كيف نرثي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا: الحِداد كأداةٍ نسوية

08/03/2021
1388 words

في السابق، كتبت إسلام الخطيب عن الأمل بوصفه أداةً نسوية. واليوم، تراجع هذا الإيمان لأن عالم الجائحة علّمها أنّ الأمل عمليةٌ محفوفةٌ بالمخاطر وتتطلّب احتضان الرثاء كشعورٍ تحسّه وفعلٍ تمارسه.

كانت السنوات الخمس الأخيرة متقلبةً وكارثية؛ من حرائق الغابات حول العالم، إلى جائحة كوفيد-19، مرورًا بتفجير بيروت وغيره من الكوارث والمآسي البشرية والطبيعية التي ترافقَت مع قمع التظاهرات والانتفاضات حول العالم من تشيلي إلى لبنان. يدفعنا هذا الأمر إلى البحث عن طرقٍ جديدةٍ للتفكير في ديناميّات الحركات النسوية والتنظيم ككل، وفي واقعنا و في الصدمات المتكررة التي نتعرّض لها. عادةً ما نسمّي هذه العملية التأمل أو استبطان ما حدث، لكن أودّ أن أطلق عليها اسم الرثاء. لذلك، أدعونا لإعادة استكشاف الرثاء كممارسةٍ سياسية، إذ أن ما يعيق استجابتنا للتحديات الحالية هو حزننا على ماضٍ أفل بدلًا من التفكير في حجم التغيير الاجتماعي والاقتصادي الضروري للمستقبل - أو أقلّه - لاستدامة حاضرنا. ولبدء عملية الاستكشاف هذه، علينا الاعتراف بالرثاء كجزءٍ لا يتجزّأ من أُطرنا السياسية المتنوعة. في السابق، كتبتُ عن الأمل بوصفه أداةً نسوية، واليوم، أراجع هذا الإيمان لأن عالم الجائحة علّمني أنّ الأمل عمليةٌ محفوفةٌ بالمخاطر وتتطلّب احتضان الرثاء كشعورٍ أحسّه وفعلٍ أمارسه.

كيف نرثي عوالمنا التي حلمنا بها؟ 

كان عاما 2019 و2020 مليئَين بالخسائر المتلاحقة؛ من الحرائق التي اندلعت في مناطق مختلفةٍ من لبنان، إلى الأزمة الاقتصادية اللبنانية التي دمّرت حياة الآلاف، مرورًا بجائحة كوفيد-19 التي تفتك بالأكثر هشاشة بيننا، وصولًا إلى تفجير مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 - أحد أكبر الانفجارات غير النووية في العالم - الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخصٍ ودمّر منازل وأحياء ومناطق بكاملها، مشرّدًا الآلاف. في خلال هذه الفترة، بدأتُ أهتم بشكلٍ متزايدٍ بمواضيع الخسارة والرثاء والحِداد. شعرتُ بأني جزءٌ من جماعةٍ تعاني، وترثي وتُحتضر في آنٍ معًا. وبعد تفجير بيروت بالتحديد، شعرتُ كأنّ الزمن توقف وأصبحتُ عالقةً في حلقاتٍ من الأخبار السيئة والخسارات المتزايدة. بدا لي الأمر كما لو أننا نسير من دون أي فرامل، ونمرّ بمشهدٍ غير مألوف إلى وجهةٍ غير معلومة. كانت لديّ أسئلةٌ كثرةٌ بشأن كيفية ربط النسوية بالرثاء وممارسة الحِداد كفعلٍ سياسي، وشرعتُ أفكر في كيفية تأطير الرثاء. وجدتُ ملاذًا وملجأً في كتابات المحلّلة النفسية النسوية ميلاني كلاين (Melanie Klein)، لاسيّما في سياق كتابتها عن الكآبة والرأسمالية،1 وخاصة وصفها الحزن كحالة اجتماعية وجماعية، بمعنى أن الكآبة على علاقة تأثير وتأثر متبادلة مع هياكل القمع المجتمعية المختلفة؛ وأعمال تيموثي مورتون (Timothy Morton)2 المنخرط/ة في النشاط البيئي والتنظير في السياسة البيئية؛ ومجموعة Out of The Woods البيئية. كان لهذه المجموعة الفضل في مساعدتي لفهم تقاطعات القلق البيئي مع الخوف من الكوارث الرأسمالية. أما كتابات تيموثي مورتون، فعرّفتني إلى مفهوم القلق البيئي، وهو نوعٌ من القلق بشأن الأوضاع البيئية والإيمان المطلق باحتمال حدوث كوارث بيئيةٍ في أي لحظة.

