يوميات طبيبة نسوية

من الصعب أن يتكلم الألم، خاصةً النوع المكبوت المقموع، على الورق. على رفوف ذكرياتي تجلس في صمت علبة أرشيفٍ سمينة بعنوان "آلام المستشفى"، بدأت في جمعها منذ أن أخذت خطواتي الأولى في عالم الطب. ترسبت بها لحظاتٌ ومشاهد لم أكن واعية تمامًا أنها قد أثرت في، وأخرى التقطتها وبحثت فيها وقررت حفظها عمدًا. فاضت العلبة اليوم، فقررت الإفصاح عن بعضٍ من صفحاتها. 

ليلةٌ هادئة في ما عدى أنين البوابة الثقيلة الرقيقة، الفاصلة بين غرف التوليد وغرف المخاض. أنينٌ يشطر السماء إلى نصفين، يرتعد له بلّور الغرفة الضيقة وأرضيتها الدامية وترتجّ له جميع أعضائي. ثم، بين أنينٍ وآخر، تقف جميع وظائفي الحياتية لتعود من اندهاشها حين يصفعها صراخ القابلة: "أسكت ... سكّر علينا فمك ودز".

لم تكن تلك أول مرة أحضر في غرفة توليد. إلا أنني إلى حد ذلك اليوم، لم أكن سوى متفرّجةٍ تشاهد بنصف عين أو تبذل قصارى جهدها لتتهرّب إلى أعمال أخرى. في تلك المناوبة، أرغمني الطبيب المباشر على أن أتحوّل من طالبةٍ ترفض إنهاء واجبها المدرسي إلى... طبيبة. مدّني بالمقص كي أقوم بعملية "بضع الفرج" (episiotomy) بنفسي.

فسّر لي التقنية ودواعي استعمالها، مع تذكيرٍ خفيف حول تشريح الجهاز التناسلي الأنثوي، على وقع دويّ سلاسل أسيرتنا على الطاولة، وتأوُّهات النساء الأخريات في الغرف المجاورة. لم أكن أرى شيئًا، فقط سيولٌ حمراء تُزمجر من فّوهة البوّابة. أما مريضتنا، فقد استهلكها ألمها ونفتها لغتنا الطبية الغامضة بكلماتها الكبيرة إلى الكواليس ولم يخطر لأحد أن ينتشلها من هناك. لم نتكلم معها لا أنا ولا الطبيب المشرف، بل تكلمنا عنها وعن جسدها وكأنها لم تكن هناك. كان مصيرها محتومًا. لم يكن لها ترف تقريره ولا إدراك حتميته ولا تصوّر أدنى ملامحه أمام استعجال الجراحة. أنا أيضًا لم أكن أسمع شيئًا. فقط هطول أسئلةٍ من رصاص على رأسي.

هل لمفهوم القبول أو الرضائية معنى وسط الحُطام الذي يسمى بوقاحة "مستشفى"؟

هل فسّر لها أحدهم من قبل إمكانية حدوث هذه العملية وأهميتها؟ هل لمفهوم القبول أو الرضائية معنى وسط الحُطام الذي يسمى بوقاحة "مستشفى"؟ هل حضّرها/تها أحدهمن نفسانيًا لما ينتظرها وما سيأتي بعد ذلك؟ هل فكّر أحدهم في تجهيز القسم حتى تتوفر فيه إمكانية التخدير النصفي؟ هل فكّرت إحداهن في تجهيز غرفة لتمارين التنفس قبل أن تنعتها القابلة بالضعيفة، وحتى العاهرة لأن النساء "ما يعرفوا كان يحلّوا ساقيهم..." (لا يفقهن سوى فتح سيقانهم والتلقي وليس الدفع إلى الخارج)؟ ولماذا كل هذا العنف في لحظة انبلاج الحياة؟

كنت أعي الأهداف التعليمية التي وضعتني في مؤسسة متداعية، تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والعلم والإنسانية كبقية المستشفيات العمومية في بلادي، وهي في أغلب الأحيان أشبه بأستوديو تصوير لفيلم رعب. كنت أعي استعجال الجزّ الوحشي لبتلات الزهرة حتى نخلق متّسعًا لمرور الحياة.

"ماهو هذاكا لاش تخلقت ياخي.." (أليس لهذا خُلِقتِ؟) كما صاحت فيها إحداهن لتكُفّ عن "التذمر والسخط على نعم الله". فخِلت روح توحيدة بالشيخ التي تخصصت في طب النساء والتوليد وكانت أول طبيبة تونسية وفي المغرب العربي، ترفرف في نفس الغرفة وكأنها تقول: "أحقًا خُلقنا لذلك فحسب؟".

