هل سأكتفي بإخفاء ندوبي؟

كبرت في مجتمع يُلخّص الجمال في استدارة الوجه وخلوّه من أيّة آثارٍ أو ندوبٍ

بينما كنت أبحث عن واقي للشمس، انتبهت إلى أن الفتاة الخائفة من أشعّتها القويّة وتأثيرها على ندوبها تستيقظ بداخلي. قبل عام، اختصرت الطريق على نفسي واختبأت من الشمس في غرفتي وأغلقت كلّ النوافذ. كنتُ أستيقظ في الليل وأنام بالنهار كي لا أسمح للندوب بأن تُرى وتتحرّش بالندوب الأخرى غير المرئية.

ما زالت عبارة ''مباينينش'' تُغيظني كثيرّا. هذه العبارة التي يُردّدها البعض على مسامعي لمواساتي. ندبة فوق شفتي وندبة على عظمة الأنف وأخرى عند زاويته، هي الندوب الظاهرة التي تركها حادث سيرٍ مروّعٍ على وجهي، لكن ندوبّا أخرى مستعصية على الوصف تُركت بداخلي.

اكتشفت إلى أيّ مدى قد يصل تقديسنا لأجسادنا على حساب ذواتنا، فبينما كانت ذاتي الداخلية تتخبط وتتألم بسبب آثار الحادث ونوبات الهلع المسيطرة عليّ، بقيتُ أصرخ باحثةً عن طُرق لمحو هذه الندوب لا غير. بعد مرور ثلاثة أشهر على الحادث استيقظت من الصدمة ذات مساءٍ وأنا أصرخ قبالة المرآة: "لماذا لم تخبروني بأنّ هذه الندوب دائمة وليست مؤقتة؟". أتذكّر الهستيريا التي تتملّكني عندما أسأل عن موعد جلسات الليزر لمحو آثار ندوب وجهي التي أُضيفت إليها ندبتان أخريان بسبب لا مهنية الطبيب الذي أجرى لي جراحةً لتقويم كتفي ومعصمي المكسورين. ما زلت إلى اليوم أدعي عليه وأتمنّى أن تُبتر يده التي لا تعرف كيف تخيط الجرح وإنّما تشوّهه. 

كانت أوّل ندبة حظيت بها في قدمي اليُسرى وأنا طفلة صغيرة عن طريق الخطأ. ومنذ ذلك الوقت وأنا لا أحتمل رؤية أي ندبة حتى لو كان خدشًا صغيرًا على جسدي. وكنت إذا ما تعرضت إلى كدمةٍ أظل قلقةً أراقبها حتّى تختفي آثارها. كبرت وأنا مهووسة بالحفاظ على جسدي المثالي وحماية جمالي. لكن عندما جُرح هذا الجمال اهتزّت ثقتي بنفسي واكتأبت وتحاشيت المناسبات العائلية ولقاء المعارف والأصدقاء والخروج إلى الشارع. وبدأت في البحث عن طريقة لإعادة جمالي إلى سابق عهده أكثر من اهتمامي بكلام الأطباء عن كسور ظهري وتزحزح فقرة الأطلس في عنقي.

عندما كنت أخبّر أصدقائي وصديقاتي بأنّني سأقوم بعملية لتعديل شكل أنفي الذي كُسر هو الآخر، كانوا يمازحونني قائلين: ''عندما تقومين بعمليّة التجميل الأولى سترغبين في تعديلات أخرى ولن تتوقّفي''. مُزاحهم هذا جعلني أفكر في مدى إمكانية حدوث الأمر، هل سأفتح حقّا بابًا لطالما كنت أراه مُقفلًا بإحكام؟ ما زال هذا السؤال يسبح داخل رأسي، ورغم أنّني زرت طبيب تجميلٍ لأعرف رأيه في حالتي إلا أني ما زلت أسأل نفسي هل أودّ حقًا الدخول إلى هذا العالم؟ لا أريد تكبير شفاهي أو رفع مؤخرتي أو نحت جسمي، أريد فقط أن يعود أنفي كما كان وأغيظ أخصائيّة جراحة الفم والوجه والفكّين التي قالت لي مرّة: "الكأس عندما ينكسر لا يعود إلى شكله الأصليّ".

