الجنس في المغرب، بين الفطري و الثقافي

كان الجنس في المغرب عبر التاريخ موضوعا مزدوجا، إذ بقدر ما هو ممنوع بقدر ما هو مرغوب.

''لا يخلو رجل بامرأة إلا و كان ثالثهما الشيطان'' هذا الشيطان يدعوا هذه المرأة و هذا الرجل إلى ممارسة الجنس، و هذا حديث صحيح من الجامع الصحيح للبخاري. لكن ماذا يعني الجنس؟

الجنس هو النوع و أصل الشيء، و الإنسان جنسان، ذكر و أنثى . لكن كلمة جنس التي تقابل كلمة Sex في اللاتينية تطورت ايتيمولوجيا لتحيل على العلاقة الحميمة بين الذكر و الأنثى أو بين شخصين من نفس الجنس، هذ العلاقة التي تسبقها رغبة جنسية ممهدة لهذا الاتصال أو ما يعرف بالليبيدو في حقل علم النفس يكون هدفها بلوغ اللذة الجنسية، إضافة إلى الأهداف الأسمى للجنس كتحسين الإنتاج الفكري و التناسل.

و في اللغة العربية نجد كلمة نكاح تحيل الى العلاقة الجنسية المشروعة و نجد كلمة زنى تحيل الى العلاقة الجنسية غير المشروعة، وإن كانت هاتين الكلمتين تدلان على نفس الدلالة إلا أن توظيفهما بدءا بالقرآن يوضح مدى أهمية صبغة الشرعي في تحديد قيمة العلاقة الجنسية، تلك البريئة التي يؤطرها الزواج و المذنبة التي تتم بدون رابط مقدس. إذ أسهب الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين في وصف مفصل لكيفية ادماج الدين الإسلامي للغريزة الجنسية في نظامه بشكل يُرضي الله، لأن الشهوة الجنسية إن لم تُقنن وفق قواعد معينة ستؤدي للإخلال بالنظام الاجتماعي للمجتمع الإسلامي.

ففي المجتمع المغربي، نجد صورة المرأة كمعتدية جنسيا، إذ يورد البخاري في صحيحه: "ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء" باعتبارها القوة التي من الممكن أن تُخل بالنظام الاجتماعي من الداخل من خلال التأثير على الرجل جنسيا. وتتجسد هذه الصورة بوضوح في الثقافة الشعبية المغربية من خلال أسطورة ''عائشة قنديشة'' الشهيرة، المرأة الجنية المثيرة جنسيا التي تُغوي الرجال لتمارس معهم الجنس و تسكنهم بعدها إلى الأبد، إذ يُنظر إلى الأنثى في الإرث التقليدي المغربي كقوة هدامة من خلال شبقها الجنسي، في حين يُنظر إلى الرجل ككائن ضعيف أمام فتنة المرأة الشبقية.

الايحاءات الجنسية موجودة في تاريخ الموسيقى الشعبية المغربية

كان الجنس في المغرب عبر التاريخ موضوعا مزدوجا، إذ بقدر ما هو ممنوع بقدر ما هو مرغوب، ذلك أن البنية الاجتماعية المغربية مزدوجة بالأساس، فلكل شيء وجهان، الأول ظاهر والثاني خفي. والجنس إحدى مكونات هذه البنية المزدوجة، فرغم الاهتمام الذي يلقاه في الخفاء إلا أنه في العلن يُعبر عنه بحشومة أي عيب، هذه الكلمة التي تُقال بصوت خافت غالبا لتدل على أن الحديث عن الجنس والخوض فيه بشكل صريح غير مقبول تماما. لكن بالمقابل نجد أن الايحاءات الجنسية موجودة في تاريخ الموسيقى الشعبية المغربية، إذ تغنت بهذه الايحاءات جيل من رائدات هذا النوع الموسيقي تلميحا، أمثال الحمداوية ، فاطنة بنت الحسين، الزحافة، زريكة بنت الوقيد وغيرها. ونجد أيضا الأدب الروائي الذي كان له رواده الجريؤون كمحمد شكري الذي حكى في سيرته الذاتية المشهورة '' الخبز الحافي '' عن تفاصيل حياته الجنسية دون صباغة.

لكن حاليا نلاحظ أن النظرة إلى الجنس في المغرب اختلفت ولم تعد متقوقعة في إطار الحشومة كما كانت في السابق، رغم بعض التحفظ العائد إلى التشبث بالتقاليد الاجتماعية والعادات الدينية، إلا أن جيل اليوم وعى بأن الجنس لم يعد تابو كما كان في الماضي، فقد ساهم الإعلام الأجنبي في السماح للشباب باختراق ذلك التابو، وعرف أن الجنس هو علاقة طبيعية من حقه أن يعيشها محاولا بذلك كسر القيود الاجتماعية المفروضة على العلاقة الجنسية التي كان يجب أن تنضبط من خلال طقوس اجتماعية محددة. هذا الانتقال الجنسي فصّلت له عالمة الاجتماع المغربية، الراحلة فاطمة المرنيسي في كتابها ''ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية'' إذ قدمت من خلاله دراسة سوسيولوجية لديناميكية العلاقة بين الجنسين في مجتمع مغربي يستمد قوانينه من الدين الاسلامي، حيث حاولت وصف التغير المتسارع الذي عرفته العلاقة بين المرأة و الرجل ما بعد الاستقلال في المغرب.

