شعري ذهب

16/09/2019
517 words

"ليش هيك عندك كتير شعر؟"، "يي ياحرام متل الرجال!". بهذه الجمل اللطيفة رحّبت بي السيدة المسؤولة عن النتف.

"القَفلة ، بس لو شيل القَفلة"..

"القَفلة" هي نقطة التقاء الحاجب الأيمن بالحاجب الأيسر. البنات عمومًا غير مسموح لهنّ باقتنائها، هي حكر على الصبيان، وإن كان حظّ الفتاة سيئًا كحظّي وامتلكَتها، فحينها على الدنيا السلام.

حاجبان كثيفان موصولان، جسدٌ مُغطّى بالشعر من رأسه إلى أخمص قدميه، وحشٌ بحاجة للاختباء. كانت هذه دائمًا توصيفاتي لجسدي وأنا طفلة في الثامنة من العمر فقط.

بلغتُ باكرًا وازدادت مع بلوغي كمّيات الشعر المتناثرة هنا وهناك وازدادت تعليقات قريباتي وزميلاتي في المدرسة حول الموضوع الذي لم يسلم حتى من تعليقات وتهكّمات أقربائي الذكور الكبار.

"أنت الآن في سنّ السادسة عشر وصار بإمكانك الذهاب معي لصالون التجميل لنتفك"..

اصطحبتني عمتي معها وأنا مزهوة بنفسي وخائفة في نفس الوقت من الألم الذي أسمع عنه ولم أختبره بعد.

صالون "بونيتا" في ساحة المزرعة في دمشق، نساء ينتظرن دورهنّ ثم يخرجن من الصالون بعد يوم طويل مُتشابهات، نفس الهيئة والشعر والمكياج وطريقة الكلام.

"ليش هيك عندك كتير شعر؟"، "يي ياحرام متل الرجال!". بهذه الجمل اللطيفة رحّبت بي السيدة المسؤولة عن النتف والتي بدأت بتسخين الشمع ووضعه على وجهي. ما زلت أذكر الألم، ما زلت أذكر وجهي المُحمرّ والمُنتفخ بعد نهاية النتف وما زلت أذكر ابتسامة الزهو والفخر على وجه عمتي. 

"لازم تجي كل عشر أيام لحتى نلحقهن أول ما يطلعوا للشعرات"..سمعت كلامها وصرت أتردّد بانتظام على صالون التجميل لإزالة شعر وجهي وساقي وذراعي وفرجي وظهري ومؤخرتي وأصابع قدمي. مشاعر خجل وعار تنتابني وأنا أتعرّى أمام السيدة التي "ستنظف" جسدي. لم أفهم يومًا سرّ نظراتها الحزينة والمُشفقة علي.

"بكرا بس تتجوزي بيخفّوا"، "جمعي مصاري واعملي ليزر لكل جسمك"، "الرجال بيحبوا البنت ناعمة وطرية"..

رافقتني توصيفات جسدي المشعر خلال فترة مراهقتي وامتدّت إلى فترة صباي وعلاقاتي مع الرجال. أذكر اتصالا من شريكي السابق يُخبرني فيه باكيًا أنه لم يعد بمقدوره تحمل شعر جسدي: "حسّي فيني، أنا كمان رجّال وإلي حقوقي. والله مو معقول هيك". بكيتُ بعد المكالمة مطوّلا. كرهت نفسي واعترتني مشاعر خجل وكره. لم أدرِ إن كانت موجّهة لجسدي، له، أم لأمي التي لم تعلمني كيف أدافع عن نفسي؟ لا يهم. كنتُ حزينة ومقهورة. ذهبت لصالون تجميل قريب من منزل والدتي في أنقرة، و"نتفت". 

عند عودتي قبّلني بسعادة وزهو. الزهو نفسه الذي رأيته بعيني عمتي في صالون التجميل قبل عشرة أعوام. زهوٌ زائف يُرثى له. زهوٌ بانتصار الأبوية وإرضاخي لقواعدها المقيت.

 

رحلة طويلة عشتها لأتقبّل جسدي الأنثوي وأحدّد علاقتي به. لأتقبّل شكله غير المرغوب ضمن المعايير المجتمعية السائدة. أستغرب كيف أنّ بعض الشعيرات يُمكن أن تتحكم في حياتنا، وفي أجسادنا وفي عاداتنا اليوميّة وفي نظرتنا لأنفسنا وللآخرين. أحقد على السلطة التي يملكها المجتمع، أي مجتمع،  والتي تُبيح له أن تحوّلني إلى كائن انضباطي يتحرك وفق شروطه وقواعده ومرجعياته. مع مرور الزمن وبعد رحلة طويلة شاقّة من الدموع والأسئلة الخانقة، صرت أقوى وصرت لا أبالي بكلّ ما يقال لي وعنّي ولكنّ الغضب لايزال موجوداً تجاه الناس الذي آذوا مشاعري وجعلوني أُعادي جسدي عندما كنت مراهقة.

 

مارستُ الجنس ولم يخفّ شعر جسدي كما أخبرتني سيدة الصالون. اكتشفتُ لاحقًا مدى حبي للشّعر تحديدًا. الشعر يحرّرني من القوالب الجاهزة للأنوثة والذكورة ويعكس بشكل أو بآخر هويتي التي لم أكتشفها بعد والتي أراها تتأرجح بين أقطاب متعددة أكبر من قطبيّ الذكورة والأنوثة. أستمتع بنظرات الآخرين المتعجبة عند تأملهم لذراعيّ "المشعرات" أو عند ارتدائي ملابس صيفية خفيفة تُظهر مفاتني الأنثوية "المشعرة".

القَفلة تحولت لقِفل انكسر ورميته بعيدًا.

 

* عنوان الخاطرة مستوحى من أغنية "شعرك دهب" لفرقة تراب

** رسم رواند عيسى