طيلة تلك الفترة المقلقة، كنتُ أصارع بين رغبتي في التوقف عن الأمل والامتناع عنه وأخذ قسطٍ من الراحة من جهة، وحاجتي إلى التنظيم والحضور "على الأرض" من جهةٍ أخرى. كان هناك ضغطٌ غير مسبوقٍ لتعزيز فكرةٍ مفادها أن "القادم أفضل". لكنّي فكرت، ماذا لو أن القادم أسوأ؟

لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، نحن بحاجةٍ إلى إعادة تعريف مفهوم الكارثة، وفهم كيف يمكن للكوارث أن تفكّك وتقوّي في آنٍ معًا أنظمتنا الاجتماعية والاقتصادية. عندما نشير إلى احتمال وقوع السيناريوهات الكارثية، سواء تلك الناتجة عن القلق المناخي أو القلق الجيو-سياسي، نجد أصواتًا تطالبنا بالتركيز على السياسة والعمل لمحاربة الأسوأ. لكني أسأل هنا: لماذا لا نستعدّ للأسوأ؟ على البعض منا التفكير، وبشكلٍ منهجي، في أسوأ السيناريوهات. وعلينا أن نسأل: كيف سيكون شكل استجاباتنا لها؟ كيف سنرثي واقعنا الحالي؟ علينا الاعتراف بأن الرثاء سيرافقنا على نحوٍ متزايدٍ في الفترات القادمة. لماذا؟ لأن الأرض تتبدّل وتتحوّل، ولأن حكوماتنا تنهار وتزداد قمعًا، ولأن أراضينا ما زالت محتلةً وماضينا مُنكرًا ومستقبلنا مغيّبًا. لذلك، علينا أن نرثي واقعنا، وأن نتحضّر ونجعل الرثاء جزءًا واضحًا من سياساتنا. ينبغي بالتحوّل الحالي، من كوفيد-19 إلى تبدّل السياسات العالمية والقلق المناخي، أن يغيّر مسار تفكيرنا من الندرة إلى الوفرة، أي ألّا نحصر تفكيرنا بالخيارات المعدومة، لا بل أن نفكر بالمستحيل الذي قد يصبح ممكنًا. أقصد بهذا أن نعتبر التنظيم الاستجابة الوحيدة للأزمات، وأن نرى في أحاسيس الرثاء والحزن أفعالًا بدلًا من مشاعر مجرّدة. لستُ أقصد بالضرورة عزل الفعل عن الشعور، بل جمعهما معًا بهدف إنتاج مشروعٍ سياسي يُبنى على مشاعرنا وينطلق منها. وبناءً عليه، تصبح الكارثة فرصةً لتبديل الأوضاع والأحوال بشكلٍ تناقضيّ وتراكمي.3

يُنظر إلى الحِداد والرثاء عمومًا كمشاعر سلبية، أو على الأقل مشاعر لن نختارها إن كان بوسعنا الاختيار. وفي أحيانٍ كثيرة، في سياق مناقشة التحديات التي تواجه العالم، يسارع الناس إلى صدّ الأفكار السلبية والتركيز على تلك الإيجابية. وبغض النظر عن أهمية إيجاد ثغرات الأمل، إن التركيز على هذا الفعل بشكلٍ حصري هو في حدّ ذاته جزءٌ من الإنكار الجماعي، في وقتٍ نحتاج فيه إلى البحث بشكلٍ عاجلٍ عن طرقٍ تتيح للمجتمع تحمّل المشاعر المؤلمة المحيطة به والاعتراف بها، لاسيّما تلك المرتبطة بالظروف الحالية مثل الحَجْر الصحي وجائحة كوفيد-19.

