ماذا نفعل بغضبنا النسوي؟

09/11/2020
2030 كلمة

غضبنا النسوي يأتي من موقعيّات الصّمود والنّضال في محاولة صدع شبكة الاضطهاد التّي نواجهها، وهو يجمعنا بذلك، ويحرّرنا، ويدفعنا باتجاه التغيير الاجتماعي والسياسي. 

لا أتذكّر المواقف عينها التي سبّبت حالات سخطي وغضبي حين كنت طفلة تكتشف يوميّا وقع الظلم المجندر على استقلالية أفكارها وجسدها، فقد محتها آليّة التّأقلم من ذاكرتي وجعلتها حوادث ضبابيّة بعيدة. لكنّني أتذكّر أنّ الغضب كان يسري على عمودي الفقريّ، يرفع من حرارتي، يصبّ قطرات عرقٍ على وجهي، يستحيل إلى رجفةٍ في ركبتيّ متى تحوّل إلى هزيمةٍ حتميّةٍ في وجه سلطة الأب أو المعلّم أو الجار أو الشارع أو الشخص الأكبر عمرًا أو كلّ من لديهم استحقاقٌ إلهيّ في تقرير مصير البنات والنّساء، لأنّنا خاسرات لهذه المعركة دون تكلّف خوضها. من بعد هذه الخسارة، كان غضبي يستحيل إلى قهرٍ يغادر جسدي في دموعٍ صامتة. ولكن ما لا أقدر على نسيانه هو الأصابع الغريبة المتسلّلة إلى زوايا فمي، في محاولةٍ حرفيّةٍ لرسم ابتسامةٍ على وجهي لا ضير في أنّها مفتعلة، بل ومكرهٌ عليها، راسمة كذلك نهاية كلّ معركة لم تسنح لها فرصة البدء. من "بوس العمّو" أثناء الطفولة إلى إيلاج الأصابع في فمي لإكراهي على الابتسام كحلّ مثاليّ لكلّ النزاعات إلى لعق مؤخّرة العمّو في وقت الصبا كدليل على الرّشد أو كتملّقٍ قد يحمينا أو لا يحمينا من عنفه وتحرّشه، قيل لي: "أنت جميلة إذا لم تكوني غاضبة". فيشتعل الغضب مجدّدًا والقهر في دائرةٍ مفرغة، وأبتسم فقط لتمضي اللحظة ولأستعيد الحياة التّي تأتي بعدها. غير إنّي اليوم لم أعد جميلة ولم أعد وحيدة في سخطي وفي غضبي. والأصحّ أنّني لم أكن وحيدة أبدًا، ولكنّني لم أكن عارفةً بذلك لحين قرأت كتابات لنساء ولنسويّات أخبرنني أنّ العيب ليس فيّ ولا في غضبي، وأنّه ليس محصورًا في حادثةٍ واحدةٍ أو بيئةٍ واحدةٍ أو في إشكاليّةٍ تبدأ وتنتهي معي، بل أنّ عُبوسنا وتجهّمنا وغضبنا و"قتلنا للبهجة"1 أمرٌ جماعيٌّ وأساسيٌّ للنّجاة. وعليه، فغضبنا نسويٌّ لأنّه يأتي من موقعيّات الصّمود والنّضال في محاولة صدع شبكة الاضطهاد التّي نواجهها، وهو يجمعنا بذلك ويدفعنا باتجاه التغيير الاجتماعي والسياسي.

