تأمُّلاتي بالعادة الشهرية أعادَتني إليكِ، يا جدَّتي

31/01/2024
1100 كلمة

تأمُّلاتي بالعادة الشهرية أعادَتني إليكِ، يا جدَّتي. لا أعرف السبب، لكنَّني أراكِ واقفةً مع عكازاتك أمام منزلنا في القرية، ترتدين تنورةً سوداءَ طويلةً مع حجابٍ أسود، تفصل بينهما كنزةٌ شتويةٌ بلونٍ زهري دافئ، فتُظهِر الأسود أكثر وتلطِّفه. ترسمين على وجهكِ محَاولةَ ابتسامة، ولكنّ العبسة المنحوتة حول حاجبَيك تغطِّي عليها، فأحتار في ما إذا كنتِ سعيدةً بلقائنا أم كنتِ تفضِّلين وحدَتك. قد أكون ورثتُ عنك هذا الصراع؛ وهو صراعٌ يجعلني حائرةً في ما إذا كنتُ أريد للناس التقرّب مني، أم أجهد لإبعادهم/ن عني. 

يا جدّتي، واجهتِ الجميع من أجل الحب. هربتِ «خطيفة»1 مع جدَّي ثلاثَ مرَّات. وفي المرَّتين الأوليَين كان والدكِ يعيدكِ إلى المنزل. لكنّ المرّة الثالثة كانت ثابتة. لجأتِ إلى العشيرة لكي تجبري والدكِ على الرضوخ لرغبتكِ. وهكذا، وجدتِ الحبَّ، وانتقلتِ من الضيعة إلى بيروت. لا أعلم عدد السنوات التي تشاركتِها مع جدِّي فعليًا في منزلٍ واحدٍ، لاسيّما أنه هاجر إلى المملكة العربية السعودية بعد فترةٍ وجيزةٍ من زواجكما، وبقيتِ وحيدةً مع ستة أطفال، ثمَّ زادت وحدتكِ بعد أن توفي جدَّي في مهجره. 

كان من المفترض أن تعودي إلى الضيعة بعد وفاته، وربّما أن تتزوجِي من أحدِهم كي «يستر عليكِ». لكنكِ رفضتِ كلَّ من حاول التساوي بجدّي، وبقيتِ وفيَّةً لذكراه بعد مماته، وبالتالي رفضتِ العودة إلى الضيعة. فمِن أين أتتكِ تلك الشجاعة لتربّي ستة أطفالٍ وأنتِ أرملةً ووحيدةً في بيروت؟ 

أعادتني تأمُّلاتي بالعادة الشهرية، وما يرافقها من إسقاطاتٍ محافظةٍ ومحاولاتٍ لوصمنا بعارٍ مجتمعيٍّ، إليكِ يا جدَّتي.

أعادتني إلى غرفتكِ وسريركِ و«استخارتك»2.

غرفتُكِ التي تركتِها في عزِّ شبابك وصحَّتك، وذهبتِ إلى بيروت، ثمّ عدتِ إليها مُسنَّة ومُنهكة جسديًا وصحِّيًا. وسريركِ، ذاك الذي كان مساحتكِ وفضاءكِ لسنواتٍ عديدة، فأفضيتِ إليه وجعكِ ومرضكِ، وأخفيتِ فيه كلَّ أكياسك وحلوياتك واستخاراتك.

أحيانًا، كنت أتجاهلُ صوتكِ يناديني. مع ذلك، من بين المهام المتعدّدة التي احتجتِ فيها إلى المساعدة، كانت الاستخارة هي المفضَّلة لديَّ. كنتُ أنزلُ الدرج الإسمنتي مُسرعةً إلى غرفتكِ لأرمي النرد وأتلو الآيات القرآنية التي تحمل تسلسل الأحرف التي يستقرّ عليها. وعلى الرغم من ارتيابي من وجود صورٍ لثلاث رجال دينٍ وسياسةٍ على جدران غرفتكِ، كنتُ أجد نفسي مستعدَّةً لقراءة الغيب والمجهول، فأفتح مخيّلتي، وأؤدِّي دور العرَّافة حينًا والحكيمة حينًا آخر، وتصبح تلك الصور المُعلَّقة ومعبد «قصر-نبّا» الروماني جزءًا من اللعبة والمسرحية. 