نحن نواجه عقباتٍ عدّةً تمنعنا من احتضان الخسارة لأن التفكير البيئي والنسوي المرتبط بالحداثة غير مجهزٍ على نحوٍ كافٍ لتقديم أدواتٍ جديدة، نتيجة ارتكازه بشكلٍ أساسي على تفكيك الماضي

وللرثاء السياسي جزآن: الحِداد على حاضرنا وماضينا، ورثاء كل التخيلات المستقبلية التي لم تعُد ممكنة. نحن نواجه عقباتٍ عدّةً تمنعنا من احتضان الخسارة لأن التفكير البيئي والنسوي المرتبط بالحداثة غير مجهزٍ على نحوٍ كافٍ لتقديم أدواتٍ جديدة، نتيجة ارتكازه بشكلٍ أساسي على تفكيك الماضي والذاكرة وارتباطهما بالحاضر، وفق شرح تيموثي مورتون.4 ويؤكد هذا حاجتنا إلى تقبّل الرثاء رفيقًا؛ ذلك الرثاء الذي نحسّ به، يشبه جدًا الشعور الذي ينتابنا بينما نقرأ قصةً من دون نهايةٍ معروفة، ويرافقه إحساسٌ بالموت الذي يلوح في الأفق. هذه مشاعر نحتاج إلى التعبير عنها ومناقشتها بصراحةٍ أكبر في دوائرنا النسوية.

تخلق المشاعر السلبية مناخًا من عدم الارتياح، ما يجعل الرغبة في تجنّبها مفهومة. لكن بالرغم من ذلك، علينا احتضان مشاعر عدم الارتياح والمثابرة في شرح أسبابها، حتى في مواجهة الآخرين والأخريات ممّن يعتبرون عدم الارتياح علامةً مسيئةً في عملنا السياسي، كما تقول الكاتبة النسوية سارة أحمد (Sara Ahmed) في كتابها 'السياسات الثقافية للعواطف'.5

لطالما جادلَت صاحبات وأصحاب الفكر النسوي و/أو الممارسة النسوية بأنّ العاطفة مفقودةٌ في العديد من رواياتنا السياسية. وأظهرت التحليلات النسوية للعاطفة كيف يُنظر إليها على أنها منفصلةٌ عن ملكات الفكر والعقل و"أدنى" منها مرتبة. فأن نكون عاطفيّين وعاطفيّاتٍ يعني أن يكون حكمنا خاضعًا للتأثير. وفي تاريخ التفكير التطوّري، فُهمَت العواطف كعناصر بدائيةٍ تقابلها مرحلة تطورٍ شبيهةٍ بتطوّر الحيوان.6 لذلك، كانت النظرة الفسيولوجية للعاطفة بمثابة نقيضٍ للعقلانية. وتستشهد الباحثة وأستاذة الأخلاقيات سابين رويسير (Sabine Roeser) بفلسفاتٍ ومصادر واسعة النطاق تؤكد حاجتنا إلى العواطف كي نكون عقلانيّاتٍ وعقلانيّين عمليًا.7 إذًا، للعواطف غير المريحة مكانةٌ أساسيةٌ في كيفية رؤيتنا للعالم، لذا من من الضروري احتضانها بالرغم من صعوبتها. كما علينا التنبه إلى الرقابة على المشاعر السلبية أو الصعبة التي نمارسها على بعضنا البعض، كعدم التعبير عن الغضب أو الانزعاج من الحزازيات العنصرية داخل الحركات والمجموعات في ظل التقلّبات. وفي تفجير بيروت خير مثالٍ على ذلك، إذ اعتبر البعض التفجير كارثةً لبنانيةً بحت، من دون أخذ الجنسيات المختلفة للضحايا والمتضررين والمتضررات بعين الاعتبار. بمعنى آخر، تجنّب الوقوع في فخ تحديد هوية من يحق لهم/ن الحزن والحِداد.

