يومًا ما لن أحتاج إلى رأسي

يومًا ما لن أحتاج إلى رأسي.

لم أعد أذكر كم من مرَّةٍ انتهَت صلاحيّته واضطُرِرْت إلى تغييره.

الآن، صرتُ أستبدله بدافع التسلية في معظم الأحيان.

ولكنّني ما زلتُ أشعر بأنّه ليس لي.

لمَن هو إذًا؟

كان اسمي مكتوبًا على العلبة التي وصل فيها رأسي الأخير.

كنتُ قد طلبتُه من موقعٍ تجاري يختصّ بصناعة رؤوسٍ حرفيّةٍ مفصّلةٍ حسب الطلب.

لا يمكن لغيري أن يمتلك رأسًا يطابق ذاك الذي اشتريتُه في الشّكل والمضمون.

لماذا أشعر بأنّه دخيلٌ عليّ إذًا؟

 حتّى رأسي الأوّل الذي وُلِدتُ به، لم أشعر قطّ بأيّ صلةٍ تربطني به.

أذكر أنني لم أكن أرى انعكاسه في المرآة، بالرغم من إصرار أهلي على أنهم يرونه يحدّق بي من خلف الزجاج بوضوحٍ تام.

لم أكن أعِر أيًّا من رؤوسي اهتمامًا كبيرًا إلى أن نظرتُ في أوّل ألبوم صورٍ لي.

كيف لرأسٍ واحدٍ أن يكون في مكانَين معًا؟

ها هو على كتفيّ، وفي الصورة أيضًا. لعلّ رأسي ليس لي إذًا.

***************

يومًا ما لن أحتاج إلى رأسي.

في سنّ المراهقة، كنتُ أعتقد أنّ المُشكلة تكمُن في مَلامِحه.

شارباي يخونانني… يَعِدان مَن حولي برجولةٍ لا أمتلك منها شيئًا سوى الشّاربَين.

استبدلتُ رأسي بآخر أكثر أنوثة، وإذا بي أكتشف أنّني لا أمتلك منها سوى وعودٍ فارغةٍ أيضًا: شعرٌ طويل، ورموشٌ كثيفة…

فاستبدلتُه مرةً أخرى برأس سنونو، لكنني لم أُجِد الغناء، ولم أعتَد طعم الزّواحف والدّيدان.

بعدها، رحتُ أستبدل رأس السنونو برؤوسٍ وأشياء أُخرى.

رأس خنفساء… وجه سلحفاة… جمجمة تمساحٍ من العصر الطباشيري… بالون هيليوم عليه رسالة تمنّي بالشّفاء العاجل… مبراة أقلامٍ معدنيّة… مصباحٌ كهربائي بفتيل… مزهريةٌ خزفيةٌ فارغة… منقوشة جبنةٍ مع خضرة… كبكوب صوفٍ أصفر… يافطة إعلانٍ لسهرة رأس السنة في الأطلال بلازا لعام 1994... ومؤخرًا، فونوغرافٌ أثريٌّ من القرن التاسع عشر.

لم تلِق بي أيٌّ من هذه الخيارات، بالرغم من اقتناعي التام عند انتقائها بأنها ستعكُس شخصيّتي بدقّةٍ تامّة.

الأسبوع الماضي، استبدلتُ الفونوغراف بحوض أسماك، ظنًّا منّي أنّ ذلك سيخلّصني من أغنيةٍ كانت قد علقَت في ذهني منذ ثلاثة أشهرٍ بلا انقطاع. 

بَقِيَت الأغنية تدور في رأسي حتى بعد موت الأسماك.

ما زلتُ أسمعها حتى الآن.

***************

يداي أيضًا ليسَتا لي. هما غريبتان عني.

ويومًا ما لن أحتاج إليهما.

استعملتُ يدَين جديدتَين البارحة لخَبز البسكويت لقططي.

خلّاطٌ كهربائيّ بدل يدي اليُمنى، وشوبكٌ مكان اليُسرى.

لكنني لم أعد أستطيع العزف على البيانو، فتناولَت قططي وجبة العشاء من دون موسيقى، وهجرَني حبيبي.

يومًا ما لن أحتاج إلى يديّ.

أنا متأكدٌ من أنّي سأتخلّص منهما قبل رأسي. لديّ كلّ الأوراق القانونية وتصاريح التقييم النفسيّة اللازمة.

لن يكترث أحدٌ للأمر. 

لكن رأسي، أصرّ على الاحتفاظ به لأسبابٍ خارجةٍ عن قناعاتي.

صورة الباسبور تستلزم وجوده، وأصدقائي يتوقّعون رؤيته على كتفَيَّ في الأعياد.

معالِجتي النفسية تحذّرني من الإفراط في تغييره أو التخلص منه نهائيًّا.

لِماذا كلّ هذه الرؤوس وما زلتُ أستيقظ في السرير ذاته والكابوس ذاته يوميًا؟

أرى دائمًا أناسًا بلا رؤوسٍ يحومون كالطائرات بجوار بيتي. 

يُقال إنّهم تخلّوا عن أسمائهم، وعائلاتهم، وكلّ الأعضاء التي يحلو لهم التخلّص منها أيضًا.

يجولون كالأسماك، ويبقون على قيد الحياة لسنين طويلةٍ أحيانًا، هائمين في الفضاء.

ها هم... لِمَ لا نحوم معهم؟

***************

يومًا ما لن أحتاج إلى رأسي.

لكنّني أصرّ على الاحتفاظ به، بالرّغم من الخيبات التي يجلبها لي ولِمَن حولي.

أصرّ على الاحتفاظ به، بالرّغم من هذه الأغنية اللعينة التي تلازمُني.

أصرّ على الاحتفاظ به، ولا أدري لماذا.

نادر تابري

نادر تابري مهتم بالسرد القصصي البصري. بعد العمل في مجال الإعلام، انتقل إلى الرّسم والكتابة وفنون الأداء. القصص التي يسردها تجريبيّةٌ غالبًا، وتتمحور حول الاكتئاب، العزلة، القلق الوجودي، والهروب من الواقع.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.