أصدقاء مع منافع: تجربتي على الحدّ بين اللذة والحبّ

27/09/2022
1620 كلمة

بعد أن استهلك الالتزام مع شريك الحياة كلّ طاقتي، قرّرتُ تجريب علاقة مفتوحة من دون قيود. كنتُ وصديقي عازبَين، رغب هو في ممارسة الجنس مع عددٍ أكبر من الفتيات، ورغبتُ أنا في اللذّة من دون ارتباط.

كلّما جمعَنا الفراش، حملَني فوق السحاب، وشعرتُ في أعماقي بفرحٍ حقيقي، تبعَته راحةٌ ونشاطٌ وأملٌ في المستقبل. لم يتَّسم بالأنانيّة كشركائي السابقين، بل أغدق عليّ بالمداعبات الأوليّة، وتجاوب مع رغباتي الجنسيّة، وحاول دائمًا إرضائي. اكتشفتُ أنّ ممارسة الحبّ جميلةٌ فعلًا بعدما اندرجَت لسنواتٍ عدّةٍ ضمن خانة الواجبات المُملَّة. 

ما نوع العلاقة بالضبط؟

تحدَّث علي بن حزم الأندلسي (964-1064م)، صاحب كتاب "طوق الحمامة في الألفة والألّاف"، عن هذا النوع من العلاقات في باب "من لا يحب إلّا مع المطاولة" (ص 33-35). وفي تصنيفه لأنواع الحب، أطلق عليها اسم "محبَّة بلوغ اللذَّة وقضاء الوطْر" (ص 13). وأوضح أنها تسمّى محبَّةً مجازًا، و إلّا فإنها لا تغدو في جوهرها أن تكون شهوةً.

أمّا في عصرنا هذا، فتُعتبر علاقة الأصدقاء مع منافع من أكثر العلاقات غموضًا وإثارةً للأسئلة في شأن طبيعتها، وغالبًا ما تنتهي إلى دراما حين يقع أحد الطرفَين في غرام الآخر، أو تصبح الاحتياجات الجنسيّة غير متوافقة، فيقع الصدام الذي لا يخلو من اتهاماتٍ ودموعٍ وبؤس. 

قد يبدو هذا العقد بسيطًا في ظاهره، لكنَّه معقَّد التطبيق، مثل باقي العلاقات الإنسانيّة التي تتفلّت من الحواجز المرسومة وتتشكَّل في قوالب غير متوقّعة

أمّا أنا، فاعتقدتُ أنني أستطيع تحصين نفسي من خلال التواصل الشفّاف مع من اخترتُه ليكون خليلي؛ قلتُ له: "أودّ علاقةً بسيطة، كما ينجذب طائرٌ إلى آخر عندما يودّ ممارسة الحب".

قال لي: "أنتِ أقرب صديقةٍ لي. أصارحك بما لا أستطيع قوله لرفاقٍ أعرفهم منذ عشر سنوات، وفي حال قرّرنا التوقّف، أودّ الاحتفاظ بصداقتنا". 

بنينا علاقتنا على هذا الأساس. 

اعتبرَني صديقةً تُخلِص له النّصيحة، وفي الوقت عينه يستطيع مشاركة رغباته معها. لم أجد مشكلةً في هذه الصيغة. لم أكن أغار عليه، بل على العكس، كنتُ أقدّم له النصيحة الصّادقة كلما استشارني في شأن علاقاته مع فتياتٍ أخريات. لم أحبّه لشخصه وصفاته وشمائله، بل كنت أحبُّ المتعة التي يمنحني إيَّاها، وحرصه على أن أبلغ نشوتي. لم أهتمَّ  مثلًا بالخروج للتنزُّه أو الذهاب إلى السينما رفقته، ولا حتَّى بخوض النِّقاشات الجادَّة معه، كما يفعل العشَّاق.

قد يبدو هذا العقد بسيطًا في ظاهره، لكنَّه معقَّد التطبيق، مثل باقي العلاقات الإنسانيّة التي تتفلّت من الحواجز المرسومة وتتشكَّل في قوالب غير متوقّعة. فبعد فترةٍ وجيزة، بدأتُ أفكِّر في مصيري بعد أن يرتبط صديقي بفتاةٍ ما أو تتعدَّد علاقاته. حينها ستنتهي علاقتنا الحميمة، وسيتوجّب عليَّ أن أبذل جهدًا من جديدٍ لإيجاد شريكٍ أتوافق معه إلى حدٍّ مماثل.

