النسوية والأشياء: عندما تصبح الأغراض أكثر من أغراض

لا شيء يوجد في الفراغ. كل ما حولنا من كائناتٍ حيةٍ وأغراض جامدةٍ وأفكارٍ خفيةٍ يحمل معانيَ تتشكل بفعل الظروف المادية التي تحيط بنا وتلوّن نظرتنا إلى العالم. الواقع هو ما نراه وما لا نراه، لأنه انعكاسٌ لمشاعرنا، وأفكارنا، ومعتقداتنا، وقيمنا، ومبادئنا وتخيّلاتنا. الورقة عند النظرة الأولى تبدو ورقة، لكن ماذا لو كانت أكثر من مجرّد ورقة؟ ماذا قد تكون؟

مستلهمةً لوحة الفنان السريالي البلجيكي رينيه ماغريت (René Magritte) بعنوان "خداع الصور"، أشارككن/م نظرتي الحالية إلى أربعة أغراض أستخدمها في حياتي اليومية بعدسةٍ نسوية.


هذه مثالٌ عن امتيازاتي لمجرّد أن لديّ مدخولٌ شهري ما زال يسمح لي بشراء الفوط الصحية في ظل التدهور التاريخي للعملة اللبنانية وارتفاع أسعار لوازم النظافة الشخصية بنسبة 500%. هذه رمزٌ لفقر الدورة الشهرية الناجم عن سياساتٍ تمييزيةٍ وذكوريةٍ لا تراعي خصوصيات الفتيات والنساء وحقوقهن، كأن يستثني المسؤولون اللبنانيون الفوط الصحية من بين أكثر من 300 سلعة تضمّنتها سلّة الدعم، أو أن يستمر وَصم الدورة الشهرية والنساء والفتيات الحُيَّض، ما يؤثر على صحّتهن الجنسية والجسدية والنفسية.


هذا جسمي بعد انقضاء أكثر من عامٍ على انتشار وباء كوفيد-19 ومراحل الإقفال والحظر والحجر ومنع التجول المتكررة التي فرضَتها الحكومة لمكافحة الجائحة. هذا جسمي الذي لازم المنزل، وخاف الخروج والتجوّل في الهواء الطلق، ولم يستطع التحرّك، ودفع بالوزن الزائد ليتجمّع في منطقة البطن والوركَين والرّدفَين. هذا جسمي الذي لم تعُد تلائمه السراويل الضيقة ذات الأزرار الخانقة التي اعتاد ارتداءها، ولم يعُد يرتاح إلا بالسراويل المطواعة. هذا جسمي الذي بتّ أكرهه ولا أدري ما أفعل به سوى إطعامه مشاعري. هذا جسمي غير المتصالح مع سمنته، مع أني أدرك تمام الإدراك أن السّمنة قضية نسوية


هذه الدعامة التي أتكئ عليها بشكلٍ متقطعٍ منذ عام 2015 عندما شخّصتني طبيبتي النفسية بالاكتئاب السريري. لجأتُ إليها العام الماضي حين لاحظتُ أن أعراض الاكتئاب التي ألفتها عادت تستحوذ عليّ، بعد أن قوّضَت القوى الحاكمة في لبنان ثورة 17 تشرين الأول، وتسبّبت بالانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تلاها، وبعد تفجير مرفأ بيروت وتبدّد أيّ أملٍ لديّ بمستقبلٍ أفضل في خضم كل تلك الكوارث. هذه الدعامة تذكّرني بأنها مجرّد عكّازٍ يقلّل من أعراض الاكتئاب، لكنّه لا يعالج جذوره الضاربة في الأنظمة الرأسمالية والنيوليبرالية التي ترسي بيئةً اجتماعيةً وسياسيةً واقتصاديةً  تؤثر مباشرةً على صحتي الجسدية والنفسية، بيئةٌ تسودها اللامساواة، والفقر، والتقشّف، والعنف، واغتراب الذات وغياب العدالة الجندرية.


هذه الأفكار المشحونة بالمشاعر التي تتسارع وتتخبط في ذهني ولا تجدُ مخرجًا. هذه عجزي كناشطةٍ تعمل في مجال إنتاج المعارف النسوية عن دعم قضيتي، لأن كلماتي سجينةُ همومي الغامرة في ظل الظروف الاقتصادية والصحية والاجتماعية والسياسية بالغة السوء في بلدي والبلدان المجاورة. هذه فشلي في صناعة خطابٍ يعلو صوته على صوت الخطاب التمييزي والقمعي السائد. هذه دافعي للمثابرة، لأن صراعي النسوي مع الأنظمة الأبوية، بكافة تجلّياتها الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية والتربوية والصحية والدينية، هو صراعٌ للبقاء على قيد الحياة.

  * صور الكولاج لجوال حاتم

جوال حاتم

جوال حاتم تعمل في مجال التواصل وتطوير المحتوى والتحرير والترجمة. تهتمّ باستكشاف وسائل وطرائق مبتكرة لإنتاج ونشر المعارف النسوية.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.