البعض يخرج من الخزانة مرتين

علقت هذه الجملة في أذني طوال ثلاث سنوات. ظللت أتساءل: هل ما قالته أمي لي صحيح؟ هل أنا لست رجلًا لأنني أنجذب لنفس الجنس؟

خرجت من الخزانة في عُمر مُبكر عما كنت أخطط له. كانت فكرة الخروج من الخزانة دائمًا خطوة تستحق التفكير ألف مرة قبل الإقدام عليها، خاصة لأنني كنت أسكن مع أهلي وكنت معتمدًا على إعالتهم لي ماديًا. لن أتطرق إلى تفاصيل الصراع معهم و محاولاتي البائسة لجعلهم يتقبلونني كما أنا. لكنني أتذكر جملة قالتها أمي لي خلال أحد نقاشاتنا التي كانت أميل إلى تبادل الصراخ "آه، مانت خلاص بقيت مش راجل".

علقت هذه الجملة في أذني طوال ثلاث سنوات. ظللت أتساءل: هل ما قالته أمي لي صحيح؟ هل أنا لست رجلًا لأنني أنجذب لنفس الجنس؟

في الواقع أنا الآن لست برجل، أخذت ثلاث سنوات من حياتي لأتوصّل لهذا الفهم لذاتي. أنا لا أعرّف نفسي كرجل، أو حتى كامرأة إن كان هذا ما قد يفكر فيه البعض. أنا لست عابرة جنسيًا أو جندريًا، أنا لا أنتمي إلى الثنائية الجندرية بأي شكل من الأشكال. لكن التوصل إلى هذا الأمر لم يكن بهذه السهولة.

كبرنا كده

نشأت في عائلة أصلها من صعيد مصر حيث الرزق بمولود ذكر هو بمثابة عيد بالنسبة للعائلة ويُربّى المولود على أن يكون "راجل "، فيُرضّع الطفل كل المفاهيم والأفكار الذكورية المتأصلة في المجتمع المصري: كرجل عليك أن تقدم نفسك بشكل وأداء محدد في المجتمع، يجب أن لا تكون مسالمًا، هادئًا أو حساسًا، لايمكنك التعبير عن مشاعرك، لا تبكِ، لا تسامح ولا تتهاون.


علّمني أبي منذ صغري بأن لا أتهاون مع الأشخاص، فكان يعنفني دومًا عندما كنت أعود من المدرسة وأشكو من تعرضي للتنمّر، كان يصيح بوجهي "اللي يضربك اضربه، وعايز بكرة المدرسة تتصل بيا تقولي ابنك بيتخانق وهنرفده… اترفد، المهم تبقى راجل وتاخد حقك". لم أكن مرتاحًا مع هذا الأسلوب في التعامل مع المشكلة ولم أرتح مع أوامر أبي لي بأن أتشاجر وأضرب وأتلقّى الضرب، فلست بشخصٍ عنيفٍ بطبعي ولا أتقبّل العنف. 

في فترة المراهقة كان مفهوم الرجولة عند عائلتي أن أرتاد مجالس العائلات مرتديًا جلبابًا "صعيديًا" وأن أحمل رخصة سلاح، كما نرى بعض الأوقات في المسلسلات التلفزيونية التي تدور أحداثها في الصعيد المصري. لم تكن هذه الأشياء تثير فيّ الحماس على عكس أخي الأصغر الذي كان دائمًا متحمسًا لفعل هذا وأكثر... أما أنا فكنت لا أجد أن مكاني هو تلك المجالس المليئة بأفكار وموضوعات لا أجد فيها أقل قدر من الاهتمام.

كانت هناك فعاليتان رئيسيتان في هذه المجالس: في البداية يجتمع الرجال، والرجال فقط، لنقاش قضايا وأمور القرية عمومًا، ويدير النقاش النائب الذي يمثل الدائرة التي تشمل قريتنا والقرى المجاورة، ومن ثم ينسحب الشباب إلى زاوية في المندرة، وهي صالة كبيرة تستخدم للمناسبات الاجتماعية من أفراح ومآتم، ويبدأون الحديث في الجنس. كنت أكره حديث الشباب وأراه أسوأ ما في هذه المجالس. دائمًا وأبدًا يدور الحديث ويعود لهذه النقطة، ومن هنا يبدأون بالتعبير عن رغباتهم وخيالاتهم الجنسية والتي تنمّ عن كبتٍ جنسيٍ واضح. كانوا يستعرضون فحولتهم عبر القصص التي يروونها عن بطولاتهم الجنسية، حتى أن الأمر كان يصل إلى حد اختلاق قصص جامحة لمجرد إبهار البقيّة. وكان الموجودون يتبادلون مقاطع إباحية يحفظونها على هواتفهم، حيث كانت لدى الكثير منهم هواية تجميع هذه المقاطع تمامًا كجمع الطوابع، ويتنافسون من يملك أكبر مكتبة منها وأكثرها تنوعًا. كان أبي يدفعني للانضمام إلى مجلس الشباب وعندما كنت أعبر عن عدم رغبتي في هذا كان يجيب "دول أهلك وقرايبك ولازم تبقوا صحاب". 

