عن فحولة صابر وشبق لواحظ: الجسد الذكوري في سينما الحقبة الناصرية

22/04/2020
2491 كلمة

يحتلّ كتفه العاري الجزء الأمامي من يسار الشاشة، بحيث يكون ظهره للكاميرا. ينظر للبطلة التي احتل جسدها بالكامل خلفية الشاشة على اليمين، وقفت منهارة وهي ترتدي البيجاما، تشكو له سوء علاقتهما وكيف سارت الأمور بينهما، انفعاله بحديثها وتأثره الشديد بما تقول يظهر لنا في حركة ظهره العاري، يتردد في اتخاذ أي قرار في لحظة عاطفية، أما هي فوقفت تبكي وتصرخ. انتهز لحظة هدأ فيها انفعالها قليلاً وإن كانت قد استمرت في البكاء بصوت مسموع، تحرك ناحيتها ببطء وكأنه يفكر مع كل خطوة إن كانت تلك هي اللحظة المناسبة لفعل ذلك. أثناء تحركه نحوها، تتراقص إضاءة الشمس التي اقتحمت المكان من فتحات النوافذ الخشبية فوق ظهره العاري، فتعطي مشيته البطيئة هدوءًا جميلًا، إلى أن يصل إليها، فتنظر إليه برغبة في الاحتواء، ويدرك هو أنه قد جاءت اللحظة التي يجب عليها فيها أن يضمّها إليه. يقربها أكثر إلى صدره، تنهار، تبكي أكثر وأكثر حتى تسقط على الأرض ويسقط هو معها.

***

هذا مشهد من تخيّلي، كتبته وأنا أضع تركيزي كله في أن يكون جسد البطل في بؤرة المشهد والبطل الحقيقي، فلطالما جذبتني فكرة تعامل السينما ـ والفن عمومًا ـ مع الجسد. ولكن عندما أستعرض ما قدمته السينما العربية في هذا الصدد، فلا يأتي في مخيلتي سوى أجساد الكثيرات من النساء، بينما لم يحظ الجسد الذكوري باهتمام حقيقي. المشهد السابق هو محاولتي لتخيّل صورة بديلة لجسد الرجل على الشاشة تُجاوز ما قدمته السينما المصرية تحديدًا من نماذج. 

يظهر الجسد الأنثوي على الشاشة دومًا كعامل إثارة مستقلٍ بذاته، مستقلٍ عن جسد البطل وعيونه بل وفي أغلب الأحيان عن قصة الفيلم نفسها ومبرراتها الدرامية. أما جسد الرجل فيأتي تابعًا أو لا يأتي مطلقًا وهو عادة لا يظهر بشكل مثير إلا من خلال عيون البطلة.

يحدث هذا بشكل عام في العالم كله، ولكن تعنينا هنا السينما المصرية في المقام الأول والتي عرفت الكثيرين من النجوم الذكور الوسماء، ولكن مجرد تواجد هؤلاء في الفيلم كان الضمان الكافي لاجتذاب الفتيات والسيدات من المعجبات (الجمهور المعلن)، ومثليي ومزدوجي الجنس (الجمهور غير المعلن) لصالات العرض، وإذا ما حاول المخرجون استغلال جاذبية هؤلاء النجوم الجسمانية بصريًا، فلا يُحاك ذلك دراميًا إلا من خلال إظهار المفاتن الجسدية للممثل الذكر من وجهة نظر الشخصية النسائية  في الفيلم وإشارة إلى رغبتها الجنسية الواضحة.

ولعل ذلك يُفسّر ببساطة إذا ما فكرنا باقتصاديات السينما وتقاطعها مع المفاهيم والاعتبارات الاجتماعية؛ فعيون المتلقّي في صالة العرض هي وحدها الغاية والحكم، في سينما صنعها في الغالب الرجال وأرادت في المقام الأول مخاطبة جمهور من الرجال مغايري الجنس استنسخت بطبيعة الحال معايير مجتمعية سائدة ارتأت في جسد المرأة الإثارة قبل كل شيء. فمخرج الفيلم يستطيع أن يجعل من مشهد بسيط لسيدة تمشي في سوق الخضار مشهدًا جنسيًا، ولكن في حالة الممثل الرجل، فلا يظهر جسده مثيرًا إلا إذا كان ذلك من وجهة نظر امرأة "شبقة" تشتهيه وتراقب تفاصيله.