أشعر بوَقْع أحرف الآيات القصيرة وأنا أردِّدُها ببطءٍ شديد. لم أشأ أن أنتهي منها بسرعة، بل رغبتُ بإطالة أمد «المسرحية» قدر الإمكان، لأنَّني كنتُ أحاولُ في الوقت عينه قراءةَ ملامح وجهكِ، لأعرف ما إذا كان وَقْع ما أقوله إيجابي أم سلبي. 

لم أسألك يومًا عن أمنياتكِ، ولكنني أعلم جيَّدًا مقدار محبَّتكِ لأولادكِ، على الرغم من صعوبة تعبيركِ عن ذلك الحبّ خشية الخسارة. لكن هل استمَعَتْ السماوات إلى شكواكِ يومًا؟ وهل تحقَّقَت أمنياتكِ قبل مماتكِ؟

أعادَتني تأمّلاتي بالعادة الشهريَّة إليكِ، على الرغم من أنك لم تكوني بجانبي حين بلغتُ، ولم تشاركيني ما اختبرتِه من طقوس الإخفاء المُرافِقة للعادة الشهرية، ولم تعبِّري لي عن مشاعركِ أو أحلامكِ… ولم تخبريني يومًا عن جدِّي. 

كانت علاقتنا مُقتصرةً على تلبية احتياجاتكِ ومساعدتكِ في تناول الطعام ودخول الحمام، والاستماع بصمتٍ إلى وجعكِ. كانت الاستخارة المساحةَ الوحيدة للحلم والخيال بيننا، المساحة التي أستطيعُ فيها النظر في عينيك، فأرى في بريقهما هشاشتكِ، وأجد فيكِ غير الوجع والقسوة؛ أرى لهبَ نارٍ مازالت مُشتعلةً في داخِلِك؛ نار حبٍّ متّقدة حتَّى الآن.

لم تكن بيروت مدينتَكِ، ولكنكِ اخترتِ البقاء فيها، وتربية ستة أطفال، ومواجهة الفقرِ والبردِ والحرّ. لم يكن سهلًا أن تختاري مَن مِن أولادك سينال العلم، ومن منهم سيترك التعليم ليعمل. أشعرُ بألمٍ عميقٍ لمجرّد تفكيري بموقفكِ. وكأنَّني أحملُ ذاكرةً عن ذلك الواقع، عادتْ إليَّ حين بدأتُ بنسجِ علاقةٍ مع جسدي من دون انقطاع، وتعلُّم تذكُّر جسدي في أوقاتٍ غير الألم والمرض.

اكتشفتُ يا جدَّتي أنَّنا لا نملكُ سيطرةً دائمةً على أجسامنا، فهي أدواتٌ تتحرَّك في المكان والزمان وفقًا لأصولٍ وأعراف مُعدّة مسبقًا. أردتُ التحرَّر منها. وهنا، وجدتُني أسبح في عارِ مَن أكون وكيف أكون. 

إنَّه عارٌ يختزنه المجتمع ويكدِّسه منذ عقودٍ خلَت، وسبقَت ولادة جسمي. 

لطالما شعرتُ بأني غير مرئيةٍ يا جدّتي. لسنواتٍ عديدةٍ ظننتُها مشكلتي وحدي. ذاك الشعور كان ما دفعَني إلى رحلة البحث عن "حياة"، شخصيّةٌ من نسج خيالي أردتُ من خلالِها التحدّث عن العار والاختفاء. "حياة" هي حكواتيةٌ من بعلبك، حيتُ ولدتُ، وحيث اختبرتُ أولى تجارب الاختفاء مع العنف والعيب اللذين كانا يترصّدان جسدي الصغير عند كل زاويةٍ من زوايا الشارع، والمدرسة، ومنازل الجيران والأقارب. فالمدينة التي ولدتُ فيها لم تستقبل بناتها كما فرحَت بقدوم صبيانها، ولم تشجّع أصواتهنّ كما شجّعَت أصوات صبيانها. هي مدينة الشمس - حيث يستوي معبد فينوس - سجنَت نساءها وفتياتها خلف سبعة أبواب، فنسَين طقوس الاحتفال بأجسادهن. أصبحَت العادة الشهرية لعنَةً تذكّر المرأةَ بجسدها المنبوذ والمضطهَد في العلن. في رحلة البحث عن "حياة"، قررتُ البحث عن قصصهنّ المنسيّة، وبخاصةٍ تلك التي تستعيد ذاكرةً مبتورةً لحميميةٍ ما مغيّبةٍ عن الجسد. يا جدَّتي، استمعتُ إلى قصصِ النساءِ وتجاربهِنّ مع العار وعلاقتهِنّ بأجسامهِنّ. ذهبتُ في رحلةٍ إلى فترات حياتهنّ مع العادة الشهريَّة، وكيف شكَّلَت تجاربُهنّ معها مدخلًا إضافيًا لشعورنا بعارٍ فرديٍّ وجماعيٍّ يلتصق بنا نتيجة إسقاطاتٍ ومعتقداتٍ تترافق معها عن أجسادِنا. أردتُ أن أبحِر في ذلك الشعور الجماعيّ لكي أعرِّي «عاري» فلا يعود يمتلكُ جسدي، وأفضح رواياتِه المعلَّقة في الزمن والمُصلتة على أجسادنا.
استمعتُ إلى العديد من الحكايات، وأقساها، يا جدَّتي، أتى من سيِّدةٍ شاركَتكِ ذلك الزمن، وحين بلغَت ابنتُها في سنّ الثانية عشرة، قالَت لها: "دورتُك الشهريَّة هي شرفُك". 

