عجائزنا المَوصومات: لا تعتذِرن عن التقدّم في السّن

مجتمعاتنا ولغتنا حافلةٌ بالعبارات والجمل التي تنمّط المرأة المتقدّمة في السن بطرق مختلفة، مثل "الجدّة الوقور" ذات الهالة الملائكية و"العجوز الشمطاء" التي تبدو كالمِسبة. فهل تحمل المُخيلة الجَمعيّة إمكانيةً تتجاوز تلك الصُور الروتينية للمرأة حين تشيخ؟

حين تُذكر الجدّة، تقفز إلى المخيّلة فورًا صورة "الجدّة الوقور" ذات الهالة الملائكية، تجلسُ مُطمئنةً على أريكتها، يُحيط بها الأحفاد من مختلف الأعمار ناظرين إليها بخشوعٍ وتبجيلٍ واحترام، قبل أن ينحصر دورها في سرد حكاياتٍ تقطر حكمة. تقطع حديثها بين الحين والآخر لتُتمتم بصوتٍ خافتٍ بعض التسابيح والأذكار، حتى إذا ما وقع عليها الموتُ وجدَها "طاهرةً" ولائقة. 

تسقط تلك الصورة الملائكية ما أن تزيح المفردةُ قيد أُنملةٍ لتنتقلَ من "الجدّة" إلى "المرأة العجوز". عندها، تباغتُنا صورةٌ ذهنيةٌ مُتعارفٌ عليها في الفولكلور والأساطير، تُشهِر نفسها باستمرارٍ منذ الطفولة: صورة العجوز الدميمة التي ترتدي ثيابًا سوداء وتمارس السحر. فهل تحمل المُخيلة الجَمعيّة إمكانيةً تتجاوز تلك الصُور الروتينية للمرأة حين تشيخ؟

قدّمت الباحثتان دافنا ليميش (Dafna Lemish) وفاردا موهيلبور (Varda Muhlbauer) دراسةً نقديةً عن صورة "المرأة العجوز"، تشير إلى تعرّضها لتمييزٍ مضاعفٍ في الثقافة المعاصرة، الأول على مستوى السّن والثاني على مستوى الجندر. ووفقًا للدراسة، تسود صورةٌ ذهنيةٌ محددةٌ يُروّج لها عن "المرأة العجوز"، تمرّ بأربع مراحل أساسيةً وتؤثّر في وجود وحيوات أولئك النساء في المجتمع، هي: الحجب والتعتيم، التنميط والنمذَجة، الإقصاء والخندَقة، والإدماج في المجتمع وفق شروطٍ محددة. وتتحدّث الباحثتان عن وجود حاجةٍ كبيرةٍ إلى مناقشة تلك الصُور الذهنية، كي تستطيع النساء العجائز منح تجربة التقدم في السّن معنًى يتفق وخبراتهنّ وواقعهنّ المُعاش.1

مانيفستو النساء المتقدّمات في السّن

وضع النظامُ الأبويّ مسارًا مُحددًا لتشيخَ المرأةُ ضمن حدوده. أحكم هذا المسار قبضَته على النساء بالقوالب الجاهزة والقواعد المرصوصة رصًا في اللاوعي الجَمعي. ذلك ليس بالأمر الجديد، فهو المنهج القمعي ذاته الذي يلاحق النساء دومًا في كافة مراحل وجودهنّ بُغية تنميطهنّ والسيطرة عليهنّ. 

تبدو لنا الصورة الذهنية السابقة عن "الجدّة الوقور" محاولةً ظاهريةً للتبجيل مكسوّةً بشفقةٍ وودّ، إلا أنها تنطوي على رغبةٍ في تأديب النساء العجائز عبر رهبنتهنّ بعد أن فقَدن امتيازهنّ الوحيد للبقاء داخل المنظومة الأبوية، ألا وهو جاذبيتهنّ الجنسية/الجسدية وقدرتهنّ على العمل والإنتاج. يتحوّل باقي أفراد المجتمعات البطريركية المحيطين بالنساء العجائز من أهلٍ وأقارب - وحتى النساء أنفسهنّ - بفعل الاستلاب الذهني على مرّ الأزمنة إلى عيونٍ مُحدّقةٍ إلى الوراء، تعتاش على نوستالجيا النظر في ألبوم صورٍ بالأبيض والأسود تعرض وجوهًا نضرةً وبشرةً لم تحتلّها بعد علاماتُ الزمن. 