غضبنا يخرق الصمت

نحن نعيش في ظلّ نظامٍ أبويٍّ يعيد إنتاج نفسه من خلال الهياكل التّي يقوم عليها، مادّيةً كانت أو خطابيّة، ويعتمد على إسكات المشاعر والأفكار التّي يمكنها قلب الآية. فلا يضلّلنا عن المشاكل الأساسيّة فقط، إنّما يسقطها علينا بدل ربطها بأسبابها. أن نقول "مشكلة الفقر" بدل قول "مشكلة توزيع الثروة"، وأن نقول "نسويّة غاضبة" بدل قول "ذكورية استحقاقيّة"، يجعل من غضبنا، لا من أسباب غضبنا، المشكلة. تقول سارة أحمد، وهي كاتبة نسوية مهتمة بالنظريات الكويرية والنقدية والعرقية وما بعد الاستعماريّة، أنّكِ "حيـن تتحدثيـن بصـوتٍ عالٍ لتعبّري عـن رأيك، فإنّك تعكّرين صفو الموقف. حين وصفتِ ما قاله الآخرون بأنّه مشكلة، يعني أنّك خلقت مشكلة. تصبحين أنت المشكلة التّي خلقتيها".2 هكذا نُلام على انكشاف مشاعرنا وعلى اشتعال فتيلها وقصر حبل الصبر، في حين أنّ العنف والتمييز الذي يغضبنا متجذّرٌ في هيكليّات السلطة، وتاريخيٌّ وليس فيه شيءٌ من القصر. يُصوّر غضبنا النسوي على أنّه فرديّ، نقصٌ شخصيٌّ أو هشاشة، أو انسلاخٌ عن واقعٍ ما أو منطقٍ ما، أو تحويرٌ لأولويّات النضال متى غضبنا على رفاقنا في التنظيم. أن تكوني غاضبة يعني أن تٌعرقلي مسار نقاشٍ "منطقيّ" أو "موضوعيّ" أو "راشد" أو "متحضّر"، أي أنّنا كنساءٍ غاضبات ناقصات منطقٍ وموضوعيّة وحضارة ورشد. فنحن، ببساطة، الطرف الخاسر أمام العقلانية المذكّرة أو الموضوعية المتخيّلة أو الرّشد الذّي يحتكره الرّجال القائمون علينا، أو الحضارة الاستعماريّة التّي تُقرن أدوات النّضال بما لا يزعزع سلطتها.

تعرّضنا كنساءٍ إلى التكييف الاجتماعي منذ الصغر لكي لا نكون مزاجيّات، لأنّ صراخنا عند الغضب لا بدّ أن يكون خللًا هرمونيًا أو دورةً شهريّةً على وشك الحصول. في سنّ المراهقة، مثلًا، حين كنت أغضب على الخرق اليوميّ لخصوصيّتي ومعاملتي على أنّني فضيحة وشيكة يجب قمعها أو تأجيلها، كنت أصرخ، وألقي بما يُلقى في وجهي - "بضاعتكم رُدّت إليكم" - محاولةً كسر كوني الطرف المتلقّي للغضب والتّهديدات. حينها، كان خطّ الدّفاع يأتي سريعًا لحمايتي من احتقان الموقف: "هو سنّ المراهقة، هي الهرمونات". خطّ دفاعٍ يضع سبب الغضب في مرحلةٍ عمريّةٍ أو تركيبةٍ جسديّة، يضع الإشكال فيّ ومنّي، ويزيدني غضبًا. تاريخيًّا، سُمّي غضبنا هستيريا، وإن لم يكن نابعًا من خللٍ جسديٍّ متخيّل، كان دليلًا على كوننا مسكوناتٍ من الشيطان أو غيره من الأرواح الشريرة التّي وجب طردها من أجسادنا. ما وجب طرده فعلًا، بدلها، هو وقع السلطات على أجسادنا والتّي تجعلها قصيّةً عنّا كأنّنا لا نملكها. تمّ تكييفنا على أن نكون أمّهاتٍ صالحاتٍ وبناتٍ صالحاتٍ وذلك من خلال قمع غضبنا و"تقلّباتنا المزاجيّة"، إذ أنّ علينا تحمّل غضب ومزاج الرّجال العكر، حسب التّقسيم الرّأسمالي للعمل الذي وضع على عاتقنا مهمّة تشرّب الغضب الناتج عن الانسحاق الطبقي لرجال الطبقة العاملة كي يفرّغوا مشاعرهم ويعودوا إلى المصانع جاهزين للعمل كأنّ شيئًا لم يكن. أن تغضب نساءٌ من الطبقة العاملة يعني أن يفشلن في مهمّة تغذية الرّجال عاطفيًّا وتمسيد كبريائهم المدعوسة. أن تغضب النساء يعني أن يهدّدن ماكينة الأبوية والرّأسمالية المتكاتفتين لإنتاج المؤسسات التي تقوم عليها شرعيّتهما، من غيريّةٍ حتميّة إلى الزواج الأحادي إلى الأمومة المثالية وغيرها. أن تغضب النّساء يعني أن يَعين أنّ لا شيء من كلّ هذا الظلم فطرةٌ خُلِق عليها الكون أو طبيعةٌ فُطمنا عليها. أن تغضب النّساء يعني أن ترى بعضهنّ الأخريات في أوجاعهنّ اليوميّة والمتناقلة عبر الأجيال.

