منجية وسعيدة وفضيلة: نساء في قرية غير بعيدة

27/09/2021
817 wörter

في قريتي غير البعيدة عن العاصمة، اكتشفتُ أشياء كثيرة.

كان منزلنا يتوسّط حيًا فوضويًا. منزلٌ متواضعٌ بلا شبابيك نُطلّ منها. لذا، كان ملجئي الوحيد لمراقبة العالم الخارجيّ والتلصّص على الجيران، السطحُ ذو السّور المنخفض. 

كانت تحيط بحيّنا الفقير جدًا مزارعُ شاسعةٌ بُنيت عليها فيلاّت الأثرياء. وكنتُ كلّما صعدتُ إلى السطح في الصيف أنا وأختي الصغرى، نرقص دون هوادةٍ على أصوات المغنّين المشهورين المنبعثة من الحفلات الصاخبة داخل الفيلاّت ذات الأسوار العالية التي تحجب عنّا الرؤية، فلا نرى غير أضواء الزينة المُبهرة.

يُصبح حيّنا هادئًا خلال شهر رمضان، ونحاول مساعدة بعضنا البعض حتّى لا ينام أحدٌ منّا جائعًا. كان عمّ حسين، سائق التاكسي، مسؤولًا عن توزيع الخبز الطازج على الجيران كل يومٍ قبل صوت المؤذّن بدقائق، من دون أن يتأفّف أو يملّ.

تذهب أمي يوميًا لأداء صلاة التراويح في الجامع، ويبقى أبي في البيت يشاهد المسلسلات والفوازير.

كنتُ أرى العالم من فوق السطح وأراقب غروب الشمس كلّ يوم.

ينتهي رمضان وتعود الحركة السرّية في حيّنا.

أصعد كلّ غروبٍ إلى سطحنا لأشاهد جارتنا فضيلة وهي تجهّز عشاء زوجها الذي يشتغل في معمل الكابل ليلًا، ثم تٌشيّعه بعينيها لتقصد عطّار القرية وهو يغلق باب عطريّته، فيُدخلها إلى مخزنه الداخلي. تمرّ نصف ساعةٍ تخرج بعدها فضيلة مُبتسمةً وهي ترتّب غطاء رأسها.

أنتقل إلى الجهة الغربية من السطح لأرى شاحنةً كبيرةً تمرّ أمام منزل سعيدة لتسليمها رأس خروف وقنينة كوكا كولا. لكنّ سعيدة لا تلبث أن تصعد إلى المقعد بجانب السائق لتمكث زمنًا قصيرًا، ثم تنزل مسرعةً ومقهقهةً بعباراتٍ تنتقص من فحولة السائق.

سعيدة هي شابةٌ ترتدي الحجاب من صغرها، انقطعَت عن الدراسة بأمرٍ من إخوتها الذكور العشرة نظرًا لبلوغها المبكر وانفجار ثديَيها العملاقَين.

جميعنا في الحيّ نعرف ما تفعله سعيدة مع سائقي الشاحنات الثقيلة التي تمر يوميًا أمام منزلنا مُحمّلةً بالرمل. لكن أمي كانت تشفق عليها وتخبرنا بأن أمها العجوز الشريرة رفضَت أن تتعلّم ابنتها الخياطة مثل كلّ فتيات الحيّ المُنقطعات عن الدراسة، وجعلَت منها مورد رزقٍ لأنها تحبّ أكل رأس الخروف دائمًا. 

كنتُ أرى العالم من فوق السطح وأراقب غروب الشمس كلّ يوم. ينتهي رمضان وتعود الحركة السرّية في حيّنا

كانت أمي تمنعنا بحزمٍ وشدّةٍ من الخروج إلى الحيّ، فكنّا نقضي عطلة الصيف كلها من دون أن نغادر باب منزلنا ولو لشراء الخبز. كما كانت تعاقبنا عندما نتأخّر في العودة من المدرسة بإرغامنا على غسل الأواني في البرد والقراءة فجرًا. كذلك كانت تتشدّد في متابعة دراستنا، قائلةً إنها الوسيلة الوحيدة التي ستحرّرنا من أهوال حيّنا الفقير. كنا العائلة الوحيدة التي أتمّ أبناؤها التعليم.

في ليلةٍ باردة، استيقظتُ على صوت صراخٍ مُزلزل، كان صراخ جارتنا منجية "المهبولة" كما كنا نسمّيها في الحي.

لم ينهض أحد، فالكل يعلم ما يدور في منزل منجية. استغللتُ نوم الجميع وصعدتُ إلى السطح حاملةً علبة الكبريت الخاصة بأبي لأشعل بعض أعوادها.