تُبقي هذه الدينامية المُجتمعية على النساء العجائز بدافع الشفقة بقاءًا وجاهيًا مجتمعيًا، شريطة أن يلتزمن بصورة "الجدّة الوقور"، بينما يوظّف المجتمع كل أدواته لإقصائهنّ والدفع بهنّ إلى الاختباء وتجريدهنّ من أيّ أثرٍ أو وجودٍ خارجي - ما عدا داخل المانيفستو المُعدّ لهنّ مُسبقًا - أو يتلاعب ذهنيًا بهنّ في حالات العجز والوهن لاستلاب قوتهنّ المالية. وهناك حالاتٌ عديدةٌ لنساءٍ وقّعن دون إرادتهنّ توكيلًا بإدارة أموالهنّ لأبنائهنّ أو أزواجهنّ أو أحد ذكور العائلة، ليستوليَ هؤلاء على كل شيءٍ لاحقًا. 

وضع النظامُ الأبويّ مسارًا مُحددًا لتشيخَ المرأةُ ضمن حدوده. أحكم هذا المسار قبضَته على النساء بالقوالب الجاهزة والقواعد المرصوصة رصًا في اللاوعي الجَمعي

يعمل المجتمع الأبويّ على اختراع وفرض أنماطٍ من القولبة على النساء في كافة أعمارهنّ، ما يدفعهنّ إلى العزلة ويعمّق شعورهنّ بالاغتراب. ويصل الأمر حدّ أن تُحرم المرأةُ الوعيَ بذاتها والاستبصار بنقاط قوتها وقدرتها على التجدّد والتماهي مع نهر الحياة. عبر الزمن، جرى تقطيع أوصال كلّ ما من شأنه منح النساء القوةَ والتجذّر، خشية أن تُغير النساءُ شروط اللعبة أو يستحدثن لعبةً جديدةً وفق شروطهنّ تنبثق عن خبراتهنّ وتجاربهنّ. 

أصبح البقاء داخل "المتاهة" المرسومة بعنايةٍ عبر الأزمنة لتشكيك المرأة في ذاتها، أمرًا مصيريًا لمجتمع السلطة الأبويّ الذي يستمدّ هيمنته من وجود طرفٍ مقهورٍ يُغذّي نرجسيّته السّامة. مثل هذا الاستلاب وما يتبعه من عزلةٍ وإقصاء، يصبح جليًا لدى النساء العجائز اللواتي تتضاعف في داخلهنّ مشاعرُ العزلة والاغتراب بسبب بعدهنّ عن جوهر ذواتهنّ أكثر فأكثر. فمَن يستطيع أن يحفر في أذهان النساء العجائز أنهنّ مقبولاتٌ ولسنَ عبئًا ثقيلًا، وأنّ ما يختبرنَه من تحوّلاتٍ ليس ضربًا من الجنون أو وصمًا مستمرًا بالهستيريا، وأنّ هناك خياراتٌ للحياة تتجاوز انتظار الموت؟

كيف تشيخ المرأة في اللغة؟

في اللغة العربية، المرأة الطاعنة في السّن هي امرأةٌ عجوز. لكن وفقًا للسانِ العرَب، يمكن القول "لامرأة الرجل وإن كانَت شابة: هي عجوزه، وللزوج وإن كان حدثًا: هو شيخها". كما وجدتُ أن أكثر المصطلحات التصاقًا بالذاكرة الجَمعية للثقافة العربية هي مفردة "شمطاء" التي غالبًا ما تقترن بكلمة "عجوز". يخبرنا القاموس أن "الشمطاء" هي من خالط سوادُ شعرها البياض، أو الشجرة التي سقطَت أوراقها. وبالرغم من أن للصفة "مذكرٌ" هي "أشمط"، إلا أنها لا تُطلق على الرجال الطاعنين في السّن، فعبارة "رجلٍ أشمط" تبدو غير مألوفة. هنا تساءلتُ، لماذا اقترنَت صفة "شمطاء" بالنساء العجائز كـ"مسبّةٍ" بالرغم من أن معناها غير سلبي؟ ومن أين أتَت تلك الصورة الملتصقة بها في الاستخدام الشعبي المعاصر؟ 

