إضافة تعليق جديد

وجدت حريّتي في حبّ متعدّد الأطراف

07/09/2020
1012 كلمة

أحسست بالتوازن والراحة. أتغذّى من حبّ زوجي الذي صار صارخًا أكثر من أي وقت مضى ومن جنون عشيقي الذي حوّلني إلى مراهقة.

كنتُ طفلةً مُشاغبة لا تعرف الهدوء. ألعب مع الأولاد بالكرة في الحيّ، أجري وأقفز وأثرثر مثل المعتوهة. أقصّ شعر الدمى وأصنع لها فساتين ملوّنة غريبة. عائلتي محافظة ولا مجال للنقاش في بيتنا. كبرتُ وصرتُ مراهقةً فضوليّة وغاضبة. لم أعد ألعب بالكرة في الحيّ لأنّني صرت امرأةً بأثداء متدلّية فخُيّرت أن أراقب العالم من حولي وأحاول أن أفهم لماذا يتمتّع أخي بحريّته وأنا محكومٌ عليّ بأن أكون مُهذّبةً ولطيفة. مع كلّ يوم يمرّ يزداد غضبي. أصبحت في نظر العائلة الكريمة فتاةً غير محترمة وسليطة اللّسان لأنّني أحتجّ وأسأل. 

يُمكنني أن ألخّص أحلامي في تلك الفترة بالهروب من البيت. ليس هروبًا مثل المسلسلات المكسيكيّة ولكن أن أنجح في البكالوريا وأدخل إلى الجامعة في العاصمة وأبتعد عن أهلي. أريد أن تكون لي مساحتي الخاصّة وألاّ يتدخّل في حياتي وتصرّفاتي أحد. كنتُ أحلم باستمرار بأنّني أرتدي فستانًا أصفر مصنوعًا من قماش الموسلين (الموصلي) الشفّاف وأسبح في السماء الرحبة الواسعة. قد يبدو الحلم تافهًا وورديًّا ولكنّه كان يُصبّرني ويُدفّيني. 

أخيرًا إنّها الجامعة. حان الوقت كي أتعرّف على نفسي جيّدًا وأعتني بها وسط صخب العاصمة وفوضاها. أصبحت لديّ صديقات وأصدقاء وأحبّاء كُثر، وانتبهت إلى أنّني أمتصّ أرواحهمنّ بجشعٍ وفضول. لا أعرف إن كان فضولي صادقًا أم لا ولا أعرف إن كنتُ أبحث عن الأضواء والاهتمام ولكنّني كنتُ متحمّسة. بركان حماسٍ يمشي على قدميه. 

تعرّفت على رجلٍ لطيف يُجيد الاعتناء بي. البدايات مثاليّةٌ ورومانسيّةٌ إلى أن تحتكّ العلاقة باليوميّ فتفقد سحرها ورونقها. اكتشفتُ بأنّ هذا الرجل اللطيف افتكّ مساحتي الخاصّة التي أحاربُ من أجلها. ابتعدت عن كلّ أصدقائي وصديقاتي وصار هو محور الكون. وفي كلّ مرّةٍ أحتجّ فيها على طريقة معاملته لي وأعلمه بأنّني اختنقت وأريد حريّتي يُجيبني نفس الإجابة: "أنت مهسترة". قرّرت بصعوبة أن أقطع علاقتي به انتصارًا لحريّتي وسافرت خارج البلد. 

عُدت إلى تونس أكثر قوّةً وإصرارًا على عدم المساومة على حريّتي. تعرّفت بعد بضعة أشهرٍ على رجل الأحلام. رجلٌ كان سندًا حقيقيًّا لي. يفهمني ويفهم أفكاري وخاصّةً غضبي. تزوّجنا وعشنا سنواتٍ من الشغف والاكتشافات والانبهار والحب والجنون، إلى أن بدأ الملل يتسرّب إلى علاقتنا شيئًا فشيئًا. انطفأت جذوة الحماس والشغف. صار وجهه شاحبًا حزينًا ولم أعد أحسّ معه بتلك الفراشات التي تدغدغ جسدي عندما يُكلّمني أو يلمسني. قرّرنا أن نتكلّم وننفض الغبار عن حبّنا المنطفئ ونحاول إنقاذه. لبست فستان الموسلين الأصفر وبكيت مطولًا وأنا أحدّثه عن أحلامي وغصّتي التي تؤلم حنجرتي وتقطع أنفاسي. سمعني بخشوع ثمّ تكلّم ليُخبرني بأنّه مُحتاج إلى الجنون والأدرينالين في حياته وأنّه حان الوقت كي أتخلّص من غضبي ومن ثقل الماضي وأركّز على حاضري. كان واثقًا من نفسه ويتكلّم برصانة ووضوح وكنت أبكي. اقترح عليّ بأن نتصالح مع فضولنا اللامتناهي في معرفة الآخر وفي رغبتنا المتأجّجة وخاصّة مع فكرة أنّ الحب لا يعني الإخلاص بمفهومه السائد. كان مُحقًّا في كلّ كلمةٍ قالها. 

فكّرت في كلامه وفي نفسي. كلّ الناس تتمنّى علاقة مثل علاقتنا قوامها الحبّ والاحترام والتفاهم. لم أطلب من الحياة شيئًا سوى رجلٍ مُنفتحٍ يفهمني ويؤمن بالمساواة بين الجنسين، ولم يكن يهمّني وضعه الماديّ وأعتقد أنّني نادمةٌ على ذلك قليلًا. المهمّ، كنت مختلفةً عن نموذج الزوجة الصالحة التي تزور حماتها دائمًا وتُبدي الطاعة والحشمة. استطعنا معًا كسر كلّ القواعد وتصرّفنا على سجيّتنا أمام عائلةٍ عابسةٍ لا تضحك.