لم يظهر جسد الرجل كعامل مثير إلا من خلال عيون امرأة، وهذا ما كان جليًا في سينما الخمسينيات في مصر 

أستعرض في هذا المقال كيف ظهر جسد المرأة في السينما كعامل مثير بشكل مطلق بينما لم يظهر جسد الرجل كعامل مثير إلا من خلال عيون امرأة، وهذا ما كان جليًا في سينما الخمسينيات في مصر، حيث اتسمت تلك الفترة بمفهوم معين لشكل الذكر، وغالبًا قد رسخت لهذا الشكل منذ وقتها وحتى الآن في السينما المصرية. أستعرض كذلك دور الصراع الطبقي الذي ركزت عليه الدولة الناصرية في تشكيل الرجولة في السينما، حيث كان الصراع الدائر وقتها هو ضد طبقة الأغنياء التي أرادت السلطة الجديدة أن تقود انقلابًا شعبيًا ضدها، فلجأوا إلى السينما ليجعلوا منها محط سخرية، حيث يظهر الرجل الغني المدلل، صاحب الجلد الناعم ذو الجسد الدقيق في مقابل الرجل الفقير وهو الذكر الفحل، والفحل هنا معناها أن يكون رجلًا طويلًا عريضًا وذا عضلات مفتولة، يغطي جسمه شعر كثيف، وهو الذي يكد ويكدح بعضلاته ليكسب قوته ويبني المجتمع الجديد، مجتمع ما بعد ثورة 1952. 

الأمثلة التالية من من سينما الحقبة الناصرية تظهر هذا التناقض في التعامل مع الجسدين الأنثوي والذكوري، وتظهر كذلك انعكاس سياسات الدولة الناصرية على تمثيلات الرجال في أفلام تلك الفترة من حيث تركيزها على الرجولة كتعبير عن الصراع الطبقي.

الجسد الذكوري والجسد الأنثوي

لم تبدأ الأفلام التي تحصر الشكل الذكوري في دور الفحل وعدم اعتباره جسدًا مثيرًا في حد ذاته في مقابل جسد المرأة المثير، فورًا بعد ثورة 1952، بل أخذت بضع سنوات حتى بدأت السينما المصرية تقدم هذا الشكل والذي جرت بلوَرته والتأكيد عليه أكثر وأكثر مع الوقت. من أبرز الأمثلة على ذلك شخصية "لواحظ" الأنثوية التي تظهر في فيلمين من تلك الحقبة: "رنة خلخال" (1955) و"امرأة في الطريق" (1958) والتي ترى الرجل (ونراه نحن بعينيها) بصورة محددة أحللها هنا.

تظهر أقدام لامرأة ترتدي الخلخال، والخلخال في الثقافة العربية الشعبية عُرف بأنه مثير جنسيًا ويزيد المرأة أنوثة ودلالًا. مع الموسيقى ترتفع الكاميرا لأعلى كاشفة عن امرأة مثيرة (بالشكل المتعارف عليه للمرأة المثيرة في هذه الفترة): جسد ممشوق، وسط متماوج، وجه جميل بعينين واسعتين وحاجبين رفيعين مرتفعين ونظرة تملؤها الرغبة. 