مستعينةً بعلم أصول الكلمات، وجدتُ أن وصف المرأة بالعجوز الساحرة والمُنفّرة وسريعة الغضب قد ظهر في اللغة الإنجليزية القديمة، لاسيّما في بداية القرن الثالث عشر.

ولعل المثير للدهشة أن المفردة الإنجليزية القديمة، "Hag"، تقترب في النطق من كلمة "حاج" في اللغة العربية، فنحن عادةً ما ننادي كبار السّن بـ"يا حجّ" أو "يا حجّة" لإضفاء المزيد من الوقار والطّهر عليهمن.

أما جذر المفردة في اللغة الإنجليزية القديمة، فيَرِدُ في الألمانية القديمة بمعنى "الساحرات والأشباح"، بينما يُفيد في النرويجية معنى "السيدة الكسيحة التي تنتمي إلى عالم الجنّيات أو الشياطين". أما في اللغة الليتوانية، فتعني المفردة "الروح التي تطير بعيدًا، وتتبعثر وتختفي".

تذكر الباحثة روزاليند كلارك (Rosalind Clark) في دراستها النقدية الأدبية عن أصل الكلمة، أن أحد المعاني المُقترنة بالجذر المؤسّس لكلمة "المرأة العجوز" بالإنجليزية، كان يدلّ على "المرأة ذات القوى الروحانية العالية والقدرات الخارقة، والتي يجب احترامها والخوف منها". وتشير الباحثة هنا إلى تأثير الديانة الوثنية التي سادت في أوروبا الشمالية آنذاك واعتبرَت المرأة التجسيدَ الأول للألوهة، قبل أن تختلط المعاني في الثقافة الشعبية ومعها دلالاتُ الكلمة.2

أما قاموس اللغة الإنجليزية المعاصر، فيوردُ المعنى الفولكلوري القديم لمفردة "المرأة العجوز" كما يلي: "امرأةٌ ساحرةٌ تمتلك قدراتٍ روحانيةً ويُمنع استخدامها ضد النساء أو لتأجيج الكراهية ضدهنّ".

هل يمكننا إذًا طرحُ فرضية أنّ اللغة العربية، بعكس الإنجليزية، لم تنحَز سلبًا إلى "تنميط المرأة العجوز"؟ لكن يُحسب للّغة الإنجليزية أنها طوّرَت نفسها وتخلّت عن إرث الكراهية المنتمي إلى العصور المُظلمة، فلماذا إذًا بقيَت الكراهية والصورة المُقولبة المقترنة بعبارة "عجوز شمطاء" حاضرةً في الأذهان حتى اليوم؟

الخيال الأدبي يُعيد الدماء للجدّات "غريبات الأطوار"

في مطلع عام 2021، أعادَت صحيفة ’نيويورك تايمز‘ طباعة ونشر رواية 'بوق السمع' للكاتبة والفنانة النسوية لينورا كارينغتون (Leonora Carrington). وكانت الرواية ظهرَت للمرة الأولى عام 1974 لتحكي قصة ماريان ليذربي، امرأةٌ في سنّ الثانية والتسعين، تشيخ وفق مانيفستو المجتمع؛ فهي شخصيةٌ مسالمةٌ للغاية وحالِمة. تعاني ماريان من فقدان السمع، ويتضاعف شعورها بالعزلة عندما تشعر بأنّ مَن حولها يتآمرون عليها. أما صديقتها كارميلا، فمن لحظة ظهورها الأولى في الرواية، تضربُ عرض الحائط الأحكامَ المُسبقة عن النساء العجائز. تحرص كارميلا على صبغ شعرها باللون الأحمر القاني، لا تكفّ عن كتابة الرسائل لحبيبٍ مجهول، تدخّن بشراهةٍ لأنها تشعر بمتعة نفث الدخان في الهواء، وتطلق الريح كلّما تسنّى لها الأمر إذ يُشعرها بالارتياح، غير مباليةٍ بكلام الناس ونعتهم لها بـ"غريبة الأطوار".

