فاطمة في الغربة: مهاجرة صومالية في تبوك

خالد القحطاني يسلّط الضوء على العمالة المهاجرة في ظل نظام الكفالة وانتشار فيروس كورونا من خلال تجربة العاملة الصومالية، فاطمة، في منطقة تبوك في شمال السعودية.

أبو محمد "سائق مشاوير" سعودي يجول شوارع تبوك باحثًا عن أشخاص يحتاجون من يقلهم، أو يتعامل مع معلمات أو عاملات يحتجن من يقلهن يوميًا من بيوتهن إلى أماكن عملهن. ينطلق جمس أبو محمد كل يوم من بيته الشعبي في حي الخالدية في تبوك ما إن يقول المؤذن "الله أكبر" معلنًا دخول وقت صلاة العصر. يتجه أولًا إلى منزل أم مروان اليمنية في أطراف حي الخالدية1 قرب الشارع العام. بعدها يتجه أبو محمد إلى حي الدخل، حيث تسكن زهراء وأم عبد الله الباكستانيتان في عمارتين متقابلتين. يختم أبو محمد جولته اليومية تقريبًا بعد خروج المصلين من المساجد بعد صلاة العصر في حي العزيزية، حيث تسكن فاطمة الصومالية مع أختها وزوجها وابنها ذي العام الواحد.

ما إن يرد فاطمة اتصال أبو محمد أنه اقترب من منزلها، تلبس عبايتها وتُقبّل ابنها ثلاث مرات على رأسه، ثم توصي أختها على مواعيد رضاعته ما يقارب العشر مرات لتتأكد أنها لن تنسى. رغم أن هذه السنة هي رابع سنة لفاطمة كعاملة منزلية في السعودية، إلا أنها كل يوم عندما تخرج من باب بيتها تشعر بأنه يومها الأول. تهمس فاطمة "بسم الله، توكلت على الله" ثم تتجه إلى جمس أبو محمد، حيث ينتظرنها النساء اللاتي تعتبرهنّ مجتمعها وعائلتها الوحيدة خارج الصومال، وسبب صبرها على الغربة بجانب أختها وزوجها وابنها.

تكاد عبارة "الحمد لله" لا تفارق لسان فاطمة أبدًا. تُردّدها بكثرة بعدما أتاها عرض زواج لم تستطع رفضه عندما بلغت عمر الاثنين وعشرين عامًا. كانت فاطمة تؤجل موضوع الزواج لأسبابٍ خاصة، لكن عندما عرض عليها قريب لها يعمل في السعودية الزواج، واجهت أمها جميع محاولات رفضها بـ"احمدي الله وارضي بقدرك". فقريبها هذا يجني "الكثير من المال" في السعودية، وفقط الحمقاء قد تفوّت فرصة كهذه. لذلك قالت فاطمة "الحمد لله" وتزوّجت.

لم تكن تتخيل فاطمة الزواج قط، وأتت الصدمة مضاعفة عندما عرفت أنها ستنتقل إلى دولة أخرى وتترك كل ما تعرفه وتألفه إلى مكانٍ لا تتشارك مع أهله شيئًا سوى الإسلام واللغة. لكن رغم هذه التشابهات؛ فإن فاطمة تقول بعدما وصلت إلى السعودية أنها شعرت بشيء غريب يحيطها أينما ذهبت، شيء يدفع الناس إلى التحديق بها بالشارع. كان هذا الشعور يجعل ألم الغربة المفروضة عليها يزداد يومًا بعد يوم.

لم تكن تتخيل فاطمة الزواج قط، وأتت الصدمة مضاعفة عندما عرفت أنها ستنتقل إلى دولة أخرى وتترك كل ما تعرفه وتألفه إلى مكانٍ لا تتشارك مع أهله شيئًا سوى الإسلام واللغة

لكن فاطمة بالنهاية اكتشفت هذا الشيء بعدما وصلت إلى السعودية وعملت في أول بيت لها. عندما غضبت إحدى ربات المنزل من طريقة غسيلها، نادتها بـ"العبدة الغبية"؛ وعندما رأت أن بعض السيدات الأخريات يقفلن أبواب بعض الغرف خوفًا من أن تسلب أغراضهن، أدركت حينها أن تلك السيدة، وعائلات أخرى عملت لديها على مدار الأربع سنين لا يبالون بكل تلك التشابهات (كالإسلام) التي اعتقدت أنها ستقلل من تأثير الغربة؛ فهي للبعض "مجرد خدّامة من الصومال".

واجهت فاطمة، كالعادة، هذه المحنة الجديدة والوحدة المضاعفة التي مرت بها بـ"الحمد لله" حتى تعرفت على أم مروان، الذي يعمل زوجها مع زوج فاطمة. وعرّفتها أم مروان على زهراء وأم عبدالله، والعديد من النساء الأخريات اللاتي يعشن نفس ظروفهن ويكافحن من أجل لقمة العيش. تقول فاطمة عن النساء اللاتي تعرفت عليهن في بدايتها "هن أخواتي. أجدهن حولي في كل ما أمر به. الحمد لله يا رب".

