الهوى العطشان: معجمُ الماء في لغة العشق والجسد

دلالة الماء على الحياة حَمَلَتْ في الموروث الإنسانيّ عامّةً والعربيّ خاصةً تعبيراتٍ ذاتَ صلةٍ بالخصوبة والجسد، مع استدعاءٍ تواتريٍّ لثنائيّة الذكر والأنثى، نجد أثرَها في جميع مستويات التعبير، من الكلام العاديّ والأمثال الشعبية إلى الشّعر والغناء.

يمثّل الماء رمزًا من الرموز الحيويّة العابرة للحضارات والتاريخ، ككلِّ عنصرٍ له أثرٌ مصيريّ في بقاء الإنسان على قيد الحياة، سواء أكان مطرًا، أم عينًا في الأرض، أم بئرًا أم غير ذلك. لهذا، حظيَ الماء في معتقدات الحضارات القديمة والحديثة كما في الديانات بقدسيّةٍ خاصة، تجسّدَت في حمله دلالاتٍ شتّى أرجعها فيليب سيرنج (Philippe Seringe) في كتابه الشهير عن الرموز إلى ثلاث دلالاتٍ كبرى: مصدر حياة، ووسيلة تطهيرٍ ووسيلة تجدّد.1 ودلالة الماء على الحياة – وهي التي تهمّنا في هذا المقال – حَمَلَتْ في الموروث الإنسانيّ عامّةً والعربيّ خاصةً تعبيراتٍ ذاتَ صلةٍ بالخصوبة والجسد، مع استدعاءٍ تواتريٍّ لثنائيّة الذكر والأنثى، نجد أثرَها في جميع مستويات التعبير، من الكلام العاديّ والأمثال الشعبية إلى الشّعر والغناء.

الماء مُخَصِّبًا كونيًّا في الحضارات والأديان

يذهب عالم الأديان مرسيا إلياد (Mircea Eliade) إلى أنّ للمطر "مدلولًا لقاحيًا" يشبه الملقّح الرجالي،2 ويَرْجِعُ ذلك إلى التصوّر الكونيّ للأرض على أنّها أمٌّ تهبُ الحياة للعالم النباتي والحيواني. كما اعتبر الباحث الفرنسي رينيه باسيه (René Basset) أنّ المطر، أو "أَنْزَارْ" بالأمازيغية، يُشخّص كائنًا مذكّرًا في العديد من المناطق القبليّة المغاربيّة.3 هكذا أيضًا تصوّرَت الديانة الشيفيّة (Shaivism) - إحدى ديانات الخصب الأموميّة في الهندوسيّة4 - السماءَ قضيبًا لا حدّ له يرتكز على الأرض التي هي الرّحم الأنثوي، أمّا المطر فهو المنيّ المخصِّب.5 لذلك، تعدّ فكرة ولادة الإنسان من الأرض عقيدةً ذائعةً في أغلب الحضارات، وكثيرًا ما تعبّر اللغات عن الإنسان باعتباره "ابن الأرض". وعندما تلِد الأمّ البشريّة فإنّما هي تحاكي فعل ولادة الأرض لأشكال الحياة. وفي بلدان آسيا وإفريقيا وغيرهما، يُعتبر الخلق الكونيّ ناجمًا عن زواجٍ بين الإله – السماء والأرض – الأمّ، لذا اعتُبِرَ الزواجُ البشريّ تقليدًا رمزيًا للزواج الكونيّ المقدّس.6

وتذكر كارلا هوفمان (Carla Huffman) أنّ الكأس – باعتبارها أحد تشكّلات الماء – مثّلَت في العصور القروسطيّة رمزًا للرحم المائيّ الذي يهبُ الولادة للأرض وكلّ مَن يحيا عليها،7 كما عُدّت البئر أيضًا ذات مبدأ أنثوي تُمثّل رحمَ الأمّ العظيمة والباب السرّي إلى العالم الآخر.8