الواقع يخبرنا كل يومٍ أنه حين تطالب النساء باسترداد قوتهنّ أو وعيهنّ، تتهاوى كل أقنعة السلطة المتمثّلة في تبجيل العجائز، والشفقة نحوهنّ وغير ذلك من صورٍ مُهترئةٍ

ترسم الرواية خيطًا إنسانيًا للصداقة بين سيدتَين متقدّمتين في السّن، تبدوان على طرفَي نقيض. لكن مع توالي الأحداث، نتذكر "أُختيّة النساء" وضرورتها في دعم بعضنا البعض. هكذا، تُهدي كارميلا - "غريبة الأطوار" - صديقتها الحالِمة بوقًا للسّمع كي تخفّف من وحشتها. وما أن تبدأ ماريان باستخدامه، حتى يبدأ عالمُها القديم الذي صمّت أذنَيها عنه في محاولةٍ للتماهي وتجنّب الإقصاء، بالكشف عن وجهه القبيح. تتأكد عندها من تآمر ابنها الوحيد مع زوجته بعد أن ملّا انتظار موتها، فيُرسلانها إلى مؤسّسةٍ مختصّةٍ برعاية كبار السّن، حيث تواجه ماريان بصورةٍ فجّةٍ ومكثفةٍ كل مظاهر النفاق المُجتمعي والديني تجاه النساء، لاسيّما الطاعنات في السّن. وللمرة الأولى في تاريخها، تمارس ماريان التمرد رافضةً الانصياع لكلّ ما مرّت به سابقًا في العالم الخارجي، فيتمّ إقصاؤها ومعاقبتها بقسوة. عندها، تأتي صديقتها كارميلا لإنقاذها وتنطلقان معًا في رحلةٍ غرائبيةٍ تشبه رحلة ’أليس في بلاد العجائب'.3 تبدأ رحلة "أُختيّة كارميلا وماريان" ببواباتٍ للعبور إلى العالم السفلي المليء بالأساطير القديمة، غير أنهما تقابلان الوجهَ الأنثوي الذي يقلبُ كل تلك الأساطير رأسًا على عقب. تنتهي الرواية على نحوٍ غير متوقع، تاركةً القارئة لتُعيد التفكير في كل ما كانت تظنّ أنها تفهمه كراحةِ يدها عن عالم النساء المتقدّمات في السّن.

من خلال الرواية، تقوم البطلَتان الموصومتان بغرابة الأطوار بصنع هامشٍ للحياة لا تصِله قبضةُ السلطة الخارجية، فترفُضانها عبر اختراع حياةٍ جديدةٍ متوسّلتَين الاتصال بـ"روح الألوهة الأنثوية القديمة". في رحلة "أُختيّة كارميلا وماريان"، نقرأ كيف تعيش المرأتان وسط صفحات 'بيستيس صوفيا'، كتاب الحكمة وتفسير نشأة الكون وفق العقيدة الغنّوصية والمرويّ بصوت القوة الأنثوية. كما تتجسّد للبطلتَين باربيلو، وهي وفق العقيدة ذاتها، محاولةُ التجسّد الأولى للألوهة في هيئة أنثى، فتشعران بالقوة تتدفّق في أوصالهما رغم كل ما ينعق حولهما ليقنعهما بأنّ عظامهما هشّةٌ وذاكرتَيهما معطوبتان ومسمّمتان بالخيال، ذاك الخيال غير المُباح سوى في طفولةٍ غادرَتها البطلَتان منذ عشرات السنين.

العجوز تُهدي النسوية مزيدًا من غرابة الأطوار

لاقت رواية ’بوق السمع‘ في طبعتها الجديدة استقبالًا هائلًا من الناقدات والنقّاد والقرّاء والقارئات لما قدّمته من عوالم سرياليةٍ في السرد، ووُصِفت بأنها التوأم السحري لـ'أليس في بلاد العجائب'، إذ تتحوّل فيها أليس إلى ماريان ليذربي وكارميلا في سنّ التسعين. 

