الوشم الأمازيغي بلِسان الجدّات والحفيدات: إعادة صياغة تاريخ مطموس!

تُستَفز ذاكرتي كلّما رأيتُ وشومًا لرموزٍ أو حروفٍ أمازيغيّة، ما يدفعني لإعادة التفكير في إحياء هذا التقليد على جسدي. فعندما أتذكّر أنني أمازيغيّة الأصل وحفيدة أمازيغيّاتٍ افتخرن بالوشوم على جباههن وأذقانهن وأعناقهن، وأحيانًا أياديهن، وأنّ أمّهاتهن وجدّاتهن رسَمن وشومًا حتّى على أكثر المناطق حميميّةً في أجسادهن، أجدني حانقةً على الطريقة التي أُبْعدِنا بها عن عاداتٍ وطقوسٍ لطالما جعلَتني فخورةً بكوني أمازيغيّة، وقيَّدت حرّية تصرّفي بجسدي بحساباتٍ عدّة. 

حاولتُ في هذه المقالة أن أسأل نساء جيلي المُتحدّرات من أصولٍ أمازيغيّةٍ عن علاقتهن بالوشم الأمازيغي ورغبتهنّ به، وبحثتُ في الريف عن آخر جيلٍ من النساء الأمازيغيّات اللواتي حافَظن على الوشوم، وإن كانت غالبية النساء اللواتي لا يزلن على قيد الحياة يتهرّبن من الحديث عن وشومهنّ خوفًا، إذ يقُلن: ما ارتكبناه سيءٌ جدًّا لآخرتنا.

بما أنّ التاريخ الأمازيغي شفويّ بمعظمه، يكاد يستحيل تحديد تاريخ بداية تبنّي الوشم. مع ذلك، حاول بعض المؤرخّين تحديده، وتبيّن أنّ ظاهرة الوشم انتشرَت بدايةً في إفريقيا التي سكنها الأمازيغ منذ آلاف السنين، تأثّرًا بالعادات المسيحيّة للإمبراطورية الرومانية.1

ثِچَّازْ، بالأمازيغيّة، هو ما يُنقش بإبرةٍ تقليديّةٍ على وجه المرأة أو عنقها أو يدها. عندما يصبح الشكل واضحًا، يُحكُّ النقش بنبتةٍ صبغيّةٍ خضراء أو رماد الكُحل، وبعد فترةٍ تظهر معالم الوشم بوضوحٍ أكبر ويصبح دائمًا. مرّ الوشم الأمازيغي بمراحل عدّة، كان آخرها الإبقاء على خطٍّ يتفرّع من تحت شفتَي صاحبته إلى أسفل ذقنها، فيما أبقَت أخرياتٌ على خطٍّ بين الحاجبَين وسط الجبين، وهو من رواسب تقليدٍ سائدٍ في الثقافة الأمازيغيّة.

حافظَت المرأة الأمازيغيّة المغربيّة على إرث الوشم لمدّةٍ طويلة، إلى أن انحسَرت هذه العادة تدريجيًا بدءًا من أواخر أربعينات القرن الماضي عندما انتشر الإسلام بشكله المُحافظ والمُتشدِّد في شمال إفريقيا، ولاحقًا مع دخول تسجيلات الكاسيت المُدبلجة إلى الأمازيغيّة إلى البيوت، والتي ساعدت في غزو خُطب التحريم العقول. لقد حرّموا أيّ ممارسةٍ غير مذكورةٍ في الأحاديث أو القرآن.

كنتُ صغيرةً في حينها، لكني أتذكّر جيّدًا بدايات هذا التأثير الذي يمكن وصفه بالآتي: تتسلّم جدّتي الأمّيّة جهاز التسجيل من جدّي بعد انتهاء نشرة الأخبار، تضغط على زر تشغيل الكاسيت فتنطلق منه عظاتُ التهويل والنهي والتحريم. أُرغمَت المرأة الأمازيغيّة على التخلّي عن حرّية التصرّف في جسدها وعن عاداتها التي ورثتها عن حضارتها الأم.

