بلد محافظ تحكمه الميليشيات الدينية، لم تتوقف حوادث القتل والعنف الأسري والتي ازدادت وتيرتها بشدة منذ بدء الحظر الصحي حتّى صارت شبه يومية.  فبعد حادثة حرق الشابة ملاك الزبيدي التي كانت تعاني من التعنيف اليومي على يد زوجها وشقيقه، وموتها في المستشفى بعد أيام من حادثة الحرق، توالت حوادث القتل والعنف التي كانت معظم ضحاياها من النساء والأطفال. ولا نحتاج إلا لقراءة سريعة للنقاشات والتعليقات الدائرة حول الأمر لنفهم أنّ رد الفعل العام والرسمي خاصة، كان أكثر حدة عندما تعلّق الموضوع برفع علم قوس قزح منه على حوادث القتل والعنف المنزلي. وهذا ليس بالشيء الغريب أو المفاجئ. فأي سلطة فاسدة في العالم، عادةً ما يكون لديها تهمٌ جاهزة توزعها على معارضيها، ومن شروط هذه التهم أن تحاكي مخاوف الأغلبية الجماهيرية، وغالبًا ما تتلاعب على أوتار المعتقدات؛ دينية كانت أو اجتماعية. ولكي تشتّت السلطة الفاسدة الأنظار عن فسادها وفشلها في إدارة البلاد، لا بدّ لها من أن تخلق عدوًّا وهميًّا يهدد "طريقة الحياة العامة" و"أخلاقيات المجتمع"،  فاستخدمت المثلية الجنسية ومازالت تفعل ذلك، كتهمةٍ تبرر العنف ضد المتهمين بها وتبرّر محاولات التخلص منهم، وهذا ما شهده العراق سواء على أيدي الميليشيات المسلحة أو على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عند سيطرتها على مدنٍ عراقيةٍ في السابق. وقد كانت هذه "التهمة" كذلك من ضمن التهم العديدة التي استخدمتها السلطة وإعلامها ضد ثورة 25 تشرين الأول/أكتوبر 2019 والتي ضمّت مواطناتٍ ومواطنين من كل الأجناس والخلفيات والتوجهات الفكرية والعقائدية والميول الجنسية. 

جوهر أيّ حراكٍ ثوري في الأساس هو اجتماع كل هذه التباينات الإنسانية واتحادها لتحقيق هدفٍ واحد؛ التخلص من الظلم واسترجاع الحقوق. وفي حالة العراق؛ القضاء على الفساد الذي نخر كل فصائل الحكومة وعاد بالبلاد عصورًا إلى الوراء. لذلك كان رفع علم قوس قزح من قبل بعثات أجنبية بمثابة فرصة ذهبية لا تُعوّض لفصائل السلطة الفاسدة، خاصة أنّ نفس تلك البعثات الأجنبية سبق وأن أصدرت بيانات، وإن كانت خجولة ومختصرة، تندد فيها بالعنف الذي استخدمته السلطة العراقية ضد المتظاهرين السلميين. فالحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، والتي صادق عليها البرلمان العراقي في السادس من شهر أيار/مايو 2020 بعد 6 أشهر من الاحتجاجات الشعبية المستمرة ما زالت تواجه رفض الحراك الثوري لها، حيث ما هي إلا إعادة تدوير لذات السلطة الحاكمة منذ 2003. هذا بالإضافة لفشلها في إدارة الأزمة الصحية المتعلقة بوباء كورونا وما ترتب عليها من أزمات أقتصادية زادت من سخط المواطنين والمواطنات المسلوبة حقوقهم وحقوقهنّ الأساسيّة. وهي أيضًا نفس السلطة التي لم تبدأ حتى بمحاسبة المسؤولين عن قتل أكثر من 800 متظاهر وجرح والتسبب بإعاقات دائمة لآلاف آخرين، حيث اكتفت بإحالة عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء السابق والمسؤول الأول عن تلك الجرائم مع مكتبه إلى التقاعد، رغم أنه مستقيلٌ من الأساس وتركه لينتقل للعيش خارج البلاد براتب تقاعدي لم يصرّح عنه من ميزانية الدولة العراقية. في ظلّ هذا الفساد والتهاون والاستهتار بأمن العراقيات والعراقيين، ارتفعت حوادث خطف وتصفية النشطاء المدنيين والصحفيين والصحفيات، إلى جانب ارتفاع وتيرة العنف الأسري. إن كان الأمر متعلقًا بالعشائر وأحكامها التي عادةً ما تعامل المرأة على أنها ملكٌ للعشيرة تفعل بها ما تشاء، فعلى الأغلب ينتهي الأمر بقتل المرأة "غسلاً للعار" أو بدفع الديّة بعد موتها إن كان من قتلها ينتمي لعشيرةٍ أخرى. لذلك كان تضخيم حدث رفع العلم فرصة لإلهاء الناس وتحويل انتباههم عن فشل الإدارة والفساد، بإحياء خطاب "التدخلات الغربية التي تهدف إلى تغيير قيم وأخلاق وعقائد المجتمع الإسلامي"، متناسيين أن الأفكار الاستعمارية الغربية هي بالأساس من جرّم الميول المثلية، وأن التاريخ العربي الإسلامي حافل بشخصيات كانت معروفة بميولها الجنسية المختلفة؛ ربما أشهرها في العراق كان الشاعر أبو نواس الذي ما يزال يحمل اسمه واحدٌ من أهم شوارع بغداد، محاذيًا لنهر دجلة ويتوسطه تمثاله الكبير. 