المرأة وطقوس الاستمطار

إذا لم ينزل المطر في مواسم الجفاف، تستدعيه الأنثى ممثّلةً نظيرتها - الأرض الظمأى إلى اللقاح المطريّ. فمن طقوس الاستمطار في القبائل الأمازيغية بالمغرب طقسُ "تْلَا – غَنْجَا" أو القايمة أو "أمّك طنقو"، حيث يُطلَبُ الغيثُ بواسطة استحضار "الأدوار النمطيّة المتعلّقة بـ"الخصوبة" و"الإثارة الجنسيّة" للمرأة".9 ويؤدَّى الطقسُ بأن تَنزعَ عجوزٌ "مباركة" أغطيةَ رأسها الملوّنة بالأزهار، وتَلُفَّ بها ملعقةً كبيرةً فتستوي على هيئة عروسٍ تسمّى القايمة أو الغنجة، وتطوف بهذه العروس صبيّةٌ عذراء يتحلّق حولها الأطفال، وممّا ينشدون:

القايمة القايمة

القايمة لبست جلالة  ***  والعام كاد الرجّالة

مطّارة قطّارة  ***  تملي عروق العرعارة10

أو ينشدن بالأمازيغية ما معناه: "يا أيّتها المِغْرَفَة، ارفعي يديك إلى السماء، واطلبي إلى الله أن يغيثنا بالدّلاء". وإذا ما عرفنا أنّ الملعقة نعتٌ للمرأة غير المتزوّجة في الأمازيغية،11 وأنّ التي تحملها عذراء، نفهم أنّ الاستمطار هو طقسٌ تزواجيّ رمزيّ تنتقل فيه العذراء/الأرض من العذرية/البوار إلى التخصيب/الغيث.

مزارات العيون في شمال إفريقيا ونوايا النساء

تمثّل العيون المائية المنتشرة في شمال إفريقيا مزاراتٍ موسميّةً دوريّةً للنساء من مختلف الأعمار. وترجع دوافع هذه الزيارات إلى التبرّك بالماء طلبًا للزواج أو الإنجاب وحلّ العقم، إضافةً إلى دوافع أخرى كطرد السّحر. وتذكر الباحثة حنان حمّودا ضريحَ "لالة عيشة حمّو" في المغرب الذي تقصده الفتياتُ في سنّ الزواج، ويتبرّكن به عبر طقوس استحمامٍ بمياه عينها المتّصلة ببئر ماءٍ تحمل اسم "عوينة للّا عيشة"، فيُشعلن سبع شمعاتٍ بيضاء بجانب العين وينثرن خلطة "النشور" أو "إسكتار" بالأمازيغية التي تتكوّن من الحنّاء، والورد، والقرنفل والسّواك.12

وفي تونس، تنتشر مزارات عيونٍ سخنةٍ كثيرةٍ في مختلف أنحاء البلاد، ويقصدها الرجال كما النساء للاستشفاء. لكن التصوّر الماورائيّ يتجاور في ذهنية الزائرات مع التصوّر العلميّ الذي يؤكّد منافع هذه العيون، إذ يستحمِمن فيها و"قد عقدنَ النيّة" لحلّ عقدة الزواج أو الإنجاب، إلى جانب اعتقاداتٍ أخرى كطرد السحر و"التابعة". وربّما تتخفّى هذه النوايا والاعتقادات تحرّجًا تحت اسم "أمراض النساء"، وإن ثبت علميًا أنّ هذه المياه تساعد حقًا في علاج بعضٍ منها. ففي لافتة الدخول إلى حمّام الزريبة بولاية زغوان، ذُكرت هذه الأمراض ومنها عواقب التهاب الرحم عند الولادة، والتهاب غشاء الرحم، وآلام الحوض والتهاب المهبل المتكرّر. ولعلّ هذه الحقائق الطبّية غذّت الاعتقاد الميثولوجيّ في المخيال الشعبيّ بشأن ما تطلبه النساء من تلك المياه. ومن المزارات أيضًا عيون مدينة قربص التي تضمّ حوالي ستّ عيونٍ أشهرها عين العتروس، وكذلك حمّامات مدينة الحامّة المشهورة والكثير غيرها.