تناولَت الأديبة والناشطة الحائزة على جائزة نوبل أولغا توكارتشوك (Olga Tokarczuk) الروايةَ في قراءةٍ نقديةٍ معمقةٍ من منظورٍ نسوي، وأفردَت لها مقالةً بعنوان 'غرابة الأطوار والنسوية'. وتشير الكاتبة في مقالها إلى أن بطلتَي ’بوق السمع‘ تقتربان من مفهومٍ لطالما شابهُ الوصمُ والتحقير، هو "غرابة الأطوار"، معتبرةً أنّ النسوية بحاجةٍ إلى تفكيكه والتصالح معه، بل واتخاذه بديلًا واجبًا في شريعة النسويات مقابل البطريركية. فوفقًا لها، كل ما يوصَف بغرابة الأطوار هو فعلُ اقترابٍ من صفات الألوهة الأنثوية في الروح القديمة التي حرصَت على طمس المعرفة والاتصال بها المجتمعاتُ الحداثية المتأسّسة على الأنظمة البطريركية. وتستكمل توكارتشوك التحليل بالتأكيد على أن "غرابة الأطوار" بالنسبة إلينا كنسوياتٍ هي بمثابة استردادٍ للاتصال مع ما فُقد من قوةٍ ومعرفةٍ وحكمةٍ قديمة. 

وتستَتبع توكارتشوك تعليقها بتوضيح نوع الاستلاب الذي تعرّضَت له امرأةٌ في سنّ التسعين، مقتبسةً قول بطلة الرواية ماريان: "لم أكُن خائفةً من بقائي وحيدةً بسبب تقدّمي في العمر، بل كنتُ أخشى أن تُنتزع مني وحدتي من قِبَل عديمي الرحمة"؛ فالعجوز التسعينية ظنّت أن بمقدورها استرداد قوّتها بعد أن قدّمَت فروض الولاء ودفعَت صكوك وقرابين الانتماء للسلطة طيلة حياتها السابقة، فإذ بها تُعاقب على انخراطها في عالم الساحرات الموصومات. 

في الحقيقة، أتفق مع قراءة توكارتشوك، فالواقع يخبرنا كل يومٍ أنه حين تطالب النساء باسترداد قوتهنّ أو وعيهنّ، تتهاوى كل أقنعة السلطة المتمثّلة في تبجيل العجائز، والشفقة نحوهنّ وغير ذلك من صورٍ مُهترئةٍ تبدأ بالتساقط واحدةً تلو الأخرى فور تعرّضها لتهديدٍ متخيلٍ يمسّ كل ما جرى تركيبه بعنايةٍ من صُورٍ مُنمّطة.

تقف النساء اللواتي تجاوَزن سنّ السبعين وحيداتٍ خارج النسوية، ونقف نحن في داخلها وحيداتٍ من دونهنّ

على النحو عينه، أتفق مع مناداة النسوية دومًا بكسر العزلة المفروضة على التقدم في السّن. تقف النساء اللواتي تجاوَزن سنّ السبعين وحيداتٍ خارج النسوية، ونقف نحن في داخلها وحيداتٍ من دونهنّ. هل يمكن لعوالمهنّ التي يُنفَين إليها منحنا نحن النسويات والنسويّين فهمًا طازجًا ينتمي إلينا وينبع من بواطننا؟ هل نحتاج نحن كنسوياتٍ ونسويّين للعبور إليهنّ، اكتساب القوة من عوالمهنّ وضمهنّ إلينا في "أُختيةٍ" متبادلة، لاسيّما أولئك الموصومات بغرابة الأطوار؟

يخبرنا علم النفس أن الكراهية التي مُورسَت ضد النساء عبر الأزمنة وقولبتهنّ جاءت نتيجة الخوف من قوتهنّ إن هنّ اكتشفنَها. فهل بإعادة الاتصال بالقوة المفقودة، تعود الساحرات، لكن هذه المرة وفق شروطهنّ؟

2021: عام عودة الساحرات

لم يعُد النقاش بشأن "غرابة أطوار" النساء العجائز مطروحًا في الساحة الأدبية فحسب، ففي شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام الذي شهد عودة رواية ’بوق السمع‘ والضجّة التي رافقتها، منحَنا الواقع المصري حادثتَين تستحقان الانتباه.