رغم كل الحجج العلمية التي كنت أفقهها جيدًا، والتي كانت تبرّر إجراء هذا التدخل الجراحي، إلا أن كلمة "سفّاحة" ظلت ترن في رأسي. أن يُخبّئ غطاء الوجه ملامح التعاطف ويُسكت الكلمات المسكنة وأن يطمس الزي الطبي ناصع البياض ألوان الأحاسيس التي تختبئ وراءه، أن أقتحم جسدًا دون سابق إنذار، كان يعني بالنسبة لي أن أنسلخ عن إنسانيتي وأتحوّل إلى آلةٍ حديديةٍ تُنفّذ دون نقاش حين تُأمر: "قُصّيه".

كان قد منعني الهذيان من ذلك على كل حال ... مددت المقص في استسلام. 

"لن أجتثّ رُضّعًا من بين الزهور الليلة".

فوجدتُني أضع نفسي في القطب الآخر من هذا الكوكب المظلم، أشُدّ يدًا متألمة تبحث عن يدٍ تعصرها وتلتمسها البقاء. خلت أن عبء المهمة خفّ حين هربت من طرف السرير السفلي حيث جهنم إلى طرفه العلوي حيث رأس المرأة فتنفست الصعداء لثانيتين على الأكثر. قيل لي أن ألم الولادة يُغّلف ألم الجراحة ولكن مريضتي أحست بكل تفاصيل الأوجاع بين وخز وشقّ ومدّ وجزر. وكذلك أحسست معها. ثم حلّ محل ذلك الشعور بالخيبة من نفسي، حين قال لي الطبيب أن تدريبي الإجباري سيبقى مبتورًا ما لم أتمكن من ترويض تعاطفي.

وهكذا تواصلت حصص التعذيب، الواحدة تلو الأخرى. تُشدّ عضلات إحداهنّ، فتنعقد أحشائي، يتّسع حوض إحداهنّ، فأسمع صرير عظامي، تُمزّق، فأتمزّق. 

هل يمكن تقبّل الحياة بغضّ النظر عن الآلام التي تحملها في أرحامها؟ هل يمكنني تصوّر جسدي مُنبتًّا تماما عن جسد الأنثى المحارِب أمامي وهو الذي عرّفني على جسدي ذاته، وليس كتب التشريح؟ 

وإن كان الأمر كذلك، ألا يعني إذن وجوب تفسّخ جسدي ونهاياتي العصبية، حتى تتسنّى لي مُواصلة العمل؟

أين نناقش كل هذا في كليات الطب؟

أفكّر وأستبق بعض الإجابات المتاحة. جوهرها خياران: إما أن ينمحي جسدك كطبيبة ويذوب في الزي الطبي الأبيض أو أن يتصلّب، فلا تعود تمتصّ مسامّه مزيج الآلام من حولك. ليت الدكتور فهم أن المسألة أوسع بكثير من ترويض مشاعر تعاطفٍ تجاه مريضة. تُنبِت الأوجاع التي كان من الممكن تفاديها أسنانًا حادة وتعضّ في داخلي حين يجري التحقير منها. ثم تستثيرني علاقة قوةٍ لا شرعية لوجودها تزدهر في غرف التوليد والتي سرعان ما تتطور إلى عنفٍ مجاني. ذلك العنف كالأوجاع، لا يُرى، ويُضحي عادةً مكتسبةً لا أحد يُسائلها. 

أتوه في نسيج العنكبوت هذا. ثم أستشعر ذبذباتٍ بعيدة، في طرف خيطٍ ما، أتتبعه، فأجد أناملًا تائهة... ألتقي وإياها في عقدة الأوجاع المتغاضى عنها. الأوجاع الأنثوية الصامتة، المُصغّرة، "العادية"، "المقترنة بالطبيعة"، التي لا يكترث أحدٌ ليضغط على يدكِ خلالها، التي تُرصِّع تصوُّر جسدكِ في عقول المسؤولين والقابلات والزوجات والرجال والنساء والأطباء والطبيبات والمريضات.

هناك تطبيعٌ ضمني مع معاناة جسد المرأة تمتد عروقه إلى ما قبل العصور القروسطية. وإلا لما أُجرِيت التجارب التي أدت إلى اختراع المنظار المهبلي (speculum) على النساء المستعبدات ذوات البشرة السوداء من دون تخدير. لا تُؤخذ آلام النساء على محمل الجد وهي غالبًا ما تُرجّح إلى أسبابٍ نفسيةٍ مقارنة بعوارض الرجال مما يخلق "فجوةً صحيةً" حقيقية بين الرجال والنساء. تجلّى المفهوم ذاته قبل 4000 سنة في كون تشخيص الهستيريا مثلًا، بما هي "مشاعر فياضة مبالغ فيها وغير قابلة للتحكم فيها"، تشخيصًا أنثويًا بحتًا. فلا غرابة أن يكون اسم التشخيص في حد ذاته مشتقًا من المفردة الإغريقية "hustera" أي الرحم.