الماء والجسد في اللغة

يصفُ القرآنُ أرض مكّة قبل تفجّر عين زمزم بأنّها {وادٍ غير ذي زرع} [إبراهيم/37]. وكانت زمزم سببًا لبناء الكعبة وتقديس مكّة، حتّى أنّ لها ما يزيد عن ستّين اسمٍ من بينها: سقيا الحاج، وشراب الأبرار، وطيبة، بركة، وكان العربُ إن عظّموا شيئًا أكثروا من أسمائه. لذا، ربط القرآن بين الماء والحياة في مختلف أشكالها: {وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ} [الأنبياء/30]. كما أنّ الطبيعة الصحراويّة لشبه الجزيرة العربية حملَت العرب على تقديس الماء في جميع مصادره، حتّى أنّ كثيرًا من حروب ما قبل الإسلام بين القبائل العربية نشبَت بسببه، كيوم سفوان الذي اقتتلَت فيه بنو مازن مع بني شيبان قتالًا شديدًا على ماءٍ يُقال له سفوان زعمَت كلُّ قبيلةٍ أنّه لها.13

كثيرًا ما يحضر معجم الماء في المجال الاصطلاحيّ للجسد في العربية، إذ يعبّر العرب عن مني الرجل بـ"ماء الرجال"، وعمّا يخرج من المرأة عند الجماع بـ"ماء النساء"

وبالانزياح الدلاليّ، أي خروج اللفظ أو التركيب عن معناه الأصلي ليحمل معانيَ أخرى، صار الماء يحمل دلالاتٍ كثيرةً تجاوزَت معناه الأوّل. وهذا لا يقع في اللغة إلّا بتعالقٍ وتشابهٍ بين هذه الدلالات،14 كدلالة الارتياح التي يعبّر عنها في العربية بعباراتٍ مثل "أثلجتَ صدري" و"شفى غليلي" - والغلّ هو الحرّ والعطش - في حين أنّ الفرنسية تعبّر عن الارتياح غالبًا بدلالة الدفء "Tu réchauffes mon coeur"، وكذا في الإنكليزية "You warm my heart" نظرًا إلى قسوة البرد في البيئتَين الأوروبية والأميركية حيث الدفء مطلوبٌ أكثر.

وكثيرًا ما يحضر معجم الماء في المجال الاصطلاحيّ للجسد في العربية، إذ يعبّر العرب عن مني الرجل بـ"ماء الرجال"، وعمّا يخرج من المرأة عند الجماع بـ"ماء النساء". وفي حديثٍ عن الرسول أنّ "الرجل إذا غشي المرأة فسبقَها ماؤه كان الشّبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشّبه لها".15 ومن الأمثال السائرة القديمة: "هَلْ تُنْتَجُ النَّاقَةُ إلَّا لمنْ لَقِحَتْ لَهُ"، وفسّره الميداني بـ: "هل يكون الولد إلّا لمن يكون له الماء، [و] (لقاحها) أي لقبول رحمها ماء الفحلِ".16 ومن الأمثال الشعبية المغاربية "الماء اللي كثرو عليه اليدين نديروه لغسيل الرجلين"، وهي كنايةٌ ظاهرُها تعبيرٌ عن فساد الماء بكثرة الأيادي الممدودة إليه ما يبرّر استخدامه لغسل الأقدام، ويُضرب هذا المثل بالمرأة التي "استُهلكَت" بتنقّلها من رجلٍ إلى آخر فلم تعُد "تصلح" للزواج. والمرأة إذا لم تتزوّج تُعدّ "بائرة" وفقًا للتعبير الشعبي، وهو لفظٌ مشتقٌّ من الأرض البور التي لا ماء فيها ولا مطر يسقيها، كأنّ ماء الرجل هو الذي يخصّبها وإلّا فمصيرها الجفاف والموت في التصوّر الذكوري السّائد.