كبرت في مجتمع يُلخّص الجمال في استدارة الوجه وخلوّه من أيّة آثارٍ أو ندوبٍ حيث نقول: "وجهها صافي مثل الحليب" أو "وجهها مثل القمر" أو "وجهها مثل البدر نوره". كنتُ أعتقد مثل الجميع بأنّ هذا هو الجمال الحقيقيّ ولكنّ الحادث بعثرني وبعثر مسلّماتي فصرت أنظر إلى ندوبي في المرآة وأعيد تفكيك مفهوم الجمال ومساءلة المعايير المُجتمعيّة. أبحث في داخلي عن معنى الجمال بعيدًا عن التقييدات والضوابط. مازال البحث جاريًا.

ومع كلّ هذا وبعد كلّ هذا الوقت استطعت تقبل ندوبي الظاهرة لكنّي أفضّل ألاّ أراها لأنّها تذكرني بندوبي الأكثر ثقلَا، تلك المنزوية في ركنٍ مظلمٍ من الذاكرة.

رغم تأثّري الواضح بمعايير الجمال التقليديّة إلاّ أنّني كنتُ أقول "أنا أكثر بكثيرٍ من مجرّد شكل" وأعتقد أنّه حان الوقت لإدخال هذه الجملة حيّز التطبيق. عدت إلى الخروج وأنا أرتدي ثقتي بكياني بدل ثقتي بشكلي، لكن الآخرين ظلّوا يرمقونني بنظرات استغرابٍ ملفوفةٍ بدهشةٍ من جرأتي على الخروج إلى الشارع ضاحكةً منطلقةً وأنا الفتاة المكسورة والمندوبة. اكترثت في البداية لهذه النظرات لكنّي استطعت لاحقًا أن أعكسها وأحوّلها إلى جرعات قوةٍ رغم أني كنت ومازلت أشكّ في قدرتي على الصمود طويلًا ضد يقينهم بأنّ جمالي قد خُدش.

انتبهت إلى أنّ هذا الشكّ وليد ندوبي الداخلية التي مهما حاولت أن أدفنها بداخلي إلا أنها تصعد إلى السطح لتُظهر لي أن المسألة ليست مجرد ندوبٍ ظاهرةٍ يُمكن لجلسات ليزر محوها وإنما المسألة مسألة جروحٍ لم تلتئم بعد بداخلي وإن توقفت عن النزيف.

مرّت سنة وسبعة أشهرٍ على الحادث، لكني أحس وكأنه حدث بالأمس القريب لثقل ما خلّفه عليّ. فالندوب التي تشكّلت بفعل قوة الصدمة على ذهني وتردد صدى تحطّم زجاج السيارة في رأسي وهي تنقلب مرتين على التوالي وعدم تقبل عقلي لما حدث عندما يحكون لي عن كيفية عودتي من الموت حرفيًا لأنّ ذاكرتي محت كل التفاصيل، والندوب التي رسمها على وجهي تمرجحي في الكرسي الخلفي للسيارة وهي تنقلب بنا وندوب العمليات الجراحية التي خيطتها يد جزارٍ بدل يد طبيب، ووشوشة الناس فيما بينهم عند رؤيتي، حاضرة في وجداني وترافق يومي الطويل. 

ومع كلّ هذا وبعد كلّ هذا الوقت استطعت تقبل ندوبي الظاهرة لكنّي أفضّل ألاّ أراها لأنّها تذكرني بندوبي الأكثر ثقلَا، تلك المنزوية في ركنٍ مظلمٍ من الذاكرة. ويظلّ السؤال قائمًا: هل سأكتفي بإخفاء ندوبي؟