كنتُ مُصرَّةً على أنّ تكون تلك اللحظات التي نعيشها لحظات سلامٍ روحي من دون لومٍ ولا عتاب، فما إن تطأَ قدماي عتبة منزله حتى أُلقي بكلّ المشاكل وراء ظهري، وأعيش اللَّحظة.

لم أكن ملزمةً بأيِّ واجبٍ تجاهه، إلّا ما يقتضيه حقّ الصداقة. ما يعني أنّني لم أكن مضطرَّةً لأن أطبخ الأكل الذي يحبُّه وقد يستهلك ساعاتٍ من وقتي، أو أن أحرق أعصابي لدفعه إلى العمل وشحْذ طموحه وعزيمته، ولا أن أكون السكرتيرة التي تنظّم له حياته. بل ما إن كانت تظهر أولى علامات تعكّر مزاجه، حتّى كنت أحمل حقيبتي وأعود إلى منزلي، فأنا معه من أجل المتعة فقط، أما النّكد "ماليش فيه". 

أعفَتني هذه العلاقة من فكرة إرضاء الزوج ووالدَيه وأقاربه، وحضور المناسبات الاجتماعيّة رفقته. لم أكن مُجبرةً على التعرّف إلى والدَيه، ولا تحمّل وصاياهما بالاعتناء بـ"طفلهم المُدلّل"، ولا إتقان الدور الذي يُتوقّع مني تأديته. 

صراعٌ مع القيم

تجاوزتُ مرحلة "أترضاه لأختك، أترضاه لأمّك؟!"، ولم تعنِني الفكرة التي كوَّنها شريكي الشرق أوسطي عنِّي كامرأةٍ تبحث صراحةً عن اللّذة، ولا همّني إن كان يتقبَّل عيش إحدى قريباته حياةً جنسيّةً غير مُعلنة، لأنني أعلم ببساطةٍ أنّ المرأة تستطيع دائمًا التحايل على القيود المفروضة عليها لتحقيق رغباتها، ولو أنكر الرجل ذلك. 

مع ذلك، لم أستطع الهروب كلّيًا من القالب الذي صاغه لي المجتمع، والذي ينظر إلى المرأة التي تمنح جسدها من دون التزامٍ كضحيّةٍ للرجل لا محالة. فعلى الرغم من اختباري أعظم متعةٍ في حياتي، شعرتُ أحيانًا بأنّ عليّ احترام ذلك القالب كي أُعتبر "إنسانة جيّدة" من طرف أصدقائي والمقرّبين منّي، الذين يطلقون بسخاءٍ ألقاب العهر على النساء اللواتي لا يستطيعون تصنيفهنّ في خانة "الزوجة" أو "الحبيبة"، في حين لا يدينون الرجل غير الملتزم في علاقاته بالنساء، لا بل يعتبرونه مثالًا يُحتذى في فنّ الإغواء.

التربية التي نتلقّاها كنساءٍ منذ نعومة أظافرنا، تحفر في نفوسنا فكرة أنّ العلاقة الجنسيّة لا يمكن أن تكون سوى لصالح الرجال، كأنَّ النساء لا يرغبن ولا يستمتعن، بل يُحدَّد دورهنّ في إمتاع الرجل

بفعل التوقّعات الاجتماعيّة للواجبات والممارسات الثقافيّة المناسبة لكلٍّ من الرجال والنساء، لاسيما في ما يتعلّق بالممارسات الجنسيّة، لازمَني إحساسٌ بأنّني الخاسرة في العلاقة، على الرغم من أنّ كلَينا كان على درجةٍ واحدةٍ من الاستفادة. فالتربية التي نتلقّاها كنساءٍ منذ نعومة أظافرنا، تحفر في نفوسنا فكرة أنّ العلاقة الجنسيّة لا يمكن أن تكون سوى لصالح الرجال، كأنَّ النساء لا يرغبن ولا يستمتعن، بل يُحدَّد دورهنّ في إمتاع الرجل، مقابل التزامه بإعالتهنّ.

من جهةٍ أخرى، على الرغم من اتّفاقي وصديقي على إبقاء علاقتنا سريّة، وتهرّبي من الظهور معه علنًا، لم أستطع التغلّب على إحساسي بكوني "العشيقة" السرّية، ما كان يُشعرني بالدونيّة وبتحكّمه هو بالعلاقة، لأنّ الموروث الثقافي عوّدنا على أنّ الرجل أعلى درجةً من المرأة، ويفترض به هو أن يختار شريكة الحياة وأن يدير دفّة العلاقة. 