كانت تلك هي مقدمة فيلم رنة خلخال. بطلة الفيلم والشخصية الرئيسية فيه هي "لواحظ" التي تقوم بدورها النجمة برلنتي عبد الحميد. مقدمة قد تبدو غير ملائمة لسياق الفيلم الدرامي. فلواحظ تظهر في الفيلم باعتبارها مسكينة غلبها الفقر فلجأت للتسوّل. لاحقًا، حين تجد منزلاً يؤويها وتصبح بغير حاجة إلى المال، تبدأ لواحظ بالفعل في اكتشاف أن لها جسدًا مثيرًا وأنها قادرة على استغلال فتنته للحصول على ما تريد. بغض النظر عن تطور الشخصية الدرامي، لم يجد المخرج ـ محمود ذو الفقار ـ حرجًا من طرح جسد بطلته من البداية كعامل جذب جنسي، وأن يُصرّ على هذا الطرح طوال الوقت وحتى ينتهي الفيلم بسبب أو بدون سبب. فلواحظ المرأة اللعوب، جسدها وشبقها وغوايتها هم أساس الفيلم ومحاور قصته. تمر الأحداث وتتزوج لواحظ من رجل عجوز، وهو نفسه الرجل الذي آواها بمنزله، ولكن يعجبها "حسن" ابن زوجها الشاب، وهنا فقط - وبرغم أن حسن هو بطل الفيلم الذي يظهر على الشاشة في أولى مشاهده - نبدأ كمتفرجين لأول مرة في رؤيته رجلًا مثيرًا، لأننا نراه للمرة الأولى من خلال عيون لواحظ.

يعمل حسن في الفرن الذي يقبع أسفل المنزل. النار موقدة، وحسن يمارس عمله عاري الصدر، فتظهر عضلات جسمه المنحوتة ببراعة. وبعينين شبقتين وحاجبين مرفوعين وروح جريئة تراقبه لواحظ ـ وهنا عليّ أن أسجل هذه النقطة: أشك أن اختيار اسم "لواحظ" في هذا السياق مصادفة، فهي عين الأنثى التي تلاحظ وتراقب وترغب بالضرورة. 

يصعد "حسن" إلى المنزل في الدور الأعلى وهو عاري الصدر، وقطرات العرق تتصبب لامعة فوق جسده، تزيدها بريقًا إضاءة تعرف جيدًا توظيف إمكانات خام الأبيض والأسود في إظهار لمعان الجسد، بينما يظهر في عينيه السوداوين الواسعتين الجميلتين استسلامه لرغباتها هي، استسلامه لشبقها هي، لواحظ التي كانت في استقباله. وهكذا لم يكن جسد "حسن" عامل إثارة في المطلق، هو فقط مثير لأن لواحظ رأته بهذا الشكل، أو أرادته على هذا الشكل، أما لواحظ فهي مثيرة بشكل عام، مثيرة في عيون "حسن"، في عيون المخرج، في عيون المشاهدين، والأهم في عيونها هي، ومنذ البداية حتى النهاية بغض النظر عن السياق المتغير.

image2.png

فيلم رنة خلخال (1955): لواحظ (برلنتي عبد الحميد) تراقب حسن (شكري سرحان).


لواحظ أخرى يقدمها لنا فيلم امرأة في الطريق إنتاج سنة 1958، وتقوم بدورها الفنانة هدى سلطان. الطاقة المثيرة التي تنبعث من لواحظ "امرأة في الطريق" مبررة أكثر، فهي في الأصل كانت غازيّة تعمل في الموالد. حتى المشاهد التي يظهر فيها المخرج جسدها المثير أمام الشاشة مُبرّرة دراميًا، على عكس المشاهد التي تركز على إثارة شخصية لواحظ في "رنة خلخال"، فنجدها في بداية ظهورها تتحرك حافية القدمين في أرض غمرتها الشمس، فتلسعها حرارتها، لتقفز بقدميها المشتعلتين بشكل مثير وتصدر تأوهات بصوتها المكتوم. 

أما البطل أمامها فهو "صابر"، الذي يظهر للمشاهدين للمرة الأولى وهو ينزل من سيارة نقل كبيرة (تريلا). "صابر" (يؤديه رشدي أباظة) رجل طويل القامة، عريض الكتفين، له صدر واسع. ويبدو أن المخرج لم يكن لديه أي تصور حول تقديم جسد الرجل بشكل مثير إلا من خلال مفردات سطحية عن شكل الذكر الفحل بالمنظور السائد اجتماعيًا. تنجذب لواحظ لصابر وتعشقه رغم أنه شقيق زوجها "حسنين" والذي هو صورة مخالفة لكل ما يمثله صابر من فحولة، فيظهر حسنين هزيلًا، قصيرًا، ضعيف البنيان، أملس الصدر، مشيته منكسرة وفيها شيء من الهوان، بعكس مشية صابر الذي يسير مفرود الجسم، واثق الخطوة، بل مضموم اليدين في أحيان كثيرة كي يظهر انفتال عضلاته جليًا كما حدث في أول مشهد. ويبدو أن إصرار المخرج على إبراز فحولة صابر قد جعل رشدي أباظة يبالغ في أدائه بصورة مفتعلة، فبدت مشية صابر في بعض المشاهد أقرب إلى الكوميدية.

