الحيض حركةٌ سياسية: لماذا نقول "مَن يحِضن ويحيضون"؟

 أتذكر لحظة بلوغي جيّدًا. يومها كادت جدّتي تطير فرحًا وهي تراني أتحوّل من «فتاة» إلى «امرأة». على عكس والدتي التي شعرَت بالخجل وطلبَت إليّ إخفاء الأمر. أمّا أنا فلم يخالجني أي شعورٍ، لم أفرح ولم أخجل. لم أبالِ بالموضوع إطلاقًا، بل نظرتُ إليه كجزءٍ طبيعي من مرحلة البلوغ. عبر السنين، تغيّرَت نظرتي إلى عادتي الشهرية ونفسي، وتبلورَت مع نضوجي واكتشافي أمورًا أكثر عن نفسي وعن العالم.

نشأتُ وسط مزيجٍ من ثقافات؛ أبي لبناني وأمّي فلبينية، واكتشفتُ كيف يميّز المجتمع بين الأفراد على أساس هويتهم/ن، وما يتركه ذلك من آثارٍ نفسيةٍ وجسديةٍ فيهم/ن.

كان لدى أمي صديقٌ مُقرّب، وكانت العائلة تتوجّه له بالحديث بضمائر المؤنث والمذكر في آنٍ معًا. أنا كنتُ أناديه تيتو، أي خالي في لغة التغالوغ. ذات مرّة، طلب إليّ أن أُحضر له فوطة صحّية من غرفته. كنتُ صغيرًا ولم يرِد في ذهني سبب حاجته إليها، إلى أن حدّثَنا والدي عنه، أنا وأخواتي، وشرح لنا أنه عابر. بمرور الوقت، لم يعُد أبي يقبل وجود تيتو حولنا خشية «تأثيره» علينا، فتباعدنا.

كبرتُ، ووجدتُ نفسي أشكّك بالقيم والعادات المجتمعية كما أشكّك بهويتي وعبوري الجندري. شعرتُ بما شعر به تيتو وأدركتُ أننا نعيش في عالمٍ لن يتعامل معنا إلّا على أساس العادة الشهرية، لأن هذا هو ما يكوِّن المرأة وفق المنظور السائد.

منذ سنّ المراهقة، أعاني من أعراضٍ غير اعتياديةٍ في دورتي الشهرية. راجعتُ العديد من الأطباء، إلّا أن أحدًا منهم لم يأخذ مخاوفي على محمل الجدّ. وهذا ما جعلني أتردّد أحيانًا في شأن العبور الجسدي خوفًا من ردّ الفعل المجتمعية التي سوف أواجهها.

الدورة الشهرية هي حالة جسدية يعيشها العديد من الأشخاص بمختلف الأجساد، ومع ذلك تنقصنا البحوث في شأنها. معظم الدراسات الموجودة تجري في إطارٍ أبوي تحكمه المعيارية الغيرية (heteronormativity) أو المنطق الذكوري، ما يحرم مَن يحِضن ويحيضون إمكانية صنع القرار في ما يتعلّق بأجسادهم/ن، نظرًا للتحيّز المُضمر في الأبحاث. ويفسّر هذا قلّة الوعي بطبيعة الدورة الشهرية والقدرة على استيعاب آثارها الصحية والنفسية على مَن يحِضن ويحيضون. أما الأبحاث التي تتناول الدورة الشهرية والأجساد العابرة فنادرة!

على مرّ التاريخ، أدّت النساء دورًا أساسيًا في الطبّ، لكن للأسف نُسبت الإنجازات للباحثين الرجال. وبالتالي، لم يعد للمرأة والأفراد اللواتي يحِضن والذين يحيضون الكلمةَ في ما يتعلّق بأجسامهم/ن. على سبيل المثال، كتبَت الباحثة إيريكا كوتو-فيريرا (Érica Couto-Ferreira) عن العلاقة بين الجندر والطبّ في بلاد ما بين النهرين (8000-2000 ق.م.)، والمعروفة حاليًا بسوريا وجنوب شرق تركيا ومعظم العراق. تذكر إيريكا أن عبارة akkadian awīlu في اللوغوغرام 1  تُترجم في الكتابات الطبية إلى «رجل»، ولكن الترجمة الدقيقة هي «شخص». بمعنى أن الأبحاث في تلك الحقبة كانت عن «الإنسان» بشكلٍ عامٍ بمعزل عن جنسه/ا. وتدّعي كوتو أن النساء أدَّيْن أدوارًا جوهرية في تلك الأبحاث وفي المجال الطبي، قبل أن يساهم المنظور الذكوري الغربي للجندر في عزل النساء وإنجازاتهنّ عن البحث التاريخي الجندري.

