في معنى الخوف من الصورة

 

 

يصلني إشعار رسالةٍ على الهاتف المحمول من عمتي تقول "لقد وصلني ظرفٌ فيه صور، ماذا أفعل به؟". تتسارع ضربات قلبي ولا أستطيع الرد عليها بأيّة كلمة، أتصل بصديقتي وأقول لها: "أعتقد أنني فُضحت". تُهدّئ صديقتي من روعي وتحاول أن تتحدث معي بعقلانيّة، "لا يمكن أن تكون الصور فاضحة، هي فقط صورٌ عائلية قديمة لكم، اسألي عمتك عن الموضوع". دقائق مضت كدهرٍ مليئةٌ بالخوف والقلق، أرسل لعمتي مستفسرةً وتردّ أن صديقتي التي تركتُ عندها صورنا العائلية غادرت البلاد وقامت بتوصيلها إليها قبل المغادرة. أتنفس لدقائق وأنجح في تهدئة نفسي للوقت الراهن إلا أنّ الشبح الأساسي ما زال مختبئًا تحت سريري مُهدّدًا بالنهوض في أي لحظة.

لكلٍّ منا مخاوفنا التي قد تمنعنا من ممارسة أشياء كثيرة، لكن العيش تحت وطأة الابتزاز والخوف من صورةٍ تليها "فضيحة" هو أحد أنواع الخوف الذي لن تفهمه إلا من مرّت به. عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري تعرّفت على رجلٍ يكبرني بضعف عمري ولنسّمه هنا بـ"موسوليني". في تلك المرحلة كنت أشعر أنّني لن أرتبط إلا بشخص يكبرني سنًا، لم أنسجم مع رفاق جيلي، لا تهمّني أحاديثهم وفي المقابل يستهجنون اهتماماتي. في ذلك العمر، ومع كل أزمات المراهقة والطفولة، اكتشفت أنّني وقعت في حب هذا الرجل بشكلٍ غريب، ودخلت معه في علاقةٍ لم أكن أعلم أنها ستطاردني حتى كتابة هذه السطور.

يجسّد "موسوليني" الصورة النمطية للرجل المتسلّط الذي لا يترك مجالاً للنقاش ويحصل دائمًا على كلّ ما يريد، وكنت أرى ذلك مؤشرًا للقوة والحماية. لا أريد الخوض هنا في سياق العلاقة وتفاصيلها ولكنّني الآن وبعد أن أصبح لديّ وعيٌ كافٍ لوضع الأمور في نصابها أستطيع القول بأنّني عشت علاقةً مُسيئةً وسامّة، تعرّضت فيها للكثير من الأذى تحت ذريعة الحب. كانت العلاقة سريّةً ولم أخبر أحدًا عنها سوى ثلاث صديقاتٍ مُقربات. استمرّت حوالي خمس سنوات، وفي السنة الرابعة بدأت أشعر بأنّني استُنزفت وأن عليّ إنهاءها بأيّ شكلٍ من الأشكال، إلا أن ضعفي وقلّة خبرتي الحياتية دفعاني لارتكاب حماقاتٍ على أمل إنهائها ولكنّني لم أفلح في ذلك حيث أحكم قبضته عليّ وصار يتحكّم في حياتي أكثر من الأوّل. وأنا هنا بالتأكيد لا ألقي اللوم على نفسي لكنّني مقتنعةٌ تمامًا بأن مصيري كان سيتغير لو أنّني كنت متماسكةً وقويةً. 

ومن نتائج هذه القبضة أن قام بتصويري في أوضاعٍ حميمةٍ تظهر تفاصيلي كاملةً دون إظهار أيّ ملامح واضحةٍ له. أفكّر وأنا أكتب هذه الأسطر لماذا لم أشك في نواياه الشرّيرة، لماذا لم أدرك أن هذا ليس حبًّا بل هو ابتزازٌ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. قام "موسوليني" بالاحتفاظ بالصور على محرّك أقراصٍ محمول (فلاش)، وكنت واثقةً آنذاك بأنه لن يؤذيني وأنه يريد فقط تأمّل جسدي في لحظات الاشتياق، هكذا عبّر لي عن الموضوع واخترت تصديقه.

حصلت مشكلةٌ لاحقًا بينه وبين صديق قديم له وقال لي أنه استطاع رؤية الصور، ولكنه أكّد لي أنه هدده "بطريقته" كي لا ينبس ببنت شفةٍ حول الموضوع. منذ تلك اللحظة بدأ موضوع الصور يشكل لي هاجسًا كبيرًا وقلقًا لا يمكن تجاوزه. بعد سنة تقريبًا من هذه الأحداث، فاتحته بضرورة إنهاء علاقتنا لأنّني أريد المضي قُدمًا في حياتي وأن هذه العلاقة تعيقني، لم يستوعب عقله التملّكي هذه الكلمات، بل زاد إصراره على الاحتفاظ بي وتضييق الخناق عليّ. كنت أعلم أنه أشبه برجل عصاباتٍ له "زُلمٌ" في كلّ مكانٍ ويستطيع إيذائي لذلك اخترت عدم المواجهة. إلا أنه وبعد بدء الثورة في سوريا، كنت أقول لنفسي لقد استطاع الشعب أن يثور ضدّ سلطةٍ قمعية فلم لا أثور أنا أيضًا. بدأت بالابتعاد عنه تدريجيّا وصارحته بأنّني لا أريده في حياتي بعد الآن، لم يفهم وجنّ جنونه عندما قرّرت عدم الردّ على مكالماته ورسائله. لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي تعمّد فيها إيذائي، ربما لذاكرتي آليةٌ دفاعيةٌ اختارت مساعدتي بأن تمحي بعضًا من التفاصيل، إلا أن كثيرًا منها ما يزال راسخًا في ذهني وكأنه يحصل الآن. قام "موسوليني" بالاتصال بإدارة الشركة الإقليمية التي أعمل بها وقال لهم أني حوّلت المكتب لمكان دعارة كما قام بكتابة منشورات وتعليقات مليئة بالأكاذيب في كلّ الصفحات التي كنت معجبة بها لـ"فضحي" على السوشيال ميديا. ظلّ الرّعب من فضيحة الصور يرافقني لفترة طويلة ولم أخبر أحدًا عن الموضوع. 