أشكال استدعاء دلالات الماء في الأشعار والأغاني العربية

تستدعي الأشعار والأغاني العربية الماءَ في مواضيع كثيرة، لعلّ أهمّها مجال العشق وشهوة الجسد. وللماء في هذا المجال دلالتان أساسيّتان: ريق المرأة، والوصال بوجهَيه العذري والجسدي.

ورضاب المرأة من الموصوفات التقليديّة في أنموذج الجمال الأنثوي، وهو شبه متروكٍ اليوم، ويَطلب الرجلُ فيه ثلاثًا: رائحتَه، وبرودتَه وطعمَه، وقد جمعها الأعشى في بيتٍ له:

وباردٍ رَتْلٍ عَذْبٍ مَذَاقته  ***  كأنّما عُلَّ بالكافور واغتبقا 17

ويسأل المتنبي إن كان ريق حبيبته من ماء المطر أم أنّه خمرٌ أذهب عقله، قائلًا إن برودة ريقها في فمه يستحيل جمرًا في قلبه مضرمًا فيه الشهوة:

أريقُكِ أم ماء الغمامة أم خمرُ  ***  بِفِيَّ بَرودٌ وهو في كبدي جَمْرُ18

وفي بيتٍ آخر، يشبّه ريقها بماء الحياة الذي إن أصاب التراب لأحيا الأمَم السالفة من مَوَاتها:

فذقتُ ماءَ حياةٍ من مقبّلها  ***  لو صاب تُربًا لأحيا سالفَ الأممِ19

ولطالما حرص الشعراء على تأكيد صفة البرودة في الرضاب لأنّ "الريق الساخن دليلُ فساد الفم وتغيّر رائحته وطعمه".20 وكثيرًا ما يصِف هؤلاء ماءَ فم المرأة بعد النوم، حين يحدث أن يَخبثَ طعمه ورائحته، فتُنعت المرأة حينئذ بالبخراء – وهي صفةٌ تُطلق على الرجل أيضًا – لكنّ ريق حبيبة الشاعر يظلّ على حاله من طيب الرائحة وعذوبة المذاق. يقول زهير بن أبي سلمى:

كأنّ ريقتها بعد الكرى اغتبقتْ  ***  من طَيِّبِ الراح لمّا يَعْدُ أن عَتُقا21

وسمع النابغة الذبياني عن غريمٍ له أنّ ماء فم مَن يريدها يروي "عطش الصّادي" (الظمآن)، وهي صورةٌ تستعيد قيمة الماء في حياة عرب الصحراء:

زعم الهمام ولم أذقه أنّه  ***  يُشفى بريّا ريقها العَطِشُ الصَدِي22  

ونجد هذا التلازم بين ماء الفم والارتواء حتّى في بعض الأغاني المعاصرة، كأغنية "عطشان يا زينة" لمجموعة جاوي:

عطشان يا زينة  ***  ارويني من ريقك

وفي أغنيةٍ لمحفوظ البحري يشبّه الفنانُ مذاق الرضاب بالعسل، وهي صورةٌ نمطيّةٌ شائعة: 

اسقيني الشهد من فمّك  ***  ريقك عسل نوب دوعاني

لكننا نجد انزياحًا فريدًا عن هذه الصورة في إحدى أغاني التراث بجهة الكاف من البلاد التونسية، حيث يوصي العاشقُ القتيلُ بتغسيل جسده بريق حبيبته، فيتحوّل الماء من مطهّرٍ ديني للروح حتّى تفارق جسدًا "آثمًا" إلى مجدّدٍ رمزيّ للحياة في هذا الجسد الذي لم يرَ في العشق تدنيسًا للروح، بل هو الذي ينتشلها من عدمها الأخير:

يا وغسّلوني  ***  ريقة سِنّيك

وربّما تطلب المرأةُ ماءَ فم الرجل، كما في أغنيةٍ للفنانة اليمنية هند: اسقيني من ريقك الحالي.

