لماذا تُخشى لذّة المرأة؟

تُنكِر معظم مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات البنية الأبوية، الرغبة الجنسية لدى المرأة، وتتّهم مَن تُعبِّر عنها بطريقةٍ مباشرةٍ بالانحراف والكبت الجنسي. تقول نوال السعداوي في هذا الصدد: "لذة الرجل الجنسية هي اللذة المشروعة فقط، وأحدٌ لا يتكلّم عن لذة المرأة الجنسية".1 وتعزو فاطمة المرنيسي جذور هذا المنطق إلى الإسلام بوصفه قوّة حضارية نظّمت الجنسانيّة في المجتمع، فحدِّدت قواعد ممارسة الجنس للمرأة وتركت جنسانيّة الرجل في جاهليّتها، حيث يُسمح للرجال بتعدّد العلاقات والطلاق، فيما تُفرض على النساء علاقة واحدة حصرية.

لا عجب أن تكون صورة القديسة والمرأة المتفوّقة أخلاقيًا مرتبطة بالأنثى التي تمتنع عن المتعة الحسيّة في مختلف الثقافات، حيث تخفي العديد من النساء رغبتهن حتى في أزواجهن، ويكثرن الحديث عن الجنس في جلساتهن الخاصّة. ومن المثير للسخرية، كما تلاحظ المرنيسي، أن تصوير المرأة مصدرًا لدمار المجتمع ليس محصورًا بنظريّة الإسلام بل يندرج ضمن النظريّات الأوروبيّة أيضًا.

خيال المجتمعات الأبوية عن رغبة المرأة

تتحدّث الأساطير والقصص الدينية عن المرأة الناضجة التي تشتهي الفتى الوسيم، اليافع والبريء الذي لا يهتمُّ بالجنس، وربّما لا يعرفه حتّى. تصف الأساطير مُراودَة المرأة للفتى حُبًّا، لكنّ المجتمعات الذكورية تعتبرها شبقًا تقوده امرأةٌ لا تقوى على التّحكُّم برغبتها كما يفترض. 

في القصص القرآنية، كما في الأسطورة الرومانية التي أعاد كتابتَها شكسبير، يظهر كلٌّ من يوسف وأدونيس، شابّين يافعَين في منتهى الوسامة والبراءة، قبل أن تأتي امرأتان مُحنّكتان ناضجتان لإغوائهما، فينتهي المطاف بيوسف في السجن وأدونيس ميتًا. 

يعتبر الأكاديمي جوناثان بايت أنّ اللذة الجنسية هي أساسًا نوعٌ من الحبّ العنيف، وأنّ بمراودة الأنثى للذكر تُقْلَب الأدوار الجندرية المُتعارف عليها

في حالة يوسف، تظهر زليخة زوجة عزيز مصر، ذات الجمال والنفوذ، التي تحاول إقناعه بشتّى الطرق بممارسة الجنس، فيمتنع بدافع العفّة. يرسم الشاعر الفارسي نور الدين عبد الرحمن الجامي (1414- 1492) المشهدية كالآتي: "لقد بدأَت تلاحقه آملةً أن تجرَّه إليها في عناق، وأن تثير رغبته بتقبيل شفتيه الورديتين، ثم تهدأ هذه الرغبة بضمّ قوامه السروي إلى نفسها. وعلى كلّ حال، كان يوسف بعيدًا صادًّا عن كل هذا...".2

أمّا شكسبير، فيصوِّر في شِعره المشاهد السابقة نفسها، لكن بطلتها ڨينوس، إلهة الحبّ والجمال التي عشِقت أدونيس لتعكّر نقاء سريرته، وهو الشاب الذي لم يكن له شاغلٌ سوى الصيد في الغابة.  