كيف نمضي قدُمًا؟

لستُ أدّعي أن الرثاء سيساعدنا على هدم هياكل القمع التي تتحكّم بحيواتنا؛ بل أقول إننا لن نكون قادراتٍ على الانتقال إلى عالمٍ أفضل من دون فعل الحِداد. في القراءات التحليلية والنفسية الواردة أعلاه، ليس الرثاء شيئًا يمكننا تجاوزه، بل يجب أن يصبح جزءًا من حياتنا، وسياسةً فعليةً وسرديةً عامةً تدعونا إلى الاجتماع معًا كما في الحِداد، كي نرثي ونودّع  كل ما كان وكل ما سيكون وكل ما لم يكن. لا يمكننا أن نبني عوالم جديدةً من دون أن ندفن القديم ونجهّز الحاضر لموته. 

يمكن للحزن الجماعي أن يجمع الناس من مختلف الأطياف معًا، ويوفّر الراحة ويكشف العلائقية في ما بيننا. كما يمكنه، في نهاية المطاف، خلق الـ"نحن" التي نبحث عنها. وتتضمّن تلك الديناميّات العلائقية الاعتراف بتواضع قدرتنا على التأثير في الطبيعة والأرض، وبالتالي في بعضنا البعض. يعني هذا أن علينا التفكير في كيفية ترابط وتواصل وتفاعل البيئي والسياسي مع بعضهما، وهو واقعٌ بمستطاعه أن يولّد فرصًا جدّيةً لصنع عالمٍ أفضل. فلينتَِقل الرثاء أيضًا من الخاصّ إلى العام، فالفكر النسوي يعلّمنا أن الخاصّ سياسيٌ أيضًا. 

  • هذا النص مُهدًى إلى كل اللواتي خسِرن حيواتهنّ وهنّ يحاربن هياكل القمع المختلفة. لتخلد ذكراهنّ في حِدادنا على كل خسائرنا.

الرسومات لإسلام الخطيب

 

  • 1. Melanie Klein, ‘The Collected Works of Melanie Klein’, Great Britain, Hogarth Press, 1975
  • 2. Timothy Morton, ‘Dark Ecology: For a Logic of Future Coexistence’, New York, Columbia University Press, 2016
  • 3. للمزيد من المعلومات عن دور الأزمات والكوارث في إعادة تشكيل العوالم، يمكن الاطلاع على عمل الكاتبة الكندية والناشطة الاشتراكية نعومي كلاين بعنوان 'عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث' (2007). في الكتاب، تتناول كلاين كيفية استغلال الأنظمة و"السوق الحرة" الصدماتِ والكوارث من أجل تمرير سياساتٍ استبداديةٍ وتقشّفية، مبيّنةً في الوقت عينه كيف يمكن لفترات الكوارث أن تتيح المجال لفرص التغيير والتحوّل إلى الأسوأ والأفضل معًا.
  • 4. Timothy Morton, ‘Dark Ecology: For a Logic of Future Coexistence’, New York, Columbia University Press, 2016, p. 53
  • 5. Sara Ahmed, ‘The Cultural Politics of Emotion’, Great Britain, Edinburgh University Press and Routledge, 2004, p. 177
  • 6. المرجع نفسه.
  • 7. Sabine Roeser, ‘Moral Emotions and Intuitions’, Great Britain, Palgrave Macmillan, 2011