أنا ما بدّي ياك… بس بدّي تحبّني 

لم يكن رفيقي من النوع الذي قد أعشقه أو أحبّه من النظرة الأولى، بل ما جذبَني إليه هو أنّه كان يُسكِرني حين نمارس الحبّ حدّ الثّمالة. لكنّني لم أستوعب فكرة ألّا "ينطبس فيّ"، فغروري واعتزازي بنفسي دفعا بي إلى التساؤل عن أسباب عدم عشقه لي. ما الذي ينقصني؟ لماذا لا يحبّني أنا، المرغوبة من رجالٍ آخرين، وقد اخترتُه هو من بينهم جميعًا؟ 

بالرغم من كل ذلك، لم أتخيّل، ولو للحظة، العيش معه تحت سقفٍ واحدٍ لأن لا شيء مُشتركٌ بيننا. فأنا لا أودّ تكوين أسرةٍ مثلًا، لأنّ علاقاتي السابقة أوصلَتني إلى قناعةٍ بأنّ مأْسَسَة الحبّ تقتل المشاعر، وتحوِّل الحياة إلى مجموعةٍ من عمليّات التّدبير والتّصريف. 

الموروث الثقافي عوّدنا على أنّ الرجل أعلى درجةً من المرأة، ويفترض به هو أن يختار شريكة الحياة وأن يدير دفّة العلاقة

تصفّحتُ في مواقع الإنترنت قصصَ أشخاصٍ مرُّوا بمثل تجربتي؛ بل أخذتُ أقرأ كتبًا عن فنّ الإغواء وكيفيّة إيقاعه في حبّي! لم يُفد كلّ ما قرأتُ سوى في اكتشاف أنّني غير مُستعدّةٍ للقيام بأيّ مجهودٍ للفوز بقلبه، لأنّي ببساطةٍ لم أكن مهتمّةً في الحقيقة. لعلّي تمنّيتُه أنّ يقع في غرامي لأثبت لنفسي أنّني لستُ الخاسرة بحسب المعايير الاجتماعيّة التي أقاومها أصلًا، أو ربّما لكي أرضيَ غروري. حَسمْتُ الحيرة التي كانت تنتابني، فلا طائل من السؤال عمّا إذا كان يحبّني أم لا. أخذتُ أستشفّ المتعة الحسيّة من دون مُنغّصاتٍ وهميّة. 

جنسٌ ناشف

كان رفيقي في خلال لقاءاتنا وأحاديثنا الأولى شديد الإطراء عليّ، لكن ما إن وصلنا إلى مرحلة السرير حتّى أصبح ملفّي، بالنّسبة له، منتهيًا، ولا حاجة لبذْل أي مجهودٍ لإغوائي.  

أمّا أنا، فكنتُ أتوق لسماع كلماتِ غزلٍ جميلةٍ من عشيقي الذي كان بخيلًا بها، معتبرًا أنّه يعطيني "ما أحتاجه"، أي الجنس. في إحدى المرّات التي أثرنا فيها الموضوع، قال لي: "لا يمكنني أن أكذب عليك وأقول أنّني أحبّك فقط لأتمكّن من مضاجعتك". كان، في الواقع، متخوِّفًا من أن أطوّر مشاعر نحوه وأقع في حبّه، فيتورّط ويضطرّ لإنهاء صداقتنا.  

كنتُ أتوق لسماع كلماتِ غزلٍ جميلةٍ من عشيقي الذي كان بخيلًا بها، معتبرًا أنّه يعطيني "ما أحتاجه"، أي الجنس

لكن ما لم يستَوعِبُه هو أنّني كنتُ خارجةً، أصلًا، من علاقةٍ مشحونة، ولم تكن لديّ القدرة على الحبّ، لكنّني في الوقت عينه كنتُ متلهفّةً لسماع كلماتٍ حلوة، لا لأنّني وقعتُ في غرامه، بل لكي أشعر بأنّه يقدّر قيمتي. كنتُ أتأرجح بين طمأنة مخاوفه من جهة، وتخوّفي من أن يقول لي كلماتٍ جميلةً إنّما غير صادقةٍ فقط لكي يرضيني. ولكي أحمي نفسي ومشاعري، توقّفتُ عن قول الكلمات التي اعتاد أن أغدقها عليه، فبدأ يشعر بدوره بعدم التّقدير نفسه، وبدأتُ أنا أحسّ بعدم الرضا لأنّني كنتُ أكبتُ مشاعري. وهكذا، تكوّنَت حلقةٌ من الإحباطات لكِلَيْنا، عجّلَت في إنهاء العلاقة.  