يشبه صابر في رجولته بقية رجال المنطقة الذين يطمعون جميعهم في لواحظ: كلهم مفتولو العضلات، طوال القامة، وهو نموذج للفحولة كما تصورها المخرج، في مقابل حسنين الذي يظهر في صورة الرجل الضعيف، منقوص الذكورة، رغم أنه في إطار مختلف عن ذلك الذي وضعه له المخرج وبمعايير مختلفة عما يروجه الفيلم، قد يكون رجلا جذابًا بل ومثيرًا أيضًا. يظهر ذلك جليًا إذا ما عرفنا أن شكري سرحان، الممثل الذي يؤدي شخصية "حسنين"، هو نفس الممثل الذي قام بدور حسن في فيلم "رنة خلخال" و ظهر في شخصية الرجل المثير، فالفحولة إذن لا ترتبط بممثل بعينه، بل تعبّر عن نفسها خلال طريقة الأداء والكلام والحركة، ثم الصورة التي تتعامل بها الكاميرا مع جسد البطل. وهنا تردني خاطرة طريفة: في فيلم آخر وهو شباب امرأة الذي أخرجه صلاح أبو سيف سنة 1956 يتم تركيب شعر صدر مستعار لشكري سرحان كي يبدو أكثر ذكورة!

طوال أحداث فيلم "امرأة في الطريق"، لم يظهر جسد صابر في صورة مثيرة إلا من خلال عيون لواحظ وهي تلاحقه. تمامًا كمثيلتها في فيلم رنة خلخال، أخذت لواحظ هنا تراقب صابر من الطابق العلوي الذي تسكنه مع زوجها حسنين. ولأن أرضية حجرتها متصدعة، فقد استطاعت صنع فتحة تمكّنها من مراقبة صابر من خلالها أثناء نومه، تتأمله بعينيها المحرومتين الولهتين وهو في الفراش، فيظهر الجزء الأعلى من جسده عاريًا، بصدر واسع كثيف الشعر، بعضلات مفتولة وأكتاف عريضة. في كل هذه المشاهد التي يظهر فيها جسد صابر في صورة مثيرة، تظهر لواحظ في حالة اهتياج جنسي. فهنا أيضًا، ليست القضية جسد صابر بحدّ ذاته بل جسد لواحظ المهتاج بسبب صابر.

 

image3.png

فيلم امرأة على الطريق (1958): لواحظ (هدى سلطان) تراقب صابر (رشدي أباظة).

في مشهد آخر نرى والد صابر وهو يقوم ببعض أعمال الحدادة في غرفة صغيرة بجانب بيتهم. يقرر صابر الذي يقوم بإصلاح إحدى السيارات أمام البيت أن يساعد أباه العجوز، يدخل إلى غرفته، مرتديًا قميصًا مفتوحًا بلا أكمام يُظهر صدره وعضلات ذراعيه. وقف صابر بجانب النار الموقدة، أمسك بالمطرقة وأخذ يطرق قطعة حديدية مشتعلة حتى خضعت ولانت بفعل قوة طرقاته. ربما كان هذا هو المشهد الوحيد في الفيلم الذي يظهر فيه جسد صابر قويًا ومثيرًا بحق، دون أن يكون ذلك من وجهة نظر لواحظ، دون أن تراقبه عيناها وتتلصص على مفاتن ذكورته. ولكن هنا أيضًا لا يظهر الجسد الذكوري مستقلاً بذاته، لا يُستعرض في سبيل إبراز جمالياته أو مواطن الإثارة فيه (على عكس الجسد الأنثوي) ولكنه يُوظّف لخدمة فكرة مجتمعية محددة، فكرة الابن البار الذي يسعى لمراضاة أبيه حيث يحدث الصلح بينهما في نهاية المشهد، فكرة الرجل الذي تكتمل رجولته في توظيف جسده في مهمّته المثلى، العمل الكادح في صلابة وصبر مهما كانت الظروف وفي تناص مع أيدولوجية الدولة الناصرية وما تبنته من تصورات لتشكيل المواطن الذكر وترويض طاقاته.