لماذا لم أدرك أن هذا ليس حبًّا بل هو ابتزازٌ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى

تزوّجت لاحقًا وغادرت البلاد، كما خضت مشاكل عدةً مع زوجي بسبب تهديدات "موسوليني" المتكررة ومحاولاته لفضحي وإزعاجي وتعكير صفو علاقتي. رغم تفهّم زوجي ووقوفه إلى جانبي بكلّ السبل، إلا أن "موسوليني" نجح في زعزعة استقرار علاقتي الزوجية وهز ثقتي بنفسي وزاد قلقي. وبعد سنتين من زواجي، وبينما كنت جالسةً في المطار أنتظر الطائرة التي كانت ستقلّني لتجربة جديدة وبلد جديد، تلقّيت اتصالاً من زوجي يسألني "هل تتضمن الصور واحدةً عارية لك وأنت تقومين "بكذا وكذا"؟"، قلت له "نعم، هل تم نشر شيء؟"، فقال "لا، تلقيت رسالة تهديد تصف الصورة وتهدّد بنشرها". يستحيل أن أتذكر ما شعرت به بعد هذه المكالمة، أتذكر أنّني أجهشت بالبكاء في المطار وسط دهشة البعض ولامبالاة الغالبية من حولي. اتصلت بصديقتي المقربة وقلت لها "هل ستبقين على صداقتي بعد أن تعلمي ماضيّ وما يتضمن؟" قالت لي بالطبع، فرويت لها قصة الصورة وأنا أبكي. حاولت صديقتي طمأنتي وهي تؤكد لي أنها تحبني وموضوع الصور هو أمرٌ شخصي وأنني ضحية ابتزاز. 

عشت أسابيع عدة بعد هذا الاتصال لاغيةً كل حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي، وقررت ألاّ أخرج أبدًا وأن أبحث عن عملٍ من المنزل لا يتضمن مشاركتي لصورتي حتى لا يتعرّف عليّ أحد. في الفترة الأولى كان لزوجي دورٌ كبيرٌ في استعادة حياتي "الطبيعية" إلا أن الصور بقيت كالفيل الموجود في الغرفة بيننا. تعرّفت في منفاي الجديد على مجموعةٍ من الصديقات اللواتي كان لهن الدور الأكبر في تجاوزي لمشاعر الدونية تجاه نفسي ولعدم مسامحتي لذاتي ولكلّ ما مررت به. بحتُ لتلك الصديقات عن موضوع الصور وأحطنني بكمية من الحب والتضامن كانت كافية لأن أستعيد حبي لنفسي رويدًا رويدًا. إلا أنّني وكلما تعرفت على أشخاصٍ جدد من خلال العمل كنت أحاول رسم الخيوط بينهم وبين "موسوليني"، هل يعرفهم؟ هل يستطيع الوصول إليهم؟ هل يرسل أشخاصًا ليطلبوا صداقتي كي يتمكن من التجسس علي؟ هذه الوساوس أقنعتني بأني بحاجة للعلاج النفسي. 

نجحت من خلال الجلسات في التخلص على الأقل من عبء جلد الذات ولوم نفسي على خوض العلاقة، ومسامحة نفسي والاقتناع بأنّني أستحقّ الأفضل. لكني كنت أتوتر إذا قام شخصٌ لا أثق به/ا بالتقاط صورٍ لي سواء لوحدي أو وسط مجموعة. واليوم وبعد أكثر من خمس سنوات على هذا التهديد وحوالي عشر سنواتٍ على انتهاء العلاقة، وثلاث سنواتٍ من جلسات العلاج النفسي، أتمنى حقيقةً لو تمكنت من كتابة هذا المقال باسمي الحقيقي واستطعت البوح وإزاحة هذا السلاح من يده، أتمنى مراتٍ أن أقول بملء صوتي نعم أنا خضت علاقةً جسديةً مع رجلٍ وقام بتصويري بإرادتي إلا أنه استغلني وابتزني وحوّل حياتي لفتراتٍ متتاليةٍ من القلق، لكنني أعلم كما تعلمن وتعلمون أنّ هذا البوح ليس بالأمر السهل، وأعتبر أن كتابة هذه السطور هي الجزء الأول من رحلة تعافٍ وتخلّصٍ من عبء "الفضيحة". صرت أشعر أني جاهزة أكثر من أي وقتٍ مضى لمجابهتها إن حدثت وبذلك أتخلّص من "المعارف" المنافقين وأبقى محاطةً بالأشخاص الذين واللواتي لا يعيّرهم "فضح" صديقتهم.