يا جدّتي، كيف تستطيع فتاةٌ بسنّها أن تعيَ ماهيّة ذلك "الشرف" المتدّفق بدفءٍ في سائلٍ أحمر انتشر فجأةً على سطح سروالها الداخليّ القطني الأبيض؟

حاولتُ الاستماع إلى أصواتٍ قديمة؛ أصوات من زمنٍ خطفَ أحلامكِ، يا من اخترتِ الحبَّ على تقاليدِ المجتمع، والاستقلاليَّة على التبعية لأعراف ومنظوماتٍ بالية. ترككِ ذلك الزمنُ وحيدةً مع مخاوفكِ التي أكتشفُها أنا الآن داخل جسدي، ومع أصواتٍ تعلكُ هلاكًا وموتًا في أجسادنا وعقولنا منذ ريعان شبابنا.

وجدتُ نفسي أبحث عن العار؛ ولكن ربّما كنتُ أبحث عنك، بين كل أولئك النساء. رأيتُكِ تعودين في خيالي ومن خلال ذاكرة جسدي لتُظهري لي أنّ مسارات الحبِّ غامضةٌ وغير نهائية… وجدتُكِ تتمايلين مع خيالات النساء اللواتي التقيتُ بهنّ، فوجدتُ القوَّة والمعنى حين استمعتُ إلى قصصِهن. اكتشفتُ ما ورثتُه عنك من قوةٍ وصلابة. فأنا يا جدّتي، أدركتُ - وإن متأخِّرةً - قوَّتك في المجابهة ومِنعتَك تجاه الضعف. 


ملاحظة: هذا النص جزء من سلسلة مواد عن تجارب الأشخاص الذين واللواتي يحِضن بعنوان "إجت ومعها قصة". تتألّف السلسلة من مواد تم إنتاجها في خلال ورشة إبداعية بعنوان "نروي قصصنا مع الدورة الشهرية"، نظمتها مؤسسة "جيم" ومبادرة "جييتنا" في تموز/يوليو 2023 في لبنان، بالإضافة إلى مواد مستكتبة.

تم نشر هذه المادة ضمن مشروع "We Lead" لمنظمة هيفوس.

  • 1. الخطيفة: كلمة عامية لبنانية تُطلق على زواج الفتاة بالرغم من إرادة أهلها وهروبها مع حبيبها من أجل الزواج.
  • 2. الاستخارة: أو الخيرة بالعامية، هي أحد أشكال الدعاء والتمنّي والتسلّح بالأمل. كانت جدَّتي تستخدم الاستخارة وسيلةً لتتأكّد من خير مسألةٍ ما أو شرّها، ولتستشرف تحقّق أمنيتها. وتتمّ الخيرة باستخدام نردٍ يحمل على كلٍ من وجوهه أحد الأحرف (أ ب ج د) ومجلَّدٍ يحتوي على الفهرست، وفيه مجموعة أوراقٍ كُتبت فيها آياتٌ قرآنية .كنتُ أرمي النرد ثلات مراتٍ ثم أنظر في الفهرست لأتلو الآيات التي توافق أحرف النرد، باعتبار أنّ معانيها توحي بالنتيجة المُضمرة للأمنية والدعاء. وخيرة جدتي هي خيرة الإمام الصادق (ع).