رأيتُ ابنها البكر يوسف فوقها، وزوجها إبراهيم يمزّق ثيابها المهترئة، وابنها الأوسط منصف يمسك بثديَيها وابنها الأصغر يبكي في زاوية الحوش.

رأيتُ منجية تصرخ وتشتمهم محاولةً الإفلات منهم، تمامًا مثل تلك الغزالة التي شاهدتُها في وثائقي التلفزة وهي تحاول النجاة بنفسها من الضباع المفترسة.

كنت مندهشة، وأردت أن أقفز إلى حوشهم وأتسلّق سطحهم المليء بالقصدير وبقايا أثاث محطّم، إلا أن أبي شدّني من شعري وفكّني من على السور لأني نسيتُ عود ثقابٍ مشتعلٍ في حطب الطابونة، وهدّدني بتطويق السطح بالحديد حتى لا يتسنّى لي الصعود مرّةً أخرى.

حصل ذلك فعلًا، ومُنعتُ من الصعود إلى السطح طيلة سنةٍ كاملة.

رأيتُ المشهد ذاته يتكرر كل صباحٍ عند ذهابي إلى المدرسة. تعترضُنا منجية "المهبولة" قاصدةً الشرطة لتشتكي أبناءها وزوجها، وهي ترميهم بالحجارة المكوّمة في ثوبها.

في الصيف التالي، اكتشفتُ أنّ أبي كان يتردّد إلى منزل سعيدة حاملًا قنينة كوكا كولا.

لم أستطع إخبار أحد، لكن جميع إخوتي كانوا يعرفون إلا أختي الصغرى. لذنا بالصمت ولم نتناول الموضوع إطلاقًا.

كانت عائلتنا مكروهةً في الحيّ لأننا لم نكن نتشارك مع سكّانه الزيارات اليومية والأكل وأشياء أخرى. كانت أمي تمنعهم من التحدّث معنا، كما كانت سحنتها الدينية المتشددة تخيفهم.

في إحدى أمسيات الصيف، كنت وأختي الصغرى وحدنا في البيت، فهمستُ لها لتصعد إلى السطح وتتثبّت إن كانت الاحتفالات بفيلّات الأغنياء قد بدأَت أم لا. عادت وهي تبكي بحرارةٍ وغيظ. سألتُها عن السبب، فأخبرَتني بأنها رأت أبي يخرج من منزل سعيدة التي أشارَت لها مُتحدّيةً بالإصبع الوسطى.

خرجتُ وناديتُ "سعيدة!" بأعلى الصوت، فصُدِمت نساء الحيّ لخروجي غير المتوقّع من المنزل. لم تُجبني الملعونة.

صعدتُ فوق سور منزلنا المنخفض وصرختُ بكل ما أوتيت من قوة. شتمتُها بكل الشتائم التي أعرف، ولعنتُ ربّها الذي حرمها التعليم والحنان والطيبة وأمًا مثل أمي.

دخلَت النسوة إلى بيوتهنّ خوفًا من لساني الطويل.

عادت أمي إلى المنزل وأخبرتُها بكلّ شيء، فابتسمَت بدموعٍ حارّةٍ وأجابتني بأنها هي السبب في كل ما حدث لأن رئيسها في العمل لا يسمح لها بالعودة إلى المنزل باكرًا، بل يجبر كل النساء على العمل لأربعٍ وعشرين ساعةً متواصلةً في تصدير الغلال والخُضار. لم يُقنعني كلامها. كنت أريد لها أن تغضب من أبي بدل أن تُبرّر له وتُلقي باللوم على نفسها. 

جاءت سعيدة تشتكي لأمي ما فعلتُه بها، فأغلقَت الباب بوجهها. لكنّ أختي الكبرى قصدَت بيتها وجالسَتها لأكثر من ثلاث ساعات. هل كانت زيارة مساندةٍ وطبطبة؟ لا أعرف.

انتهَت عطلة الصيف، وخرجتُ مع بداية الخريف إلى المعهد. رأيتُ منجية "المهبولة" يحملها زوجها على عربةٍ ويجرّها إلى المستوصف. كان رأسها فارغًا تمامًا من الشّعر بعد أن أصابها السرطان.

ثم توقفَت الحافلةُ فرأيتُ سعيدة تحمل محفظةَ يدٍ وأخرى فيها طعامٌ وقنينة كوكا كولا صغيرة، وترافق فتيات الحيّ الذاهبات إلى معمل الخياطة لتعمل معهن.