وعن الجنسانية نجد الكاتبة سمية نعمان جسوس، التي قدمت أكثر من مؤلف عن الحياة الجنسية في المغرب وأشهرها، كتابها ''بلا حشومة: الجنسانية النسائية في المغرب" الذي تطرق للحياة الجنسية للمرأة المغربية من ألفها إلى يائها محاولة أن تصف ما تعانيه المرأة كمضطهدة جنسيا في مجتمع ذكوري بامتياز. كما كرّس عالم الاجتماع والأكاديمي عبد الصمد الديالمي أبحاثه العلمية للجنس والجنسانية، و التطور الذي رافقهما في سياق التطور الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع المغربي، مؤسسا نظرية عن الانتقال الجنسي في المغرب مضمونها، أن الجنس في المغرب كان يعيش تطابقا بين المعيار الاجتماعي للجنس والسلوك الجنسي اللذان كانا متدينان، لكن السلوك الجنسي الآن صار يبتعد عن هذا المعيار الديني ويتناقض معه، على أن تتم علمنة المعيار والسلوك الجنسي مستقبلا في سياق الانتقال الاجتماعي.

التعرف على الجنس عند الذكر والأنثى يرتبط بمحددات المجتمع الذي ينشئان فيه

إن التعرف على الجنس عند الذكر والأنثى يرتبط بمحددات المجتمع الذي ينشئان فيه، وفي المغرب هذه المحددات الاجتماعية تعتبر أن الجنس من المواضيع المُحرمة، التي لا يجب الحديث عنها لا في المنزل مع الأسرة وليست موضوعا للدراسة في المدرسة، ما يجعل اكتشاف الجنس يتم عبر طرق ملتوية أو غير صحية، كمشاهدة أفلام جنسية رخيصة أو الاستماع إلى قصص من هم أكبر منهم و التي غالبا ما تكون يا إما فاشلة أو مختلقة. هذه الخطوط الحمراء المفروضة على الجنس كمفهوم وكممارسة أيضا أنتجت أجيالا تعاني الكبت دون أن تعترف به.

سألت شبابا و شابات مغاربة عن كيفية تعرفهم/ن على الجنس لأول مرة فكانت الإجابات كلها متشابهة تقريبا، إذ لم تكن اكتشافاتهم/ن الأولى سوى محاولات متعثرة لفهم ما هي العلاقة الجنسية، معظمها كانت عن طريق مشاهدة فيديوهات إباحية. لكن حالة مختلفة لأحد الشباب الذي تعرض في بدايات مراهقته للإغواء من طرف امرأة كانت في ضعف عمره استدرجته لممارسة الجنس، ما جعله يتعرف على الجنس كممارسة أولا، عكس الآخرين الذين تعرفوا اليه عن طريق المشاهدة بداية.

عندما سألتهم/ن عن تلقيهم/ن لأي تربية جنسية، جاءت جميع الأجوبة تنفي من كلا الجنسين حصولهم/ن على أي نوع من التربية الجنسية وإنما كان هنالك مجهود ذاتي وفقط من طرفهم/ن من أجل اكتساب ثقافة جنسية صحيحة. وفي محاولة من هؤلاء الشباب وصف الحياة الجنسية للرجل و المرأة، يقول ن. : "يمكنني أن أختصرها في كلمة واحدة: مقوّدة، لأن الكبت و الخجل يسم هذه الحياة نتيجة للجهل بقيمة الجنس الذي يُفترض أن يكون فنا". أما س. فترى أن الحياة الجنسية للمرأة و الرجل في المغرب يلزمها انفتاح أكبر كل منهما على الآخر، لفهم رغبات بعضهما البعض وتجاوز ذلك الجهل الجنسي الذي نعانيه. وتضيف إ. أن الحديث عن الحياة الجنسية في المغرب هو حديث عن الجسد، "لكن في المغرب جسدنا ليس ملكا لنا، فكيف يمكن الحديث عن شيء لا نملكه؟".

واتفق هؤلاء الشباب والشابات على أن واقع الحياة الجنسية الذي تعاني فيه المرأة من قمع جنسي مقابل تفاخر بحرية الرجل الجنسية، يجب أن يتغير لتتساوى فيه هذه الحرية، بالإضافة إلى مزيد من التركيز على الثقافة الجنسية.