هناك أكثر من مدلولٍ لهاتَين القصّتَين. أولًا، هناك امرأةٌ تبلغ الكهولة، فلا هي شابّةٌ ولا مسِنَّة، وتحاول تلبية شهوتها مع فتًى، وتقدِّم له دعوةً مفتوحةً لممارسة الجنس. لكن المجتمع لا يتقبّل أن تشتهي المرأة رجلًا يصغرها، فيما لا يعيب على  الرجل أن يكون أكبر من عشيقته بسنوات.3 ثانيًا، هناك المرأة التي تشتهي الجنس، وهو أمرٌ نادرٌ بالمخيال المجتمعي، حيث تُقدّم المرأة جسدًا يشتهيه الرجال وسط إنكارٍ تامٍّ لرغبتها هي. وبالنسبة للمجتمع الأبوي، المرأة الناضجة إمّا أن تكون طاهرةً أو جسدًا شبقًا، إذ لا يمكن أن تجمع الاثنين معًا.

في تحليله لڨينوس وأدونيس، يعتبر الأكاديمي جوناثان بايت (Jonathan Bate) أنّ اللذة الجنسية هي أساسًا نوعٌ من الحبّ العنيف، وأنّ بمراودة الأنثى للذكر تُقْلَب الأدوار الجندرية المُتعارف عليها. تؤدي المرأة الراغبة دور الرّجل وتأخذ زمام المبادرة، فيما يظهر الشاب في دور الفتاة اليافعة.4 وربما هذا ما يجعل المجتمع الأبوي يرفض لذّة المرأة خشيةً على ذكورة الرجل منها.

في رغبة بعض الرجال بالمتعة الجنسية مع إنكارها على خليلاتهم يكمن نوعٌ من الأنانيّة هدفها التغطية على توهّمهم بالعجز عن إشباع رغبات المرأة. وهذا ما يُعبّر عنه في العديد من قصص الخيال الشعبي التي تحكي عن فرْج المرأة الذي يلتهم قضيب الرجل، أو المرأة التي تُخصي الرجل، أو تلك التي تُهلِكه بكثرة الجماع. وهذا الخيال الجمعيّ نفسه يغذّي أيضًا فكرة نبذ الأرامل والمُطلّقات مجتمعيًا، إذ يدّعي أنّهنّ عرفن مذاق اللذة وحُرِمن منها، مفترضًا بالتالي أنهنّ أقلّ قدرةً على تحمّل الكبت الجنسي، كما تفسّر فاطمة المرنيسي، ما يجعل اختلاطهنّ بالنساء المتزوّجات العازبات غير محبّذ، كي لا يوحين إليهنّ بارتكاب "الخطيئة".

قمع رغبة المرأة حفاظًا على النظام الاجتماعي

يتأثّر النظام الاجتماعي للبلدان بالموروثات الدينيّة على اختلافها، ويستخدمها للحفاظ على نظامه الاقتصادي. في هذا الإطار، صُوِّرت العملية الجنسيّة وسيلةً للإنجاب لإعادة تجديد اليد العاملة والحفاظ على النوع البشري، وبالتالي أصبح البحث عن المتعة أمرًا غير محبّذٍ عمومًا، لاسيما للنّساء.

تفسّر نوال السعداوي الأمر بأنّ رغبة المرأة قد تؤدّي إلى الحمل بسبب نوعها البيولوجي، إذ أنّ سيطرة الرجل على المجتمع، التي واكبها تعرّفه على دوره البيولوجي في تكوين الجنين، وما ترتّب على هذه المعرفة من رغبةٍ في توريث أطفاله، كلّها عوامل أدّت إلى فرض قواعد قيّدَت حريّة المرأة الجنسيّة وألزمَتها بعدم الزواج أو ممارسة الجنس إلّا مع رجلٍ واحد، على عكس الرجل الذي لم يُقيَّد بهذا العرف، ما يُعبّر عن ازدواجيةٍ فاضحة.5  

يتأثّر النظام الاجتماعي للبلدان بالموروثات الدينيّة على اختلافها، ويستخدمها للحفاظ على نظامه الاقتصادي

أما فاطمة المرنيسي، فتشرح الأسباب وراء قمع رغبات النساء بأنّ جنسانية المرأة في بلداننا تعتبر نشيطةً ضمنيًّا، لذلك يُفرَض على النساء الحجاب والعزلة حمايةً للرجال غير القادرين على السيطرة على غرائزهم. وبحجّة عدم القدرة على إشباع شهوة المرأة، ينظّم الإسلام وفقًا للباحثة إحباطها الجنسي. 