ما يدفع فاطمة وصديقاتها إلى جعل تبوك أقرب لبلدانهن هي تفاصيل الحياة اليومية والتقاليد التي تبنّوها. فمثلًا، بدأن بالخروج كلما استطعن لمنتزه مع أطفالهن وأزواجهن كل نهاية أسبوع. كانت كل عائلة مسؤولة عن إحضار طبق يتشاركه الجميع في سفرة تعكس تنوّع الدول التي هاجروا منها.

صحيح أنّ فاطمة خلقت مُجتمعها المُصغّر الذي تُحسّ معه بالألفة والأمان ولكنّ هذا المجتمع لا يستطيع مساعدتها في كل محنة تمر بها، خاصةً إذا تعلّق الأمر بمأزق مالي أو قانوني. فالسيدات اللاّتي يُشكّلن شبكة حمايتها الأولى يُواجهن نفس ظروفها: جمعيهن عاملات منزليات لا تتعدى أجورهن 50 ريالًا (ما يقارب 13 دولارًا أميركيًا) في الساعة، ينقسم دخلهن على الطعام والشراب، والإيجار، وفواتير الماء والكهرباء، وتجديد الإقامات، وإرسال حوالات لأهلهن.

كان زوج فاطمة، الذي يعمل في إحدى بقالات تبوك، واحدًا من ما يزيد عن ملايين العمّال الوافدين والمكفولين في السعودية. ويُعرِّف مركز الخليج لسياسات التنمية الكفالة بأنها "سلطة لدى الكفيل تفوق قوتها سلطة المكفول، بينما تعني 'الرعاية' و'الحماية' مسؤولية يتحمَّلها الكفيل مقابل المكفول. هذا الدمج والتقابل بين مبدأ السلطة غير المتساوية بين طرفين، ومبدأ مسؤولية الرعاية والحماية لطرف (يملك هذه السلطة) تجاه آخر (لا يملك هذه السلطة)، يلعب دورًا هامًا للغاية في تشكيل إدراك ووعي مواطني الخليج بعلاقتهم مع العمال الوافدين طيلة العقود الماضية وحتى الآن، إلى درجة جعلت من هذا الدمج بمثابة قاعدة بديهية يستند إليها أي تفكير في واقع هذه العلاقات ومصيرها".

ما يدفع فاطمة وصديقاتها إلى جعل تبوك أقرب لبلدانهن هي تفاصيل الحياة اليومية والتقاليد التي تبنّوها

الكفالة هي تجسيد حيّ للعبوديّة الحديثة، حيث يمثل الكفيل، خاصة عند العمالة المنزلية (كالسائق والخادمة)، سلطة عليا تستغل "مبدأ السلطة غير المتساوية بين الطرفين" لممارسة مخالفات غير قانونية كتأخير رواتب العاملات والعاملين، وسحب أوراقهمنّ الرسمية وجوازاتهمنّ، وإساءة معاملتهمنّ، وتعنيفهمنّ، و في بعض الحالات المتطرفة قتلهمنّ.

تمثل "مكاتب استقدام العمالة المنزلية" نقطة الاتصال بين العاملة والكفيل، حيث تتكفّل بأغلب الإجراءات بين الطرفين. يقوم الكفيل بدفع تكاليف الفيزا والتذكرة ورسوم المكتب ويُوقّع مع العاملة على العقد وعندها يبدأ فصل جديد في حياتها من الاستغلال وسوء المعاملة. عندما أراد زوج فاطمة إحضارها للعمل في السعودية رفض أن تقدم على إحدى هذه المكاتب لأنها حتى وإن اتبعت اللائحة التي وضعتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية لضمان حقوق العمالة المنزلية، فإنها لا تستطيع أن تضمن أن الكفيل سيلتزم بالفعل بالمواد الموجودة في هذه اللائحة، كتسليم العاملة المنزلية وثائقها الرسمية، والسماح لها باقتناء هاتف محمول، والحصول على يوم واحد بالأسبوع كإجازة مدفوعة، وتسليمها راتبها مع نهاية كل شهر هجري، والعمل فقط لأجل الكفيل دون الإجبار للعمل لغيره، إلخ. كما أن هذه المكاتب لا تتواصل مع العاملة بعد وصولها إلى منزل كفيلها للتأكد من اتباعه هذه المواد.

لذلك طلب زوج فاطمة من كفيله الذي يملك سوبرماركت أن يكفلها كعاملة منزلية. هذه طريقة يتبعها العديد من الكفلاء، بحيث يطلب العامل من الكفيل أن يستقدم فردًا من أسرته كسائق أو عاملة منزلية، دون أن يعملوا بالفعل لحسابه: الرابط بينهم هو اسم الكفيل على بطاقة إقامتها كعاملة في السعودية. ظن زوج فاطمة أنه بهذه الطريقة سيضمن أن فاطمة ستعمل لحسابها الخاص، دون الالتزام بالعمل لأجل شخصٍ واحد. وبعد إنهاء إجراءاتها الرسمية، قدمت فاطمة إلى السعودية سنة 2017 عندما بلغ عمرها 24.