في النتيجة، يعاني صاحبات وأصحاب العادة الشهرية حاليًا من عواقب هذا التحيّز الذي انعكس نهجًا في العديد من الدراسات عن الدورة الشهرية وكيفية تفاعل الأجساد معها. ففي دراسة "إعادة صياغة الجحيم الدامي (Reframing the Bloody hell)" التي أعدّتها المحلّلة في جامعة هارفارد، لبابة حلواني، في عام 2016، عن العادات والطقوس المرتبطة بالدورة الشهرية، تسلّط الكاتبةُ الضوء على قلّة الدراسات عن العادة الشهرية في المنطقة العربية، وتذكر كيف أنّ معظم الدراسات تتناول «الأعضاء التناسلية الأنثوية» والمعرفة الجنسية والدورة الشهرية بطُرقٍ مبهمة. وتشير حلواني إلى أن الأبحاث غالبًا لا تذكر آراء المشارِكات/ين أو نظرتهن/م للموضوع، كما تتغاضى عن احتياجات النساء ومَن يحيضون في أوقات الأزمات، متحدثةً عن الأسباب التي تجبر هؤلاء على استخدام أساليب قد تكون ضارّة، إلى جانب حبوب تأخير الدورة وقماشٍ غير واقٍ على سبيل المثال. ما يمكن استخلاصه هو وجود نهجٍ أبوي يجرّد المرأة والأشخاص الذين يحيضون من إنسانيتهم/ن، بحيث يصبحون مجرّد حالاتٍ للدراسة والبحث، بينما ينبغي أن يكون موضوع الحيض منفصلًا عن الشخص الحائض.

تؤكّد الإبستمولوجيا (epistemology)2 النسوية الحديثة أن كل شخصٍ يدرك الأمور بطريقةٍ مختلفة، وأن النوع الاجتماعي (أي الجندر) ليس العامل الوحيد الذي يحدّد كيفية تحليل المرء للعالم من حوله. تؤكّد الفيلسوفة الأميركية والنسوية، إليزابيث أندرسون، أن البحث في المعرفة النسوية عن «كيفية تأثير الموقع الاجتماعي للمعرفة على ما نعرفه وكيف نعرفه» هو ما يُموضعنا في مجال المعرفة الاجتماعية على نحوٍ سليمٍ وصحيح. وعلى عكس الفكر الغربي الأبوي الذي يعامل الأشخاص بتحيّز، تشجّع نظرية المعرفة النسوية على الاعتراف بالعرق والطبقة المادية والامتيازات، فضلًا عن الجندر. إنّ منهجية المعرفة النسوية - بالتزامن مع فهم الهيكلية المجتمعية - تسمح للمطّلعين/ات بتغيير منظورهم/ن والتفكير خارج قوقعتهم/ن الاجتماعية. وبالرغم من استحالة أن يخلو البحث من أيّ تحيّز، إلا أنّ منهجية المعرفة النسوية تحفّز الفكر النقدي وتدعو المطّلع/ة إلى فهم الطبقات المتعدّدة للحالات الشخصية وكيفية تأثيرها في العالم من حولنا.