تبني فاطمة المرنيسي أطروحتها على أساس نظرية أبو حامد الغزالي، الذي لا يفرّق بين جنسانيّة الرجل والمرأة كموجبٍ وسالِبة، على عكس فرويد مثلًا، الذي يرى أن اللقاء الجنسي بين المرأة والرجل هو عملية اعتداءٍ وإذعان. يعتبر الغزالي أن عمليّة التناسل تعتمد على الرجل والمرأة من دون استثناء، ويرى أن المرأة تعرف عمليّة القذف أيضًا، وهي العملية الجنسيّة القضيبيّة الأبرز، وتحتلم كما يحتلم الرجل. ويرى أيضًا أن الاختلاف البسيط بين الرجل والمرأة هو في نمط القذف حيث أن المرأة أبطأ من الرجل، أمّا غير ذلك فلا يوجد غالبٌ ولا مغلوبٌ في الفراش، بل اثنان يتشاركان الوصول إلى المتعة. لكن وفقًا له، تبقى الإشكالية في صعوبة إرضاء شهوة المرأة من طرف الرجل.

يرى الغزالي أن قوة المرأة تكمن في المَكْر وخداع الرجل، وسلطتها في الإغواء والفتنة، وهي مرادفٌ لما هو شيطاني لأنّها مبنيّةٌ على الكيْد، وهي تشغل الرجل عن العلم الذي هو أساس الإيمان. لهذا، تُعتبر المرأة الباحثة عن المتعة أهمّ عنصرٍ مخرِّبٍ في النظام الاجتماعي،6 فيجتهد لعزل هذه القوّة وآثارِها المدمّرة. باختصار، يُعدّ أمن النظام العام مرتبطًا بتلبية حاجيات المرأة الجنسيّة، لكنها في الواقع تُلزم بمعاشرة زوجها دون غيره من الرجال، و بالامتناع عن "خلق الفتنة" بجذب رجالٍ آخرين في جماعٍ محرّمٍ. 

تطبيع رغبة النساء تهديدٌ لسلطة الرجل

يعتبر عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل (Georg Simmel) أنّ أيّ نظام سلطةٍ وهيمنةٍ يصنع تفسيرًا موضوعيًا لكي يحوِّل الاستطاعة إلى حقّ.7 وهذا ما يميِّز العديد من مظاهر السلطات الاجتماعية، وتحديدًا النظام الأبوي، الذي يضع الرجل بمرتبة المحافظ على مصالح الأسرة وبالتالي المجتمع، فلا يُنظر إليه كسلطةٍ مستبدّة. لهذا، يتحوّل الرجل بتفوّقه البيولوجي إلى متفوّقٍ منطقيًا، باعتبار أنّ التفوّق البيولوجي يُنظر إليه كأنّه حقيقة موضوعيّة. ويضيف زيمل أن الرجل يفرض على المرأة ما يروق له ويكمّله، فالمرأة هي الكائن الذي يمكن للرجل مطالبته والحكم عليه من قمّة قيَمه التي يتراءى له أنها موضوعية. وبالفعل، نجد العديد من التفسيرات المبنيّة على الفروقات البيولوجية، وهي تُستمدّ أحيانًا من عالم الثدييّات لتبرير حرّية الرجل وقمع المرأة، لا بل إن النّساء أنفسهنّ يؤمنّ بها بفعل التنشئة الاجتماعية والتكرار عبر وسائل الإعلام.