كان مفهوم الرجولة لدى عائلتي يمتد كذلك لشعري وألوان ملابسي. " الراجل مش بيربي شعره زي البنات" كانت جملة تتردد على لسان والدي محدّدة أن المظهر هو من أهم سمات الرجولة، فالرجل يجب أن لا يزيد طول شعره عن حد معين وإلا سيكون شبيهًا بالنساء، وسيخسر احترام المجتمع وبالتأكيد سيقلل من رجولته. "مينفعش تلبس دا، دا لون بناتي"، كانت هناك ألوان مُحرّمة كالوردي والأحمر. 

لكنني كنت وما زلت أحب هذه الألوان وأجد أنها تناسبني بشدة! في فترة المراهقة عندما تمكنت من التسوق بمفردي كنت أستطيع اختيار اللون الأحمر والوردي لملابسي. وبالطبع حال عودتي إلى المنزل، كنت أواجه عاصفة من التهديدات من والديّ بالعواقب التي ستقع عليّ في حال لم أُعد هذا القميص الأحمر أو هذا البنطال الضيّق الذي لا يليق ب"رجل" محترم أو بابن فلان الفلاني. في تلك المرحلة كنت قد طوّرت القدرة الكافية للاعتراض والمواجهة بأنني أحب هذه الألوان، ولا أهتم بالعواقب.

الخروج من الخزانة، مرة أخرى 

بعد رحلة طويلة وحفر عميق توصلت إلى أنني أميل جنسيًا للذكور وخرجت من الخزانة كما رويت لكن.م. غير أنّه كانت هناك حلقة مفقودة، حيث أنني في مرحلة ما وجدت نفسي أنجذب للنساء بطريقة غير جنسية. كنت أريد أن أكون امرأة لكن في جسدي الحالي وبلا تغيير. في محاولة لفهم ما أشعر به قمت بالبحث في كثير من الأماكن وسؤال الكثير من الأشخاص وتوصلت في النهاية إلى أنني خارج الثنائية الجندرية. 

لم يكن تقبّلي لهذا الأمر بهذه البساطة فهو عكس ما نشأت عليه تمامًا، بداية من المظهر الخارجي حتى الضمير المخاطب. فبعد أن كنت لا أشعر بالراحة وأحيانًا أنزعج إذا خاطبني أحدهم بضمير مختلف، أو لأكون أكثر دقة، إذا قال لي أحدهم " أنتِ"، وكنت أعترض وأثور قائلًا "أنا ولد وتكلمني بالضمير هو"، أجد نفسي الآن مرتاحًا مع أي ضمير يُستخدم لمخاطبتي. فيمكن للأشخاص استخدام الضمير هو أو هي في الحديث معي أو عني، ومع أنّ البعض قد يستخدم الضمير المؤنث في مخاطبة الأشخاص للتقليل من شأنهم او إهانتهم، إلا أنني لا أجد مشكلة في حال قال لي أحدهم "أنتِ". لم يعد الضمير المخاطب أمرًا يعنيني، فاللغة العربية بها ضميران وأنا أشعر بالارتياح مع أي منهما.

في بداية الأمر لم أكن مرتاحة تمامًا مع ما أصبحت عليه، أو اكتشفته في نفسي، كنت أشعر أن هناك أمر خاطئ. كنت أفكر هل هذا أمر طبيعي؟ هل هذا أنا فعلًا؟ وكانت الإجابة أن هذه مجرد أعراض انسحاب من أفكار وأمور سمعناها وعلقت في أدمغتنا حتى أصبحت مثبتة في مكان ما داخلنا وهي "الرجالة هيفضلوا رجالة والستات هيفضلوا ستات". أما الآن، فأستطيع قول لا لهذه المقولة، وأجزم أن الأفضل أن نقول: "الرجالة ممكن يبقوا ستات، والستات ممكن يكونوا رجالة، أو ولا حاجة من الاتنين -- المهم هما عايزين إيه".

بعد ثلاث سنوات من الخروج الأول من الخزانة كرجل مثلي، هأنذا أخرج لنفسي من الخزانة كشخص لا تنتمي إلى الثنائية الجندرية.

المواعدة والرجولية الهشة

مع أنه بإمكاننا اليوم تحديد هويتنا الجندرية وضمير المخاطبة الذي نفضله، في الحياة العادية وحتى على تطبيقات المواعدة الخاصة بمجتمع الميم، إلا أن الأمور ليست ببساطة إعلان تفضيلاتنا. الواقع معقد أكثر من ذلك بكثير، وما زالت الرجولة الهشة تلعب دورها بوضوح في إملاء قواعد تفاعلنا مع بعضنا البعض. 