لم تكن فاطمة تعرف أحدًا قبل نزول طائرتها بمطار الملك خالد الدولي في الرياض. أطلّت برأسها من النافذة وغمرها شعورٌ بالوحشة وعندها فقط أدركت بأنها لم تعد بالصومال. لم تكن تعرف وقتها بأنها ستمضي أربع سنوات متتالية في السعودية دون أن ترى أهلها ووطنها إلا من خلال شاشة هاتفها المحمول. كانت ابتسامة زوجها عندما استقبلها أمام بوابة الوصول هي الشيء الوحيد الذي خفّف شعورها بالوحدة والغربة، شعور أثقل كاهلها لفترة طويلة ولكنّه بدأ يختفي تدريجيّا عندما تعرفت على أم مروان.

الكفالة هي تجسيد حيّ للعبوديّة الحديثة، حيث يمثل الكفيل، خاصة عند العمالة المنزلية (كالسائق والخادمة)، سلطة عليا

ساعدت أم مروان بنشر رقم فاطمة على الواتساب آملة أن يصل لمن يحتاج عاملة منزلية تعمل بالساعة. لم تكن أجرة فاطمة باهظة، فهي لا تطلب أكثر من 35 ريالًا (ما يقارب 9 دولار أميركي) في الساعة. عندما انتشر رقم فاطمة وأصبحت معروفة، بدأت بالعمل لصالح العديد من النساء في اليوم الواحد. تعمل ساعات عند سيدة مسنة في فترة الصباح، وفي المساء تعمل عند إحدى الأسر قرابة 4 ساعات. لا تطلب هذه الأسر خدمات فاطمة بشكلٍ يومي، لذلك فهي تُقضّي أغلب أيّام الأسبوع دون عمل. صحيح أنّها تتحكّم نسبيّا في عدد ساعات عملها وربّما تجد الوقت للاعتناء ببيتها ولكنّ المال الذي تجنيه لا يضاهي رواتب العاملات اللاتي يعملن لصالح كفيلهن. فهنّ يستلمن شهريًا 1500 ريال (أي ما يقارب 400 دولار أميركي)، ولا يضطررن لدفع مصاريف للإيجار أو المأكل والمشرب أو حتى رؤية الطبيب، لأنها أشياء يُلزم بها الكفيل.

أنجبت فاطمة ابنها الأول في مستشفى الولادة والأطفال في تبوك في تشرين الأول/أكتوبر سنة 2019. ورغم أن المستشفى حكومي، إلا أنها اضطرّت إلى دفع 10 آلاف ريال (ما يقارب 2670 دولار أميركي) من أجل عمليتها لأنّها لا تحمل الجنسيّة السعوديّة. تعقّدت الأوضاع أكثر بعد الولادة ولم تعد تدفع فقط تكاليف إقامتها وإقامة زوجها، بل تدفع أيضًا تكاليف إقامة ابنها كمرافق لهما شهريًا. هذا إلى جانب المصاريف المعيشيّة الأخرى، والأموال التي ترسلها شهريًا لأهلها، خاصة وأنّ والدها مقعد وعاجز عن العمل.

كانت تروي لي كلّ هذه التفاصيل المُضنية دون أن تتوقّف عن قول "الحمد لله". ومع كل مرة تحمد فيها الله، تذكر كل الأشخاص الذين ساعدوها سواءً بالمال أو الحساء والمخبوزات أو حتى المرور على منزلها كل مساء للاطمئنان عليها بعد عمليتها كأم مروان والنساء الأخريات، وأصدقاء زوجها، وبعض النساء اللاتي عملت لهنّ.

ازداد الوضع سوءًا بعد انتشار فيروس كوفيد 19 وفرض حظر التجول حيث اضطرت إلى التوقّف عن العمل تمامًا. بعد انقضاء مدة الحظر في حزيران/يونيو، وعلى الرغم من عدم قدرتها على الالتزام بإجراءات الوقاية كوضع الكمامة والحرص على التباعد الاجتماعي بسبب طبيعة عملها، عادت فاطمة إلى العمل مضطرةً بسبب الحاجة إلى المال.

دفعتها هذه الظروف القاسية إلى التفكير بشكل جديّ في العودة إلى الصومال وكانت تطرح نفس السؤال أكثر من مرّة: "هل كان الأمر يستحقّ كلّ هذه التضحيات"؟ تواصل كلامها بمرارة: "لم أعد إلى الصومال منذ أربع سنوات من أجل توفير المال وإعالة أسرتي وفي النهاية يتوفّى والدي أيّام الحظر دون أن أتمكّن من رؤيته".

لا تود فاطمة حاليًا أن تفكر في تبعات أي قرار، كل ما تتمنّاه أن تعود إلى وطنها وأهلها الذين ما زالوا في حداد. 

 

  • 1. جرى تغيير أسماء العاملات والأحياء التي يقطنّ فيها حفاظًا على خصوصيّتهن.