أظنّ أنّه من أكثر الأشياء التي تقضي على الشغف واللهفة هي مسؤوليّات الحياة والواجبات والتخطيط للمستقبل. كان لا بدّ أن نشتغل مثل الحمير كي نُسدّد الفواتير وندفع الإيجار. استيقظنا على الواقع الأليم وتبخّرت أحلام الراحة والاسترخاء والأحضان الدافئة وقتلنا الروتين. 

قرّرنا بعد بوحٍ طويل أن نسمح لنفسينا بقليلٍ من المتعة. كان يُريد أن تتسارع نبضات قلبه وكنتُ أريد أن ألعب. صرت أنتبه لنظرات الرجال وأبتسم لكلّ من يبتسم لي ولا أعترض على عبارات الغزل بل حاولت الاستمتاع بها. في المقابل أصبح يسمح لنفسه بأن ينظر إلى الحسناوات ولا يُحسّ بتأنيب الضمير. تحوّلت الإثارة تدريجيًّا إلى نوبات غيرةٍ وتوقّفنا في منتصف الطريق إلى أن تعرّفت على رجل واتّخذته عشيقًا لي. وضعت أنا وزوجي قواعدًا لعالمنا الجديد وعلاقتنا الجديدة أهمّها أنّ الأولويّة المُطلقة لعلاقتنا وألاّ نخفي شيئًا عن بعضنا وخاصّةً أن نقطع الصلة بأي شخص نتعرّف عليه إذا طلب أحدنا ذلك من الآخر. حاولت الالتزام بالقواعد قدر المستطاع ولكنّ الأحداث تسارعت مع عشيقي الوسيم فخرقتها مرّاتٍ عديدة. المُذهل في الموضوع أنّ علاقتي الجنسيّة بزوجي صارت مُمتعةً أكثر ومُثيرةً أكثر. 

أحسست بالتوازن والراحة. أتغذّى من حبّ زوجي الذي صار صارخًا أكثر من أي وقت مضى ومن جنون عشيقي الذي حوّلني إلى مراهقة. لم تدم هذه الفترة طويلًا فقد ندم زوجي وأراد أن نعود أدراجنا ولكن الأوان فات، فمن يتعلّم الطيران لا يُمكن أن يعود إلى الزحف مجدّدًا. لم يطلب مني أن أقطع علاقتي بعشيقي بشفافية، لكنه لوى ذراعي حتّى قرّرت الابتعاد عنه. تألّمت في صمت. ذبلت وصرتُ كئيبةً وتحوّل بيتنا إلى مقبرةٍ مُوحشة. عُدنا إلى الروتين والعقلانيّة المقيتة. 

في الأثناء، يتعرّف زوجي على فتاةٍ نفخت فيه الرّوح. فطلب مني في خجل استئناف التجربة. لم أتردّد للحظة ووافقت على أمل أن أعود إلى عشيقي، وهو ما حدث بالفعل. عاد البيت ليُزهر من جديد وأحسسنا بالانتعاش والحياة. عندما أفكّر في الموضوع مليًّا وفي كلّ ما حصل يُمكنني القول بأنّ زوجي أنانيّ ولم يستطع المجازفة بعلاقتنا إلاّ عندما وجد توازنه، غير عابئٍ بتوازني. أعتقد أنّني كنت سأفعل نفس الأمر، جميعنا أنانيّون.

تسارعت أنفاس زوجي ضاخّةً الحياة في رئتيه وقلبه العاشق. تورّدت وجنتاه وتدفّق الدم في عروقه. صار وسيمًا أكثر ومثيرًا أكثر. تبخّرت مخاوفه وصرتُ أحبّه أكثر. الحب كفيلٌ بطرد الأشباح العالقة على هذه الأرض لتعبر النفق بسلاسة. أما أنا فكنت أتنفّس الحرية التي تلفظها أنفاسه بنهمٍ واشتياقٍ وخوف. خوفٌ من أن تختفي من جديد. كنت قد أجبرت على التوقف عن الحياة لبعض الوقت ولست مستعدّةً للتضحية بحريتي مرّةً أخرى. صرت ألعب أكثر وأتعرّف أكثر على جسدي من خلال علاقتي بعشيقي. ندفع أجرة غرفتين في نزلٍ لنلتقي في غرفة واحدة. ونلتقي كأصدقاءٍ في الأماكن العامة خوفًا من أن يلمحني أحدٌ يعرف زوجي فيتّهمني بالخيانة. 

اعتزلت أنا وزوجي لعبة التغزّل بالغرباء عندما نخرج سويًا لنسهر. أفضّل أن أُنعت بالخائنة على أن يشكّ أحدٌ أنني وزوجي لنا علاقات متعددة. فأُنعت بـ"الزانية" ويُنعت هو بـ"الديّوث" ونفقد مكانتنا الاجتماعية أو حياتنا المهنية. اتفقنا أن نتحلّى بالسريّة التامة وأن نختار شركاءنا الجنسيّين بفطنةٍ ونخبّرهم  بأنّنا متزوّجان. 

استئنافنا تجربة العلاقات المتعدّدة تطلّب تفكيرًا طويلًا وإعادة مساءلةٍ جذريّةٍ لكلّ شيء. تعلمنا منها أن وحدتنا وحبنا واحترامنا لذواتنا هي مكاسبنا الأهم. وأننا إذا صرنا قادرين على تجاوز غرورنا وغيرتنا وحافظنا على سريّة تجاربنا وحسن اختيار شركائنا، صار اللّعب ممكنًا ومشروعًا.

حبلٌ رفيعٌ يفصل السلام عن الحرب وأنا صراحةً أحبّ المشي على الحبال.