الوشم هو ذاكرة جسدٍ تنقل حكاياتٍ عمرها قرون. تلاشي هذه الثقافة هو خسارةٌ فادحةٌ لنا جميعًا

اتخذ الوشم الأمازيغي دلالاتٍ عدّةً في تواليه عبر السنين، فكان رمزًا للشجاعة والوفاء والإخلاص والانتماء إلى القبيلة. اعتُبر الوشم وسيلةً للتواصل الحيّزي في أنثروبولوجيا الأمازيغ، إذ كان وشم كلّ قبيلةٍ مُميّزًا عن الأخرى، وكانت تُعرف قبيلة المرأة من وشمها. أمّا في دلالته الهوياتيّة، فقد كان الوشم ظاهرةً سيميائيةً للثقافة الأمازيغيّة ومؤشّرًا لأصالةٍ حضاريّة. أيضًا، تميّز الوشم ببعدٍ جمالي عند النساء الأمازيغيّات يبرز مفاتنهن، مثلًا تشير علامة (+) إلى حرف التاء في الأبجديّة الأمازيغيّة، وهي مستوحاةٌ من كلمة "تامطوث" بمعنى المرأة الناضجة الجميلة. كذلك أصبح نقش الوشم طقسًا يوجّه إلى الجنس الآخر، وينقل الرسائل عبر الأشعار التي تكتب وتنشد بالأمازيغيّة لإعلان خصوبة المرأة واكتمال نضجها الجسدي والجنسي واستعدادها للالتحام مع الشريك، وهو ما يُعبّر عنه بيت الشعر التالي:

"ماما أثان ثيكاز سادو وابر … ثكيثنت إيوحبيب أرياز أتيقابر"2

وشمَت الأمهات الأمازيغيّات بناتهنّ اعتقادًا بأنّ الوشم يحميهنّ من الأمراض وفق شهادة سيّدةٍ رفضَت الكشف عن اسمها، التقيتُ بها في جولتي الاستقصائيّة، ودفعني صغر سنّها بالنسبة لامرأةٍ موشومةٍ إلى استيقافها وسؤالها عن سبب رسمها الوشم. أجابتني: 

"كنتُ طفلةً عندما أخذتني أمي إلى سوق الأربعاء الأسبوعي من دون علم أبي لتنقش ذقني عند الواشمة. عندما كبرتُ علمتُ أنّها أرادت أن تحميني من المرض".

تحكي فاطمة، امرأةٌ ثمانينيةٌ من قبيلة بني عبد الله، باختصار، عن الخطّ الموشوم على ذقنها:

"كنتُ مراهقة، مشيتُ مسافةً طويلةً كما كلّ سبتٍ لزيارة السوق الأسبوعي، ذهبتُ عند الواشمة التي حفرَت بإبرةٍ خطًّا على ذقني يبدأ من حدود الشفة السفُلى، وعندما سال الدّمّ، حكّت الجرح بنبتةٍ خضراء ليُصبغ الخطّ بلونها. كانت كلّ امرأةٍ بسنّي تضع الوشم وتتباهى به، فهو أشبه بتقليدٍ تجميلي ومُحاكاةٍ للقرينات. أمّا الوشم على يدي فقد صنعتُه بنفسي، كنتُ أذهب لرَعي الغنم، ووشمتُه بشوك الصبّار. كنّا نتزيّن بالوشم، ولم يعاتبنا أحدٌ على ذلك كونه كان تقليدًا مُتداولًا".

إلى ذلك، تقول عليّة التمسمانية - نسبةً إلى قبيلتها:

"لا أعرف لمَ كانت الفتيات يضَعن تلك الخطوط، لكن وُلدَت لديّ رغبةٌ في أن أرسم وشمًا أيضًا. طلبتُ من أمّي أن تسمح لي بذلك، لكنّها رفضَت. رجوتُها إلى أن قبلَت، فحملتُ بيضتَين وذهبتُ بهما إلى الواشمة مقابل أن تنقش ذقني بخطٍّ أو وشم".

من جيل الجدّات اللواتي لا يتحدّثن ولا يتذكّرن الكثير عن وشومهن، انتقلتُ إلى شابّاتٍ أمازيغيّاتٍ وُلدن في التسعينات ونشأنَ في وسطٍ أمازيغي يكاد لا يحفظ من أمازيغيّته سوى اللغة المنطوقة فحسب.

حنان، شابّةٌ أمازيغيّةٌ تتحدّر من الناظور وتعيش وتعمل في الدوحة، تصف علاقتها بالوشم الأمازيغي قائلة:

"كانت علاقتي مع الوشم خاصّةً ولا تزال. كبرتُ وأنا أرى جدّاتي وكثيراتٍ بسنّهنّ يحملن وشومًا خضراء تُزيِّن وجوههن وأعناقهن وحتّى أياديهن، وشومًا برموزٍ أمازيغيّة تحاكي الطبيعة. كانت الطبيعة والمرأة من أهمّ ركائز المجتمع الأمازيغي. ما زالت عيناي تلمعان دهشةً كلّما رأيتُ امرأةً بوشمٍ على الرغم من ندرة النساء اللواتي احتفظن بأوشامهنّ. أتذكّر محاولاتي الدائمة لرسم جسدي بقلم الكُحل تشبّهًا بهنّ".