إن التاريخ العلمي زاخرٌ للأسف بألوانٍ من الألم النسائي، من الازدراء إلى التعذيب إلى الصمت على أوجاعنا

ولا يرجع ذلك إلى الربط الوثيق بين الجسد الأنثوي وبين الوظيفة الإنجابية "الطبيعية" فحسب وإنما كذلك لتصوّره حمّالًا لكلّ ما هو مُدنّس، مريضٍ ومُعوج. فقد حُمّلت أجساد النساء "ذنب" الأمراض المنقولة جنسيًا لوحدها، دونًا عن الرجال، كما حصل في إنجلترا في القرن التاسع عشر. كما تُحمّل أجسادنا روتينيًا ذنب الاغتصاب والعنف الواقع عليها، فنرى كثيرًا من عائلات الضحايا تركض إلى تعذيب الضحية أكثر بـ"اختبارات عذرية" و"شهادات عذرية" تجاوزها الزمن، واجدةً حليفيها المستشفى والطبيب في هذا الإجراء الذي ما زال متواصلًا للأسف في عدة بلدان عربية رغم انعدام أي أساسٍ علمي له. ثمّ لطالما نُظر لأجسادنا على أنها شاذة عن "القاعدة" لأنّ الطب المجندر يعتبر الجسد الذكوري الميزان الوحيد لما هو "عادي" أو "معياري". فلنتذكر كيف تُستنتج إلى اليوم، في ميدان صناعة الأدوية، آثار المركبات من خلال التجارب السريرية على الذكور فحسب ومن دون تكبد عناء اختبارها والبحث فيها على الإناث. وقد وجد تقرير قدمه مكتب المساءلة الأمريكي، وهو جهة تابعة للكونغرس الأمريكي، أن معظم الأدوية التي أُزيلت من السوق الأمريكية منذ سنة 1997 وحتى 2001 تضمنت خطرًا على صحة النساء.

إن التاريخ العلمي زاخرٌ للأسف بألوانٍ من الألم النسائي، من الازدراء إلى التعذيب إلى الصمت على أوجاعنا. كانت الأخلاقيات الطبية ومبدأ حرمة الجسد والموافقة المستنيرة وحقوق الإنسان والمرأة المفاهيم التي هذّبت النسخة الوحشية لطب النساء في القرن التاسع عشر. فماذا يبقى لطب عصرنا إذن لو نزعنا عنه إنسانيته أو لم نولها الاهتمام الكافي؟ وهل نرى فعلاً عناية كافية بهذه المفاهيم في تطبيقنا للطب اليوم؟

ورغم كون النصوص والاتفاقيات التي تُلزمنا باحترام الذات البشرية كطبيبات وأطباء في غاية من الأهمية، إلا أنها وحدها غير كافيةٍ لتتصدّى لانهيار بقايا المستشفيات العمومية وللأحكام الأخلاقوية التي تصدُر داخلها وخارجها. كما أنها لا تُفعّل ضد التغييب الكلي للصحة النفسية في أقسام التوليد وغياب تثقيف وتدريب طلبة الطب في أخلاقيات المهنة، والمسائل الخلافية التي قد تعترضهم في المستشفيات بما فيها من ضمان لصحة المريضات بكل ما يحمله تعريف المنظمة العالمية للصحة من معنى، وهو أنها حالة من اكتمال السلامة بدنيًا وعقليًا واجتماعيًا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز. ولا يخفى أن تحقيق هذا المفهوم هو مسؤولية خطط الدولة وليس الإطار الطبي أو شبه الطبي فحسب الذي يحاول في أغلب الأحيان التكيف مع منظومة مهترئة لينقذ ما يمكن إنقاذه.

يبدو أن تدريبي ليس وحده المبتور حسب نفس التعريف، وإنما فلسفة وتركيبة الطب لدينا التي لا تعامل الإنسانة في كلّيتها في أقسام التوليد، وإنما تراها مجرد مجموعة من الأجهزة التناسلية، تُقطع وتُقصّ وتُقطّب ولا يُشرح لها ما يحلّ بها بل وقد تتلقى الذم إن عبّرت عن وجعها. ألم يحن الوقت لنكفّ عن دفن رؤوسنا في الرمال في تعاطينا مع العنف المسلّط على النساء في فلك الطب وأن نتبنى رؤية شمولية للصحة الإنجابية ولرحلات النساء داخل المؤسسات الاستشفائية؟ أما آن لنا أن نسمع أصواتهن ولا نصمّ آذاننا عنها؟

*****

عندي علبة أرشيف أخرى أعود إليها وأفتحها كلما بدت نهاية النفق بعيدة، أجمع فيها نقاط الضوء. قد يكون تدريبي قد بُتر وما زلت أحاول أن أصارع كل هذه الأسئلة التي تدور في رأسي، لكنني ما زلت أذكر كيف أُضيء وجه مريضتي بابتسامة خافتة أهدتني إياها، وأذكر همسها لي "يعيّشك" حين خرجت من غرفة التوليد ورُفع عنها كابوسها. 

 

آمنة مخلوف

آمنة مخلوف طبيبةٌ مهتمةٌ بقضايا الجندر والنسوية.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.