"بس أنا عايز راجل كامل" كان هذا رد أحد الأشخاص بعد شرحي كلمة "Non-binary" الموجودة على ملفي الشخصي على تطبيق المواعدة الذي جمعنا. لا أعلم حتى الآن ما الذي كان يقصده بـ"رجل كامل"، لكن لم يكن هو الوحيد الذي يفكر هكذا.

كوني لا أنتمي إلى الثنائية الجندرية، أواجه محاولات للبعض بأن يضعوا لي أدوارًا محددة في العلاقة الجنسية. كوني لا أقوم بتعريف نفسي كرجل فإنهم يرون أن هذا يعني أنني لا أستطيع قيادة العلاقة. "إنت بتقول إنك مش راجل، وعايز تعمل معايا كده؟ طب أنا مش موافق" كان رد أحد الأشخاص على تطبيق مواعدة لأنني أقوم بالدور المسيطر - Top - في العلاقة الجنسية. وجد أن هذا يقلل من رجولته، أن يقوم أحد "مثلي" - ومقصود هنا بها خارج الثنائية الجندرية- بقيادته داخل العلاقة الجنسية. 

لست الشخص الوحيد الذي قابل أشخاصًا يجدون مشكلة في استيعاب معنى أن تكون خارج الثنائية الجندرية. صديقي أحمد تواجهه نفس المشكلة. يحكي لي أنه تعرف على شخص عن طريق تطبيق مواعدة وأخبره أنه لا ينتمي للثنائية الجندرية، فكان رد الشخص: " يعني إنت متحول، وعايز تبقى بنت؟". حاول أحمد توضيح أنه ليس عابرة جندريًا أو جنسيًا، فكان سؤال الشخص عن أعضائها التناسلية إن كانت ذكرية أو أنثوية!

رجل لرجل: أحمر شفاه بين اللّحى

هذه أول وأهم قاعدة بين الرجال المثليين؛ رجل يرغب في رجل آخر، فإذا كان تعريفك لنفسك يختلف عن "رجل"، يقلّ ترتيبك في هرم الامتيازات درجة. كلما ابتعد تعبيرك الجندري عن مفهوم الرجولة التقليدي، كلما نقصت امتيازاتك بين الرجال المثليين (وهي أصلاً ناقصة عن الرجال الغيريين في نظر المجتمع). أما أن تكون شخصًا خارج الثنائية الجندرية ويرغب في الرجال، فهذا أمرٌ يجده الكثير من الرجال المثليين عصيًا على الاستيعاب. ذكوريتهم المترسخة داخلهم لا تسمح لهم أن يكونوا في علاقة مع شخص ضميره المخاطب "هي" أو شخص قد يضع أحمر شفاه أو مظهره الخارجي لا يشبه رجلاً مشعر الجسد توشك عضلاته على الفتك بملابسه. كشخص خارج الثنائية الجندرية، أجد نفسي خارج هذه المعادلة تمامًا، فأنا أكبر مخاوفهم وعكس كل ما يحلم به أحدهم، صاحب أقل امتيازات بين رجال الكهف، صاحبة أحمر شفاه بين كل هذه اللحى. 

لم أعد أهتم بما يظنه الأشخاص الذين يمرون بجانبي في الطرقات ويرمقونني بنظرات ساخطة بسبب طول شعري الزائد عن الحد المفروض على "الرجال" في المجتمع، أو لأن أحمر شفاهي واضح اليوم أكثر من أمس، أو لأنني أرتدي في الصالة الرياضية بنطالًا رياضيًا اشتريته من القسم "النسائي" ، ولا تعنيني تمتمة أحدهم بالاستغفار عند رؤيتي كأنني أحد علامات الساعة. كل شيءٍ حولنا يمكنه أن يكون للجنسين إذا أصبحت الناس أقل فظاظة، وأنا لم أخرج من الخزانة مرتين لأعود إليها. كما لم أهتم هذه المرة بالخروج لأهلي كشخص خارج الثنائية الجندرية، فقد خرجت لنفسي وهذا ما يهم. 

تركت صف الرجال ولم أنضم إلى صف النساء، أصبحت أقل ثقلاً لكنني في حالة تأهب دائمًا لردّ كل كلمة أو فعل قد يؤذيني، ومع هذا أعيش في سعادة وتقبل لذاتي تفوقان الوصف. هذه الطريقة التي أرغب أن أكون بها، لن أنتظر حتى تأتيني الفرصة لمغادرة بلادي لأصبح من أنا عليه، لست برجل أو امرأة ، فأنا... أنا.