رحلتي مع النهام: الأكل ألمٌ لا مُتعة

17/06/2021
532 words

في مراهقتها، علقت سارة خيّاط بحلقة مفرغة من الشراهة والتقيؤ. بالرغم من الألم والانزعاج، كان جسدها يطلب ذلك مرّةً تلو أخرى، فتأكل ولا تستمتع بأيّ شيء، ومن ثم تتقيأ مجددًا. كان النهام جزءًا من حياتها اليومية لوقتٍ طويل. كيف كانت رحلتها إلى التعافي من اضطراب الأكل هذا؟


كنتُ في مراهقتي بدينةً وشديدة الهدوء وغير واثقةٍ في نفسي، وكنتُ أشعر أن لا قيمة لي وأني قبيحة وغير جديرةٍ بالحب. لذلك، اعتقدتُ أن من الجيد معاقبة نفسي بالتقيؤ بعد تناول أيّ نوعٍ من الطعام، كأنما هذا عقابًا على عيوبي وتطهيرًا لجسمي من الدهون التي تمثّل كل ما أكرهه في نفسي. بالنسبة لي، كانت البدانة مرادفًا للقبح والكسل، والنحافة مرادفًا للجمال والحب. مع الوقت، أصبحَت أرقام الميزان مقياسًا لحالتي النفسية والعاطفية. معظم الناس لا يعرفون أنك حين تنغمسين في الشراهة، فأنتِ تحاولين ملء فراغٍ عاطفي ما في داخلك، وأن عملية التقيؤ التي تلي ذلك لا تهدف إلى التخلص من الطعام فقط، بل إلى إخراج كل ما يؤلمك من دون أن تعرفي كيف تعبّرين عنه، فيكون إيلام نفسك من خلال التقيؤ ملاذك الوحيد.
النهام حلقةٌ مفرغةٌ من الألم، ودورةٌ لا متناهية من الإفراط في تناول الطعام في فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ إلى حد الشعور بالسوء والشروع في إفراغ كل ما أُكل. وبالرغم من الألم والانزعاج، كان جسدي يطلب ذلك مرّةً تلو أخرى، فآكل ولا أستمتع بأيّ شيء، ومن ثم أتقيأ مجددًا. كان النهام جزءًا من حياتي اليومية لوقتٍ طويل. كنتُ أشعر بالفخر عندما يخبرني أحدهم بأني خسرتُ بعض الوزن. فكلّما اجتمعتُ بأحدٍ ما كان وزني يستحيل سريعًا محورَ اللقاء، ما دفعني إلى تكرار عملية التقيؤ بغرض خسارة المزيد من الوزن.
أعتقد أن معايير الجمال التي تفرضها المجتمعات الأبوية ليست وحدها المسؤولة عن انتشار اضطرابات الطعام،  فطُرق تربيتنا في الأسرة والمدرسة وكيفية قياس قيمتنا في الأنظمة الرأسمالية تساهم في ذلك أيضًا. ففي هذه الأنظمة، تعلّمتُ أن أرى الأشياء من خلال قيمتها المادية، وفيها صرتُ أنظر إلى شخصي كشيءٍ تُقاس قيمته وتُكتسب وتُقارن بالآخرين. 

لم أستطع التحدث عما كنتُ أعيشه في مراهقتي مع أحد، ولم أجد أيّ مرجعٍ مفيدٍ في أيّ مكان، لاسيّما أنّ وسائل الإعلام كانت تروّج لمعايير جسديةٍ مختلفة عمّا كان عليه جسمي. لم أعرف وقتها ما إذا كان هناك اسمٌ لمعاناتي. كنتُ أعتقد أن الغلط بي أنا. لذلك، لم أدَع أيّ منتجٍ أو دواءٍ أو حميةٍ أو وصفةٍ إلا وجرّبتها، ما أدّى إلى توقف دورتي الشهرية لفترة، وتساقط شعري، وتفاقم كآبتي، وشعوري بالغضب تجاه جسدي الذي لم يعرف كيف يتأقلم مع هذه الضغوطات إلا من خلال زيادة وزنه أكثر فأكثر.


رحلتي إلى التعافي كانت طويلةً وما زالت مستمرة. فإلى جانب كسر دائرة الشراهة والتقيؤ المقفلة، كان عليّ التصالح مع جسدي والاعتناء به، مهما كان الشكل الذي قد يتخذه. وفي معركتي مع هذا الاضطراب، أدّى الرسم دورًا أساسيًا، إذ ساعدني على استبدال التقيؤ المؤلم والمتعب للأطعمة العاطفية، من خلال تفريغها على شكل خطوطٍ وأشكالٍ وألوانٍ تغطي الأوراق.

لم أعرف حتى وقتٍ قريبٍ أن جسدي هو خياري. لطالما كان مشاعًا عامًا من حق الجميع أن يعلّق عليه ويلمس ترهلاتي ساخرًا منها. أذكر آخر مرةٍ تعرّضتُ فيها لهذا الموقف، صرختُ فجأةً بصوتٍ مرتفعٍ جعل جميع أفراد عائلتي يلوذون بالصمت وينظرون إليّ بتعجب. وقعَت هذه الحادثة منذ ثلاث سنوات، وكانت أول مرةٍ في حياتي أقول فيها إني لا أحبّ أن يلمسني أحد. في تلك اللحظة، شعرتُ أنني أستطيع تقدير جسدي واحترامه.

الآن، أعتبر نفسي ناجيةً من كل هذا العنف الذي كان يُمارس ضد جسدي.

اليوم، أحب جسدي من دون أيّ شروط، وأحاول المواظبة على ممارسة الرياضة كي أدعمه وأشكره على تحمّل الأوجاع والضغوطات وأعوّضه فترات الألم التي مرّ بها، محاولةًً تذكير نفسي دائمًا أنني استحق كامل الحب والأمان.