النهاية

لم يزد شريك النشوة عن كلماتٍ قليلةٍ لكي أفهم أنّ عليَّ التوقّف عن رؤيته: "بدَأْتُ أشعر أنّ علاقتنا غريبة. لم أكن أحسُّ بذلك بداية، أمّا الآن فقد أصبحتُ أتساءل ماذا بعد؟ ولا أجد جوابًا". ثمّ أضاف بعد أن لاحظ صمتي: "أنتِ تأتينَ كلَّ مرَّةٍ إلى منزلي لنمارس الجنس فقط، أصبحتُ أشعرُ أنَّكِ لا ترَيْنَني إلّا لهذا الغرض، ونسيتِ أنّنا أصدقاء قبل أن تكون بيننا منافع. في كلّ مرّةٍ تأتين فيها إلى منزلي تنالين فيها رغبتك وترحلين وكأنّني أداة لمتعتك".

أخبرتُه أنّني سعيدة جدًّا بعلاقتنا، وأنّه ألهمَني، ومنحَني تجربةً جديدةً في الحياة، ولم يترك لي سوى ذكرياتٍ جميلة. لم يكن القرار سهلًا، لأنّني كنتُ أودّع إحدى أهمّ الملذّات التي تهوِّن عليَّ الحياة اليوميّة الجافّة، لكنّ ذلك كان القرار الصائب لكي أتفادى الدخول في علاقةٍ سامّةٍ مشاكلُها تفوق متعتها. 

فهمتُ أنّ مشاعره تغيّرَت تجاهي، فقرّرتُ الانسحاب بهدوء. أعتقد أنّ صديقي لم يعتَد أن تملك المرأة زمام أمرها، فالتنشئة الاجتماعيّة المحافظة التي نتلقّاها في مجتمعاتنا، غالبًا ما توزِّع الأدوار الجندريّة بناءً على التصنيف البيولوجي. كان صديقي يرى أنّه هو من ينبغي أن يتخذ الخطوة الأولى في بدء العلاقة، والخطوة الأخيرة في إنهائها، كما فعل في كلّ مرّةٍ مع رفيقاته السابقات. كما كان يعتبر أنّ على المرأة أن تتمنّع، وإن كانت راغبة، لكي تمنحه الشعور بالتحدّي وبذل المجهود للحصول عليها. 

كانت علاقتنا خليطًا من الشّهوة والحنان، من الصّعب عزلها عن المشاعر والعواطف

تذكّرتُ بشجنٍ لحظاتنا الحميمة، ابتسامته، ولطفه، وحساسيّته الممزوجة بفحولته. كانت علاقتنا خليطًا من الشّهوة والحنان، من الصّعب عزلها عن المشاعر والعواطف. ذرفتُ دموعَ من دخل في دورة علاجٍ من الإدمان. لكنّني استطعتُ الحفاظ على توازني النّفسي بإدراك أنّني لم أُعْطِ شيئًا من دون مقابل، ولم أقدّم "التضحيات الجسام" التي يتطلّبها الحبّ، ولم أعلِّق آمالًا كبيرةً على العلاقة أو الشخص.

استوعبتُ تدريجيًّا أنّ بيننا جدارٌ غير مرئي: لم يستطع فهْم أنّني لم أكن مهتمّةً ببناء علاقة حبٍّ معه، بل كنتُ أحتاج إلى الشعور بأنّني مُشْتهاة. ولم أفهم إن كان يريدني أن أقع في غرامه، أم كان خائفًا فعلًا من أَن أحبّه. أعتقد ببساطةٍ أنّ رغباتنا وحاجاتنا الحميمة لم تكن متوافقة، وذلك يعني انتهاء أساس العلاقة.

بدأتُ أتقبّلُ، أسرع ممّا توقّعت، فكرة أن أراه وأحدّثه كصديقٍ حميم، وأن أراه كجسدٍ مُحايدٍ لا رغبة لي فيه جنسيًّا. كما يقول علي بن حزم الأندلسي في كتاب "طوق الحمامة في الألفة والألّاف": هذا النّوع من المحبّة ينقضي مع انقضاء علّته، يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها، ولا تُسمّى محبّة إلّا مجازًا فهي لا تعدو أنّ تكون شهوة.

لقد اكتشفتُ معدنَه الحقيقي بعد أنّ توقّفنا عن اللقاءات الحميميّة، حيث داوم السؤال عنّي، وساندني في كلّ حالاتي. صحيح أنّني كسبتُ صديقًا لا يُعَوّض، لكن إن سألتموني رأيي، لستُ مُستعدّةً لتكرار التجربة، فأيّ علاقةٍ من دون حبٍّ لا يعوّل عليها.