إن تصوير تعطّش المرأة للجنس، ووسمِها بالمرأة اللّعوب أو مهووسة الجنس، ليسَت إلّا ذريعة لشرعنة الذكورية وإسكات إرادة النساء وحرّيتهنّ في الاختيار والتفكير. وهذا ما يصِف به الشاعر الفارسي الجامي  النساء على لسان يوسف: "خُلِقَت المرأة من ضلع آدم الأيسر، ولذلك لا شيء من الاستقامة يُرى في سلوكها!".8

إن تصوير تعطّش المرأة للجنس، ووسمِها بالمرأة اللّعوب أو مهووسة الجنس، ليسَت إلّا ذريعة لشرعنة الذكورية وإسكات إرادة النساء وحرّيتهنّ في الاختيار والتفكير

تُهدّد المرأةُ المبادِرة بالرغبة سلطةَ الرجل، ولذلك تُعاقَب اجتماعيًا بالنبذ والعنف والسخرية، حتّى "تتّعظ" باقي النساء. أحيانًا، يكون القمع تجاه النساء قبَليًا وتمارس بحقّها إجراءاتٌ تحرمها اللذة، مثل الختان الذي يجتثّ اللذة من جسدها، وحزام العفّة في أوروبا القروسطية، وفحص العذرية بالطُرق المباشرة وغير المباشرة، بالإضافة إلى الفصل الجندري وما يترتّب عنه من زواجٍ مُدبّرٍ وهشاشةٍ في حقوق المرأة داخل مؤسّسة الزواج.

اللذّة هي أحد أبواب حريّة المرأة. إنها الحرية في اختيار شريكها، أو تغييره، أو اختيار شركاء عدّة. هي القطع مع فكرة أنّ المرأة مفعولٌ بها، والصلة لأن تكون فاعلةً لها حقّ الاختيار. أن تكون المرأة حرّةً في جسدها يعني أن يُعترف بها بصفتها إنسانةً لا أداةً للمتعة. 

لا تشتهي النساء الجنس أكثر أو أقلّ من الرجال، فلكلّ امرأةٍ خيالٌ واحتياجاتٌ جنسيّةٌ مختلفةٌ تمامًا مثل الرّجال. وإن نقّبنا في تُراثنا نجد أفكارًا أكثر تقدميّةً مما آلت إليه مجتمعاتنا من شيطنة اللذّات الحسيّة، وابن حزمٍ هو المثال الأكثر شهرة، حين اعتبر أن الشهوة والانجذاب طبيعةٌ إنسانيةٌ أحسّ بها حتى الأنبياء.9

 

 

  • 1نوال السعداوي، "توأم السلطة والجنس"، كتاب إلكتروني، مؤسسة هنداوي، 2018، ص. 204.
  • 2نور الدين عبد الرحمن الجامي، "يوسف وزليخا: رؤية صوفية"، ترجمة عائشة عفة زكريا، دمشق، دار المنهل للطباعة والنشر، 2003، ص. 81.
  • 3للمزيد عن هذه الفكرة ، انظر: Annie Ernaux, "Le jeune homme", Gallimard, 2022
  • 4Jonathan Bate, “Sexual Perversity in Venus and Adonis”, in The Yearbook of English Studies, Vol. 23, Early Shakespeare Special Number (1993), pp 10-11.
  • 5نوال السعداوي، "توأم السلطة والجنس"، كتاب إلكتروني، مؤسسة هنداوي، 2018، ص. 22.
  • 6Fatema Mernissi, “Beyond the veil, Male-female Dynamics in Muslim Society”, e-book, Saqi Essentials, 2011, p. 52.
  • 7Georg Simmel, “The relative and the absolute in the problem of the sexes”, in:”On women, sexuality, and love”, translated by Guy Oakes, First Edition, New Haven and London, Yale University Press 1984, pp. 102-132.
  • 8نور الدين عبد الرحمن الجامي، "يوسف وزليخا: رؤية صوفية"، ترجمة عائشة عفة زكريا، دمشق، دار المنهل للطباعة والنشر، 2003، ص. 106.
  • 9علي بن حزم الأندلسي، "طوق الحمامة في الأُلفَةِ والأُلَّاف"، كتاب إلكتروني، مؤسسة هنداوي، 2016، ص. 149-165.

بهلوانة

بهلوانة كاتبة مهتمة بقضايا الجندر والجنسانية.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.