يمثّل الوشمُ بالنسبة لي أكثر من مجرّد زينة، إنّه ثقافةٌ فريدةٌ تُميّز الأمازيغيّات. الوشم هو ذاكرة جسدٍ تنقل حكاياتٍ عمرها قرون. تلاشي هذه الثقافة هو خسارةٌ فادحةٌ لنا جميعًا؛ جزءٌ كبيرٌ من تاريخنا وهويّتنا يُطمس إلى الأبد. أتذكّر جيّدًا، وبغصّة، أحاديثَ كثيرةً عن الوشم، بسبب انتمائي إلى مدينةٍ تغلغل فيها المدّ الوهابي، وأُجبرَت العديد من النساء الأمازيغيّات على التخلّص من الوشوم على أجسادهنّ لمسح ما اعتبَرنه لعنةً أو خطيئةً أو عار. حصل ذلك بطرقٍ مختلفة، سواء بوسائل طبيّةٍ مُكلفةٍ مثل عمليّات "لايزر"، أو بطرقٍ مؤذيةٍ مثل مسح الوشم بماء النار. لكن بالرغم من كلّ المحاولات لطمس ثقافة الوشم وطيّ صفحتها، ما زلتُ أفكّر في نقش وشمٍ على جسدي يضمّ رموزًا أمازيغيّة، فهي بالنسبة لي تتعدّى جماليّة الشكل وتجعلني أتشبّه بجدّاتي والنساء اللواتي أنتمي إليهن.

أمّا إيمان، شابّةٌ أمازيغيّةٌ في أواخر العشرينات تعيش في فرنسا وتعمل في مجالَي الجمعيّات والتربية، فلا تخفي تعلّقها بأمازيغيّتها:

"راودَتني فكرة الوشم طبعًا، لكن ما مرّره إلينا أهالينا من نهيٍ عن القيام بهذه الخطوة جعلَني أنسى الأمر تمامًا. السّيء في الموضوع ليس عدم حفاظ جيل الأمّهات على ثقافة الوشم، بل منع جيلي عنها أيضًا. أستغرب مدى حضور كلمة حرام في قضية الوشم، على الرغم من أنّ جدّاتنا كنّ مسلماتٍ بالممارسة عندما وضَعن الوشم، ولم يُحرّم عليهن. آسفُ على الوضع اليومَ لأنّ الوشم الأمازيغي لم يكن مجرّد حُلي، بل كان انتماءً إلى الأمازيغيّة والقبيلة، وبزواله نفقد هذه الصلة".

تقول أمال، فنانةٌ في منتصف العشرينات تتحدّر من قبيلة آيت بوكماز، وتفتخر بثقافتها الأمازيغيّة وتُحبّ دمج رسوماتها بما يتصل بجذورها:

"أنا شبه مقتنعةٍ برغبتي بتزيين جسدي بوشمٍ أمازيغي، لكنّي كنتُ أخشى التحريم، وهو ما يدفعني للبحث عن أجوبةٍ تدعم رغبتي في الحصول الوشم وتحصّنها بحججٍ مُضادة. أود أن أحفظ أمازيغيّتي على جسدي".

تضيف آمال:

"تصلُني رسائل على صفحتي من أشخاصٍ يريدون أن أصمّم لهم شكل وشمٍ أمازيغي، ما يعني أنّ الحفاظ على الوشم الأمازيغي لا يزال مُمكنًا".

في الخلاصة، تراجع عادة الوشم الأمازيغي أو حروف تيفيناغ لا يعني أنّها اختفت تمامًا، فمحاولات تخليدها لا تزال موجودة، وإن كان على الجسد بدلًا من الوجه كما كان مُتوارثًا. تأتي هذه المحاولات من أجل حفظ ما تبقّى من الذاكرة الأمازيغيّة التي طُمِست بشكلٍ مُمنهجٍ عبر الأجيال، فالأسماء الأمازيغيّة مثلاً كانت ممنوعةً في المغرب حتى الأمس القريب، ولا يزال المغاربة من غير الأمازيغ يستغربون استمرار الأمازيغ بمحادثة أطفالهم بلغتهم.