غضبنا سياسيّ ومسيّس

إن فكّرنا بالثنائيات التّي يقدّمها لنا الأمر الواقع، فهو يريدنا راضيات لا غاضبات، وبالتّالي لا يقابل غضبنا بتشجيعٍ عليه، لأنّ تعبيرنا عن السخط وانعدام السعادة والامتنان يُصوّر على أنّه جحدٌ أو إخفاقٌ فرديّ في الوصول إلى السعادة، كأنّنا نخرق العقد الاجتماعي المبنيّ على أسطورة النقص فينا. ربّما كان الغضب الوحيد الذّي يصوّر على أنّه شرعيّ في الأدبيّات هو "غضبٌ ساطع" آتٍ من طرف من لديه السلطة، كغضب الأب من أطفاله أو الرّئيس من شعبه، لأنّه يصوّر غيرةً على العرض والشرف (المفصّلين من أجل الحفاظ على موازين القوى بدورهما) أو معرفة بالصالح العام. ربّما الغضب الساطع الأشرس الذي وُعدنا به هو ذاك الذي تحتكره المؤسسة العسكرية أو المجموعات المسلّحة، كأنّ مخيال القبول العامّ يعطي حقّ الغضب في السياقات الحربيّة فقط، كأنّه يجب علينا أن ننسلخ في غضبنا عن ذاتيّاتنا لكي يكون مشروعًا ويصير حقّا عامًّا وَلجناه صدفةً، كوننا ننصهر في مجموعةٍ أكبر من أنفسنا. هناك غضبٌ يُصوّر صالحًا، لأنّه في "الصالح العام". وكون الصّالح العامّ هنا أمرٌ يُعرّف على أساس من يمتلك المجال العامّ، أي الرّجال في أماكن السّلطة، فليس غضبنا النسائي والنّسوي معترفًا به. لنفس الأسباب، تُبرّأ ممارساتٌ كقتل العمد بتعلّة الشرف على أساس "الغضب" الذي يُعتبر عنصرًا مخفّفًا للجريمة. يُبرّأ العنف الأسريّ كذلك باعتبار أنّ الرّجل يتعرّض للضغوطات خارج البيت ويفرغها داخله وعلى المرأة الصالحة أن تتفهّم. باختصار، يُبرّأ الغضب الذي يعيد إنتاج الأبوية والعنف، ولا يُقبل غضبنا لأنّ ما علينا سوى تقديم الرّقة واللطف.

عندما ترتاح السلطات القمعيّة لأدوات نضالنا، حينها نعلم أنّها ليست ناجعة

غضبنا النسويّ ليس الغضب الكلاسيكيّ الذّي تعتمده السّلطات للتهديد والإسكات، بل هو غضبٌ يدعو إلى البوح والتشارك والثورة، وتحجيم غضبنا هو طريقةٌ محوٍ واستبعاد. وحين يتذمّر الرّأي العام من علوّ صوتنا، نعلم أنّ صوتنا حقٌّ لأنّه أزعج السلطات المتحكّمة في تشكيل الوضع العامّ. عندما ترتاح السلطات القمعيّة لأدوات نضالنا، حينها نعلم أنّها ليست ناجعة. وعليه، فلنغضب لأنّ غضبنا سياسيٌّ ومسيّس. وعليه، غضبنا درجات، والقبول العامّ لغضبنا درجاتٌ كذلك، جندريّةٌ وطبقيّةٌ وعرقيّةٌ، حرفيًّا. أن تكوني سوداء يعني، لزومًا، أن تكوني غاضبة. وأن تكوني سوداء وغاضبة، بدوره، كثيرٌ على الذّائقة العامّة: وجودك ذاته عاملٌ منغّصٌ يذكّر البيض وغيرهم من المستفيدين/ات من العنصريّة العرقيّة بتواطئنا التاريخي واليوميّ مع العنصريّة. أن تغضبي علاوةً على ذلك وتصبحي تذكيرًا صارخًا، حرفيًّا، بالاضطهاد أكثر من الكثير. أن تكوني عابرةً وتغضبي لانعدام المساحات والمؤسسات التّي تستقبلك مع هوّيتك الفعليّة غير تلك المدوّنة في البطاقات، تذكيرٌ بأنّك تهدّدين سيطرة الدّولة على ديموغرافيّة البلد وسيطرة الأبويّة على حدود المسموح والممنوع. أو أن تكوني لاجئةً في بلدٍ ما وغاضبةً على العنصريّة التي تواجهينها يوميّا أو على التذكير المجّاني بأنّك لا تنتمين إلى أرضك التّي تقطنينها، كثيرٌ على مخيال المواطنيّة المطبطبة على نفسها في استحسان واللابسة لثياب الإنقاذ، فهي تراكِ كلبًا يعضّ اليد التّي أطعمته، كما ترانا السلطات القمعية كلابًا تنبح بينما تسير قوافلها. تزخر اللغة بهذه الأمثلة التّي تسترخص الغضب متى أتى من فئاتٍ مجتمعيّةٍ عسيرة، فتنفيه وتُسكته، بل وتُدينه. علينا دائمًا أن نكون الشخص "الأكبر" وأن نتجاوز، علينا أن نُدير الخدّ الآخر لتلقّي الصفعات. علينا أن نتجاوز حقوقنا المأكولة وأفكارنا المنبوذة واستقلاليّتنا المسروقة بحقٍّ إلهيٍّ ذكوريٍّ، مواطنيٍّ، مغايرٍ جنسيّا، أو نافٍ لوجود كلّ ما لا يخدم مصلحته. نحن "كثير"، ونريد الكثير ونطالب بالكثير، بالعدالة كلّها، لا بجزءٍ منها. ونودّنا كثيراتٍ وغاضباتٍ وثائرات.