توظيف الجسد الذكوري كترجمة للصراع الطبقي

إن توظيف جسد الرجل لخدمة أفكار بعينها بغض النظر عن جمالياته يظهر جليًا في عدد من أفلام الحقبة الناصرية، فبعد حركة الضباط الأحرار، حاولت الدولة إنتاج خطابات طبقية معينة والتركيز على التناقض بين الأغنياء والفقراء بما يتماشى مع توجهاتها السياسية. فنجد في هذه الأفلام تمثيلات لطبقة الأغنياء المرفّهين ذوي الجلد الناعم والصوت الرقيق، في مقابل طبقة الفقراء ذوي الجلد الخشن لأنهم يعملون ويكدحون، والصوت الغليظ الذي يؤكد رجولتهم وامتلاك ما لا يملكه الأغنياء، وأنّ أهم ما لا يملكه الأغنياء ويملكه الفقراء هو الرجولة والشرف، فتظهر في أفلام تلك الحقبة المباينة بين جسدي البطل الغني والبطل الفقير على مدى تطور الخط الدرامي في الفيلم والتي لا تهدف فقط للتأكيد على قيم ومعايير بعينها لمظهر الرجل الحق وطريقة أدائه، ولكنها تحوي أيضًا نوعًا من المواساة للمشاهد الذكر البسيط: فإن كان الله لم يعطه نعمة المال، فربما قد أنعم عليه بأن يكون شهمًا مكتمل الرجولة، محافظًا على القيم التي تمثلها و تؤكدها، ففي فيلم تمر حنة إنتاج سنة 1957، يأخذ المخرج حسين فوزي الصراع بين بطلي الفيلم "حسن" و"أحمد" إلى نقطة تجعله أبعد من كونه مجرد صراع من أجل الفوز بقلب امرأة (تمر حنة)، بل صراعًا طبقيًا بينهما. 

هناك نوع من المواساة للمشاهد الذكر البسيط: فإن كان الله لم يعطه نعمة المال، فربما قد أنعم عليه بأن يكون شهمًا مكتمل الرجولة

 

الفارق بين البطلين واضح وبشدة. فحسن الفقير (رشدي أباظة) هو مرة أخرى الذكر الفحل بطوله وعرضه، وشاربه الذي يملأ وجهه شاهد على رجولته وقوته وبالطبع عضلاته المفتولة. يبدأ الفيلم بمشهد المُولد حيث يعمل حسن، فنراه وهو يصرخ لاجتذاب الزبائن للعبته: "هنا العضل، هنا العضل، ما يضرب الكسونة (لعبة دفع حديدية) إلا الجدع" ويستقبله رفقاؤه مُحيين: "عاشت الرجالة!" قبل أن يذهب إلى صانع الوشوم ليدق له صورة حبيبته تمر حنه فوق جسده. بعدها نراه عاريًا يراقص عضلات صدره كي تتراقص صورة التمر حنة الغازيّة فوقه. أما "أحمد" الشاب الغني (أحمد رمزي) فيظهر في نفس المشهد قادمًا إلى المولد بسيارته الفاخرة، بصحبة صديقه وغفيره الذي يحرسه، يرتدي قميصًا أبيض أنيق يفصح عن جسد متناسق، ناعم الوجه حليق الشارب، بخلاف حارسه الذي يقف خلفه بشارب هائل، هاتفًا في كل مرة يشكك أحد في مقدرته "دا أنا أحلق شنبي وأبقى حرمة بين الرجالة". وفي النهاية حسن هو الذي يكسب قلب تمر حنة بفضل فحولته رغم فقره وبساطته.

image4.png

لقطة من فيلم تمر حنة (1957) يظهر فيها حسن (رشدي أباظة) مقابل أحمد (أحمد رمزي).

