يوميّات ليبيّة لاجئة تستعيد جسدها

بدأ الخصام بين الكاتبة وبين جسدها عندما نما ثديها وهي تعيش في مجتمع يحتكره الرجال. فكيف استعادت جسدها؟

منذ قدومي إلى هذا البلد الاسكندنافي كلاجئةٍ هاربة من ويلات الحرب الأهلية بموطني ليبيا وأنا أطبطب على قلبي المرتجف كلّ يوم. ستة أشهرٍ مرّت ومازلت أحاول تعلَّم المشي دون تعثر كلّما خرجت من بيتي صباحًا. أنا حرّةٌ في هذا المكان ولكنّي مازلت في حالة دهشة. دهشة الطيران الذي لم أتعوّد عليه بعد.

أتنقّل بين الأنهج وأجوب الشوارع دون هدى. المشي دون خسائر أو ذنوب يُعدّ نعمةً بالنسبة لي. أراقب أهل البلد وأستغرب قدرتهم على التعامل مع حريتهم كأمرٍ مفروغٍ منه غير منتبهين إلى حجم الحريّة التي يتمتّعون بها.

أحاول جاهدةً التخلّص من فوبيا المرور قرب العابرين الغرباء خاصةً الرجال. أدرّب نفسي على التوقّف عن ممارسة هوس التخطيط المسبق لخطّ سيري في الشارع، كما تعودت أن أفعل في ليبيا خوفًا من ملاقاة متحرّشٍ أو فضوليّ. لا أحد هنا يهمه أمري، فأنا مجرّد "نكرة" وهذا شعورٌ مُريح.

أتجوّل في المنطقة التجارية ويبادرني العابرون بالابتسام. هذا اللطف البريء غير مألوفٍ بالنسبة لي. لست على عجلةٍ من أمري، يُمكنني الوقوف لدقائق أمام واجهات المحلات وتأمّل البضائع على سبيل الترف، وخاصّةً تعلّم المشي دون ارتباك أو شعورٍ ثقيل بأنّ أحدهم ينهش تفاصيل جسدي بنظراته الوقحة، هذا طبعًا في حال لم يقرر اللّحاق بي وانتهاز الفرصة لتحسّس أردافي وسط الزحام.

المشي دون خسائر أو ذنوب يُعدّ نعمةً بالنسبة لي

أمرّ بالقرب من مقهى ينثر كراسيه على الرصيف المقابل حيث يجلس رواده مُستمتعين بالشمس الاسكندنافية الخجولة. المقهى مختلطٌ بل أغلب روّاده نساءٌ وهذا أمرٌ مُدهش. نعم المقهى المختلط بالنسبة لي إنجازٌ عظيم. قرّرت الجلوس في هذا المقهى، وكانت المرّة الأولى في حياتي، ورحت أراقب النساء حولي.

لست المرأة الوحيدة في مقاطعةٍ يحتكرها الذكور. إحداهنّ ترتدي بنطلونًا قصيرًا وتقود درّاجتها، وأخرى بملابس رياضيّة تركض في الحديقة العامة، وثالثةٌ جالسةٌ على كرسي المقهى المجاور لي تحتسي قهوتها في كسلٍ لذيذٍ، وساعية البريد توزّع الرسائل على صناديق المباني المقابلة. الأنوثة هنا حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بانسيابية. ينتابني شعورٌ مكثّفٌ بالحسد، لأن صدفةً جغرافيةً مجرّدة يمكنها أن تمنحهنّ حياةً "طبيعية" بينما نحن نصارع من أجل البقاء.

في الطريق إلى البيت، لفت انتباهي فستانٌ أحمرٌ قصير في إحدى الواجهات. تذكرت بأنني لم أشترِ يومًا فستانًا في حياتي فدخلت إلى المحلّ واشتريته دون أن أقيسه. عندما وصلت إلى البيت ركضت إلى غرفة نومي حيث المرآة الكبيرة ووقفت أمامها. خلعت ملابسي وارتديت الفستان الأحمر القاني. قلبي يدقّ بسرعة وأنا أتأمّل تفاصيل جسدي: بطّة ساقي المكتنزة، خصري النحيل، حوضي العريض، صدري البارز بفضل ياقة الفستان المدوّرة والمكشوفة وشعري المنسدل على كتفي. جسدي الذي خاصمته وأهملته بشكلٍ متعمّدٍ لسنواتٍ طويلة استعدته في هذه اللحظة.

بدأ الخصام بيني وبين جسدي عندما نما عصفوران فوق صدري يحفران طريقهما نحو الخارج، ويعلنان عن نفسيهما عندما أركض وأسابق أولاد الجيران. بسببهما تغيّر كل شيء وأصبح العمّ "أبو بكر" صاحب محل البقالة ينظر إليّ بنظرات غير ودودة كلّما ذهبت إليه لشراء حلوتي المفضلة، كما حاول معلّم مادّة العلوم لمس فخذي عندما أحضرت له الطباشير في المعمل الخالي.

جسدي كان كالفيل في الغرفة، الجميع يدرك خطره ولا أحد يتحدث عنه

في بلدي، كلّ من ينمو لها نهدٌ تُعزل في غرفة النساء البالغات وتُمنع من الذهاب إلى البحر وتسلّق الأشجار والركض ولا تُحدّث الرّجال إلاّ من خلف الأبواب. انتقلت إلى عالم الكبار وعليّ الآن تحمّل الأوامر والأحكام والالتزام بكرّاس شروط الفتاة المثاليّة.

عندما داهمتني الدورة أخفيت عن أمّي الأمر لفترة حتّى لا تتحكّم في تصرّفاتي وتعزلني عن العالم بدافع الحماية. فكنت أرتدي أمامها الملابس الفضفاضة وأحاول إخفاء انحناءاتي وثديي البارز لكنّ جسدي كان كالفيل في الغرفة، الجميع يدرك خطره ولا أحد يتحدث عنه. كان عليّ في الثالثة عشر أن أستوعب بيولوجيًا ونفسيًا حالة الخصب التي أصابتني وأفسّرها ككارثةٍ قاهرة، أُخفي معالمها كجريمة كي لا أتورّط في فخّ المطامع والنهب والاختلاس العاطفي والجسدي، فكان الحل الأمثل بالنسبة لي هو إحداث قطيعةٍ بيني وبين جسدي وإهماله كليًّا.

أدور وأدور حول نفسي بفستاني الأحمر أمام مرآتي لأكسر الخوف الذي ربيّته داخلي. سأربط خصري بزنّارٍ أبيض، وأسدل شعري على كتفيّ العاريين وأعلن عن قدومي بنقرات كعبي العالي. أجوب البيت بخطواتٍ واثقةٍ متأنيةٍ متمايلةٍ كنوعٍ من البروفة قبل أن أخرج بهيئتي تلك إلى الشارع. قررت، سأذهب إلى السوق لشراء مزيدٍ من الفساتين المبهجة. هكذا سوف أستعيد جسدي.