تصدّرَت الحادثة الأولى الأخبار على موقع غوغل والترند على مواقع التواصل الاجتماعي، فهبّ الجميع يتكلّمون عن نساءٍ متقدّماتٍ في السّن في صدد الاحتفال في أحد النوادي الخاصة بتورتةٍ على شكل قضيب. هؤلاء النسوة الموصومات بـ"غرابة الأطوار" نتيجة "عدم احترامهنّ سنّهن"، تعرّضنَ لحملة سبٍّ وشتمٍ ومضايقاتٍ بلغَت حدّ طلب البرلمان المصري من النادي المعني إجراء تحقيقٍ عاجلٍ وفوري واتخاذ إجراءاتٍ صارمة بحقّ السيدات. أربكَت الحادثةُ البنيةَ الذكورية الهشّة والسّامة في مجتمعٍ تأسّس على الكبت والانضباط، فكان لزامًا أن يستدعي إرثه من الكراهية لإجبارهنّ على الاعتذار عن "فعلتهنّ"!

بعد يوميَن من تلك الحادثة، تصدّر خبر وفاة الداعية الإسلامية عبلة الكحلاوي صفحات الأخبار. في تلك اللحظة، يبدو أن المجتمع وجد أمانه المهدّد في الصورة التقليدية التي قدّمتها الداعية الراحلة، إذ وصفها كثرٌ في تأبينها بـ"الأم الرؤوم" و"الجدّة الحانية". هكذا، تحوّلَت جنازتها إلى احتفاءٍ جماهيري يليق بالقدّيسين والقدّيسات بُغية استرجاع المجتمع جزءًا من طمأنينته الزائفة. 

الأيام تمضي. يراهن الجميع على ذاكرةٍ مُجتمعيةٍ كذاكرة السمك. اختفَت نساء التورتة الجنسية. توارَين عن الأنظار كما شاء لهنّ قانونُ السلطة، لا لأنهنّ فقَدن السمع مثل بطلة رواية ’بوق السمع‘، بل لأنهنّ بالَغن في إظهار الحياة وإعلان وجودهنّ، وارتضَين أن يكنّ كارميلا التي لم تكترث قط بنعوت غرابة الأطوار، بل صنعَت منها نيشانًا زيّنت به حياةً عاشتها من دون أن تقدم أيّ اعتذار.

أودّ لو تتوقف كلّ عجوزٍ عن الاعتذار، وأن تقف بوجه كل ما يتسلّل خفيةً في أوصالها ليجبرها على الانسحاب من مسرح الحياة. أريد أن تكفّ العجائز عن إعلان التوبة عن خطيئةٍ مُتخيّلة. ففي كل مرةٍ تتوقّف فيها جدّاتنا وأمهاتنا عن الاعتذار، نتصل بهنّ أكثر، ونستعيد بدورنا رغبتنا في الامتناع عن شرح ذواتنا في مراحلنا العمرية كافة. 

فَليكُن الاعتذار الوحيد لذواتنا في كل مرةٍ نخونُ فيها أنفسنا ونفقد الاتصال بجوهرنا. وإذا تطلّب الأمر أن نكون ساحرات، فلنوقظ الساحرات في دواخلنا ولنستردّ سحرَنا القديم.

  • 1. Dafna Lemish and Varda Muhlbauer, ‘Can’t Have It All: Representations of Older Women in Popular Culture’, Women & Therapy Journal, Vol. 35, Issue 3-4, 2012, p. 165-180
  • 2. Rosalind Clark, ‘The Great Queens: Irish Goddesses from the Morrígan to Cathleen Ní Houlihan’, Maryland, U.S.A: Rowman & Littlefield Publishers, 1991, p. 5, 8, 17, 25
  • 3. تمكن مشاهدة فيلم الرسوم المتحركة 'أليس في بلاد العجائب' على هذا الرابط.