لذلك، عندما نتناول موضوع الدورة الشهرية، نذكر الأفراد العابرين/ات لنذكّر بأنّ كثيرًا منهم/ن يختبرن ويختبرون الدورة الشهرية. بالتالي، نفهم أنّ استكشاف واستخدام مصطلحاتٍ غير مُجندَرةٍ، مثل «أصحاب وصاحبات العادة الشهرية» أو «مَن يحِضن ويحيضون»، لا يهدف إلى مهاجمة فئاتٍ معيّنةٍ أو التمييز بين الناس أو فرض أجندة "العبور" على أحد، بل هي طريقةٌ لتأكيد وجود أشخاصٍ متنوّعين بإمكانهم/ن الحيض. بهذه الطريقة، يمكن لهؤلاء الأفراد، وإن لم يعتبروا أنفسهم نساءً ممتثِلات الجنس، أن يشارِكوا في الأحاديث المتعلّقة بالدورة الشهرية وأن يتعاونوا مع المعنيّات لفهم أجسادنا. هذه ليسَت أداة تفريقٍ بل وسيلة لخلق مساحاتٍ ترفض المعيار النمطي الغربي الأبوي القائم على ترهيبنا من أجسادنا، ونشر المعلومات الخاطئة عنها، والتقليل من أهمية معرفتها.

الأفراد العابرون/ات وُجدوا عبر التاريخ، لكنّ وجودنا لا يزال مُتجاهلًا لأنه يعارض الهيكل النمطي الذي وضعَه النظام الطاغي الذي احتكر طبيعة أجسادنا. في الواقع، وجودنا العابر يثبت كيف أضحَت الدورة الشهرية سلعةً لمَن يمتلك السلطة. لذا، لا بد من أن تتغيّر منهجيّاتُ البحث تدريجيًا عبر إعادة صياغة طرق سردِ هذه المواضيع بفكرٍ نقدي يوزّع الحقّ في الجسد على جميع الهويات والأفراد. أما الاحتمال الآخر، فهو الإلغاء التام للربط المباشر بين الجنس البيولوجي والبحوث الطبية، ومعاملة أجسادنا وظواهرها الطبيعية كما هي، وعلاج الحالات من دون أيّ تحيّز جنسي.

أعتقد أن عدم مبالاتي بالدورة الشهرية في صغري نبعَ من قلّة معرفتي عنها. لكن بعد أن كبرت، أدركتُ أن الدورة الشهرية هي أكثر بكثيرٍ من مجرّد مرحلةٍ في حياة الشخص؛ إنها حركةٌ اجتماعيةٌ تشمل حيوات جميع الأشخاص الذين واللواتي يحِضن ويحيضون. لقد أدركتُ أنّ الدورة الشهرية مُسيّسة، وكذلك جسدي، وعرفتُ أن هذا الأخير مهمٌّ ولا غنًى عنه، وأنّ من حقنا جميعًا أن نعتني بأجسادنا، وأن نسمّي حقوقها لكي تصبح آلية مقاومة. جسدي الترانس (العابر) سياسي، وجسدي الحائض سياسي، وكلاهما يتّحِدان في حياتي.


ملاحظة: هذا النص جزء من سلسلة مواد عن تجارب الأشخاص الذين واللواتي يحِضن بعنوان "إجت ومعها قصة". تتألّف السلسلة من مواد تم إنتاجها في خلال ورشة إبداعية بعنوان "نروي قصصنا مع الدورة الشهرية"، نظمتها مؤسسة "جيم" ومبادرة "جييتنا" في تموز/يوليو 2023 في لبنان، بالإضافة إلى مواد مستكتبة. تم تمويل الورشة وإنتاج المواد من قبل برنامج "نحن نقود"، وهو برنامج مدته خمس سنوات ممول من وزارة الخارجية الهولندية.

  • 1 لوغوغرام (logogram) هي رموزٌ تشير إلى كلمةٍ ما أو تعبّر عنها، وقد استُخدمت في العديد من الأنظمة الكتابية.
  • 2الإبستمولوجيا epistemology أو نظرية المعرفة، هي الدراسة الفلسفية لطبيعة المعرفة الإنسانية وأصلها. تستخدم نظرية المعرفة النسوية الجنس والعرق وعلاقات القوّة الأخرى لتشكيل المعرفة النسوية.

كال

طالب صحافة، فلبيني لبناني، يحلم بالعيش في مكان يكون العبور الجسدي أمرًا ممكنًا.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.