غضبنا آليّة تنظيم وتحرّر 

كما تقوم الرّأسمالية بالاستيلاء على الخطابات الراديكالية وتسليعها، تقوم الأبويّة بتصوير غضبنا كبعدٍ عن الآليات المسموحة في النّضال، وذلك ليس لخدمتنا. وعليه، كما يمتلك النموذج السلمي موافقة النموذج "المتنوّر" في حلّ الأزمات، كما تطالب السلطات من شعوبها المتمرّدة أن تخفض صوتها وتمتلكه فقط لصناديق الاقتراع، نطالَب بترك غضبنا جانبًا حين ننتظم. تتكوّن ثنائيّات بين الصوت "الحقّ" المحترم، والصوت الباطل الصارخ بأوجاعه. لا يختلف ذلك عن تحقير واستبعاد التّمرّد المجتمعي العضويّ الذي يمارسه من ليس لهم/نّ سلطةٌ ونفوذٌ كبيران على نطاق ضيّق، كالتّهرب من الضرائب أو العصيان المدني، على أساس أنّه قلّة وعيٍ أو ذوق، وعدم امتثالٍ لمثاليّات المواطنة الفاعلة والرّاشدة. اللغط في اعتبار أنّ هناك طريقة مُثلى للتّمرد أو النّضال أو النقد، والاعتقاد أنّه بالإمكان جمعنا حول طاولةٍ مستديرةٍ للنّقاش في ما لا يحتمل النّقاش، كأنّ الأمور التّي تعنينا نحن مرتبطةٌ بموافقة من لهم موقفٌ "صحيٌّ" متأنٍّ، ولا يُعميهم الغضب عن الحوار الراشد وأساليبه، كأنّنا أطرافٌ متساوون لا تفرّق بيننا موازين القوى إن اجتمعنا حول هذه الطاولة. فعندما فجّرت السلطة مرفأ بيروت، فكّرت ورفيقات النضال: "غضب!" فكّرت بالغضب ولكنّه لم يتدفّق إلى رعشة ذراعيّ ولم يكوّر يدي في استعدادٍ لمعركة. فكّرت أنّهم قد سرقوا الغضب منّا. حتى الغضب لم ينجُ من الانفجار، لأنّهم يريدون منّا الخمول أو السلميّة أو الانتخاب أو الابتسام. خشيتُ أنّنا استنفدنا مخزون الغضب لدينا حتّى لم تبقَ لدينا سوى أصداؤه تتكرّر في أذهاننا كسبيلٍ للنّجاة. خفت أنّ الغضب استُبدل بشعور الخسارة، ولم يكن ذلك شعورًا مطمئنًا.

لحظة غضبٍ واحدةٌ كفيلةٌ بأن نعترف لأنفسنا وللعالم أنّ ما نشعر به في أحشائنا ليس أمرًا شخصيّا بحتًا، بل قضيّةً سياسيّةً