انتقد نشطاء وناشطات من مجتمع الميم العراقي خطوة رفع العلم واعتبروها إثباتًا جديدًا على انفصال البعثات الدبلوماسية الغربية عن واقع الأمور في العراق وفي الشرق الأوسط بشكل عام. بعثات تكتفي بإصدار بيانات فارغة لا تغير شيئًا من الواقع، بل تؤثر سلبًا على حركات التحرر المحلية، لأنّها تعزّز خطاب "المؤامرة الغربية ضدّ المجتمع والدين" الذي تتبناه السلطة. إلى جانب أن الموضوع أكبر من مجرد علمٍ يُرفع في حدود سفارات ومقرات دبلوماسية أجنبية لا يستطيع أحدٌ تجاوزها، بل هي في شارع يشهد معركةً مستمرةً مع سلطة ميليشياوية تتحين الفرص للتنكيل بكل مفاهيم الحريات العامة والفرديّة ومحاربة جميع حركات التحرر السياسية والاجتماعية. فالعراقيون والعراقيات يتعاملن مع سلطة لا تشجّع سوى على العنف والقتل لكل من يعارضها أو لا ينتمي لمعسكر الفساد فيها، في الوقت الذي تستخدم فيه حجة "الدعم من جهات وأجندات أجنبية" كتهمة جاهزة ضد معارضيها. وعليه فإنّ المطالبة بالحقوق والحريات الشخصية يجب أن تأتي من المواطنات والمواطنين أنفسهم، لا من بعثات دبلوماسية تمارس التطبيع مع السلطة الحاكمة بجميع أشكاله. 

الحركة الثورية التي بدأها الشباب في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ناقشت الكثير من التابوهات الاجتماعية كحرية المرأة، وجرائم الشرف، والمثلية وتباينات الميول الجنسية والاضطهاد الممارس ضد مجتمعات الميم،  وأسّست لحوار أصيل نابع من سرديّات عراقية مختلفة. فجريمة قتل المراهق المثلي حمودي المطيري وتصويره لم تُنسى بعد، إلى جانب قصص الشباب المثليين الذين كانت تعاقبهم داعش في الموصل برميهم من أعلى البنايات والتي ما زالت حاضرةً في الأذهان. مطاردة الميليشيات المستمرة لأيّ شاب يهتم بمظهره أو يرتدي ملابس معينة -حتى أطلق عليهم مصطلح "الحلوين" بحجة أنهم مثليون، أصبحت تثير السخرية، كما تثيرها القصص التي يطلقها مؤيدو السلطة عن "ممارسات جنسية مثلية ومغايرة" يدَّعون أنها كانت تحدث في ساحة التحرير وساحات التظاهر الأخرى. 

ما حدث في الأسبوع الأخير هو أن بعثة الاتحاد الأوروبي أزالت تغريدتها والصورة من حسابها على تويتر، لكنها تركت أفراد مجتمع الميم أمام معركة جديدة تتفوق فيها لغة السلاح على لغة الحوار، وأعادت المعركة إلى مُربّع العمالة والمؤامرة الأجنبية. 

 "تحذير إلى النفوس الضعيفة التي لا تتوب من هذه الأعمال" هكذا ختم القاتل "المجهول"رسالة التهديد. وعندما انتشر خبر جريمة القتل، تناقل الجميع فحوى الرسالة، لكن لم يذكر أحد اسم الضحية المغدور.