صراع مشابه نراه بين بطلي فيلم صراع في النيل إنتاج سنة 1959، تتكرر فيه المباينة بين صورة الرجل الفقير "الفحل" في مقابل سذاجة ورفاهية الرجل الميسور. فرغم أن كلا البطلين "مجاهد" و"محسب" من صعيد مصر المرتبط في الأذهان وفي العشرات من الأعمال الأدبية والفنية بفكرة النخوة الذكورية، إلا أن الفارق الطبقي بين البطلين قد جرى التعبير عنه هنا كذلك بالمباينة بين صورتين مختلفتين للذكورة. محسب (عمر الشريف) هو كما يكشف اسمه، صاحب حسب ونسب، ابن أحد كبار شيوخ البلد، أما مجاهد (رشدي أباظة) فهو المجاهد بحق، رجل لا يملك سوى قوت يومه الذي يكسبه بواسطة عمله بالأجرة، يظهر مجاهد واسع الصدر، كثيف الشعر، بينما يبدو محسب ضعيفًا، فلا عضلات مفتولة، ولا شعر كثيف يغطي جسده. ولأن محسب كان الابن الوحيد لأمه ولأنها كانت تخشى عليه من الحسد فقد وضعت في أذنه قرط كما تفعل النساء، حماية له من عيون الناس، ثم أنه قد نشأ نشأة ناعمة مُدلّلة، جعلته غير قادر على تحمل المسؤولية. بعكس مجاهد الذي يأتمنه كبار رجال القرية جميعًا على أموالهم وأعمالهم. هنا أيضًا يلعب رشدي أباظة شخصية الرجل الفقير، هنا أيضًا يؤدي أداءً يُظهر مجاهد في صورة الرجل الفحل والذي يظهر أول ما يظهر في أحد المعابد المصرية القديمة، بالزي الصعيدي التقليدي يناطح زميلاً له في لعبة التحطيب ويهزمه، ثم تطلب منه سائحة أجنبية أن تأخذ صورة له أمام المعبد وكأنه امتدادٌ للرجل للمصري القديم، الذي تجري في دمائه الفحولة من الأجداد إلى الأحفاد. بينما تترجم الشخصية المهزومة والسلبية لمحسب في مظهره الأقرب إلى النعومة، فلا شارب في وجهه، ولا عضلات مفتولة يبرزها جسده، ولا حيلة له مع زوجته اللعوب التي تستغله ولكنها لا تجد فيه رجلاً يُعشق رغم غناه وحسبه، فتنجذب بدورها إلى الرجل الحق، مجاهد. 

***

أراد هذا المقال إلقاء الضوء على عدد من الأفلام المصرية الهامة والتي ماتزال تلقى إقبالاً جماهيريًا واسعًا من أجيال مختلفة، ورغم أنها تنتمي كلها لحقبة زمنية محددة، لها ظروفها السياسية والمجتمعية الخاصة وتمثلت فيها اعتبارات جمالية ودرامية اتّسقت مع متطلبات تلك المرحلة وذوق جمهورها، إلا أن التعامل مع الجسد الذكوري في أفلام كثيرة أخرى في مختلف الفترات الزمنية اللاحقة لم يتغير كثيرًا، مهما تغيرت أسماء المخرجين وتوجهاتهم أو تعددت موضوعات الأفلام. بقيت السينما المصرية في هذا الصدد تحديدًا ذكورية الطابع، يخاطب صانعوها في الغالب جمهورًا من الرجال الغيريين وتتبنى جمالياتها تصورات معيارية عن الجنس والجسد، مفترضة أن في الجسد الأنثوي وحده تكمن آيات الإثارة ومواطن الفتنة، فتارة تحتفي الشاشة بجسد امرأة مثيرة تجعله محورًا للأحداث وموطنًا لاجتذاب نظرات الرجال واسترضاء رغباتهم سواء من أبطال الفيلم أو مشاهديه، وطورًا يكون شبقها هو المبرر والمعنى لظهور رجلٍ بجسدٍ مثير. في النهاية نحن بصدد منطق جمالي ذكوري للحياة، قد يتبناه حتى أولئك الذين لا يملّون حمل شعارات "لا للتمييز بين الذكر والأنثى".