سألتني صديقةٌ ذات مرّة عن كيفيّة الحصول على الاستقلالية التّي حسبتها موجودةً عندي بدرجةٍ أو بأخرى. أجبتها سريعًا أنّ الأمور تتحسّن متى استقلّت مادّيًا، ثمّ تذكّرت الحقيقة الأخرى التّي غابت عنّي؛ استقلاليّتنا عن التّفاوض على حيواتنا بإنتاجها سلسةً ومستساغةً للنّظام الأبوي لكي نكسب البعض من الاحتراميّة ومعها البعض من راحة البال الخامل، حقيقةٌ تتجسّد بلحظة غضبٍ واحدة. لحظة غضبٍ واحدةٌ في وجه التهديد والإهانة والأذى الجسدي والإذلال والظلم. لحظة غضبٍ واحدةٌ كفيلةٌ بأن نعترف لأنفسنا وللعالم أنّ ما نشعر به في أحشائنا ليس أمرًا شخصيّا بحتًا، بل قضيّةً سياسيّةً تتطلّب حلولًا سياسيّةً كذلك. هي ما نشعر به في أحشائنا، كأن نشعر بالحاجة الملحّة إلى الاستحمام متى لَمسَنا "عن غير قصدٍ" رجلٌ ما لمسةً أكّد لنا العالم أنّها "بريئة" ولكنّ جسمنا عرف غير ذلك وهو العليم. ما نشعر به في أحشائنا هو ما ينجينا، هو ما يكون على تواصلٍ غير مروّضٍ وغير مهذّبٍ بحقيقة ما نختبره. يكون الغضب بمثابة التّحذير على وجود خطأ ما: "انجِ بجلدك ولا تنسي الرّفيقات". هو الوسيلة الأولى لكي نتعرّف على أوجه الظلم على اختلافها، وهو الوسيلة الأكثر مناليّة كذلك لأنّها متاحة للجميع وليست مشروطةً بموقعيّاتهنّ أو مواردهنّ. الغضب موردٌ اشتراكيّ الهوى، متجمّعاتي (collectivist)، يجمعنا بغيرنا من الغاضبات والغاضبين. هو الوسيلة الأسهل لاكتشاف حلفاءٍ في قاعةٍ أو شارعٍ مكتظّ. يدفعنا الغضب إلى حشد أنفسنا وغيرنا للمطالبة بالمسائلة. يعيدنا إلى جذور المشكلة مهما حاول العالم إلحاق اللوم بنا في فرادتنا وخياراتنا بدل الأسس الهيكليّة التّي تصنع الظلم الذّي نعيشه. سلاح المستضعفات والمستضعفين هو السخط، سلاح الطبقات العاملة هو الحقد الطبقي، وغضبنا النسويّ ليس شعورًا مشروعًا فقط، بل وأداةً لا تقلّ شرعيّةً عن أدواتِ أخرى، إن لم تكن تفوقها إمكانيّات، وهذا ما يقضّ مضاجع السلطات.

نحن نأتي إلى هذا العالم كلاعباتٍ كُتبت لهنّ الخسارة سلفًا، لأنّ اللعبة مغشوشةٌ، لأنّ اللاعب الأساسي، ذلك الذي هندس المجتمع الذي نعيش فيه لأجله ولأجله وحده، لا يتكلّف حتّى عبء إخفاء ورق اللعب الإضافيّ في كمّه للاحتيال علينا. هو ليس بحاجةٍ إلى ذلك، هو يحتاج فقط إلى إسكات غضبنا كي لا نشوّش عليه استمتاعه بالحياة التّي يمنعها عنّا. غضبنا النسوي مساحةٌ تحرّريةٌ لأنّها تتفوّق على اللامبالاة والعجز الملقّنين لنا وتمزّق صفحة الخذلان اليوميّ الرّاكدة. غضبنا النسوي يُخرجنا من ثقل اللوم المفروض علينا وإيهامنا بفرديّة صراعاتنا ومزاجيّة مشاعرنا. هو قوّةٌ تعمل من خلال الإفراغ إلى الخارج، وبذلك نستطيع تصويبها إلى مكامن الظلم وربط اللوم الذي نتلقّاه والعجز الذي نشعر به بالشّروط التي خلقته.

في قوانين الفيزياء، لا شيء يختفي بل كلّ شيءٍ يتحوّل. وإن لم يتحوّل غضبنا إلى قهرٍ ووجعٍ داخليّ، قد تكون له إمكانيّات ثوريّة. وكما نادت نسوياتٌ ملونات ومن الجنوب العالمي، فلنكتب غضبنا، ولنسره ولنرسمه ولنرقصه ولنشاغبه ولنحكيه.. فلنحيِّ على غضبنا النسويّ لكي يبقى ساطعًا ويغيّر العالم.

  • 1. في مقال بعنوان "نسويّات قاتلات البهجة (بالإضافة إلى مواضيع قصديّة أخرى)"، فكّكت الكاتبة والباحثة سارة أحمد أسطورة "السعادة" التي خلقها المجتمع وفرضها على النساء. المقال، الذي ترجمته دانا علاونة في إطار إصدارة في سنة 2017 عن مجموعة اختيار ومركز الصورة المعاصرة في القاهرة، متوفّر على هذا الرابط: https://www.ikhtyar.org/?page_id=20969.
  • 2. سارة أحمد، "نسويّات قاتلات البهجة (بالإضافة إلى مواضيع قصديّة أخرى)، ترجمة دانا علاونة، مجموعة اختيار ومركز الصورة المعاصرة، القاهرة، 2017، https://www.ikhtyar.org/?page_id=20969.