وصورة العطش والارتواء لم تنحصر بالرضاب فقط، إذ عبّرت كذلك عن الوصال بوجهَيه العذري والجسدي. وكثيرًا ما اعتمدها الشعراء العذريّون لتصوير حجم معاناتهم مع الحرمان، فهذا جميل بن معمر يصوّر حاله كحال النوق (جمع ناقة) العطشى، ترنو إلى الماء لكن لا تقدر على بلوغه لأنّ عصا الراعي حائلة بينها وبينه، وكذا قبيلة بثينة حائلة بينها وبينه، فيقول:

وما صادياتٌ حُمْنَ يومًا وليلة  ***  على الماء يخشين العصيّ حَوَانِ

بأكثر منّي غُلّة وصبابة  ***  إليك ولكنّ العدوّ عداني23  

وتنتشر هذه الصورة كثيرًا في أغاني المنطقة الناطقة بالعربية بمختلف أقطارها، ويستعملها الرجل كما المرأة للتعبير عن المراد الذي قد يكون مجرّد الوصال، أو شهوةً في النفس تفعل بصاحبها أو صاحبتها أو كلاهما فعل العطش، كما في أغنية "ذابل الأعيان" للفنان محفوظ طنّيش، حيث يطلب الرجلُ الماءَ من حبيبته ويتوسّله منها بالتعبير التونسي "جئتك بالله"، وهو بذلك يتغزّل بعينيها وصدرها الذي يستذكر نومَه عليه، لاسيّما إذا طرق باب بيتها ليلًا وهو منتشٍ بالسُكْرِ، ويبدو أنّه اعتاد زيارتها:

بربّي يا ذابل الأعيان  ***  تعطيني شريبة عطشان

جيتك بالجاه  ***  وتعطيني شريبة لله  ***  رقادي على صدرك ما أبهاه

خصوصي كي نروّح نشوان

أمّا هي فتجيبه بالقَبول، وتعرف أنّ الماء الذي يطلبه هو وصال جسدها، وتسكت عن تفصيل ذلك الذي "لا يعلمه إلّا الله":

قالت نعطيك  ***  ولو كانك عطشان نرويك  ***  انديرك في حضني نخبّيك

وما يعلم كان السبحان

لكنَّ حبيبة الشاعر في أغنية ناظم الغزالي "طالعة من بيت أبوها" ترفض استسقاءه منها وتتمنّع، فالماء الذي عندها لا يروي عطشه، كأنّها تجد في منعه لذّة مكابرتها:

قلتلها يا حلوة اسقيني  ***  عطشان ميّه ارويني

قالتلي روح يا مسكين  ***  ميّنا ما تروي العطشان

وقد يقرّ الشاعر بأنّ الماء لا يروي ظمأه ولو كان على "متن السحاب"، كما في أغنية "عطشان" لماجد المهندس، فلا يحلو له الماءُ إلا من يدها: عبّي الجرّة واسقيني  ***  أنا عطشان عيونك  ***  والميّة ما ترويني، في أغنيةٍ أخرى من كلمات أحمد حميّة.

وقد تُمنّي المرأة نفسها بالارتواء من ماء حبيبها أيضًا، فتشبّه نفسها بالوردة الذابلة التي أحرق العطشُ قلبها من دونه، فتقول أغنية الفنانة التونسية زهيرة سالم

اعطيني شريبة لله عطشان للربي  ***  واللي نحبّو ونهواه حارقلي قلبي

آنا عطشانة  ***  وردة ذبلانة  ***  بحبّه ولهانة

نتمنّى نروى من ماه ونحمد ربّي

ونرى كذلك "الهوى العطشان" الذي لا يملّ من ماء الحبّ ولا تشفيه شربةٌ واحدة:

الهوى العطشان في قلبي بيندهَكْ  ***  يا أرق من النسمة وأجمل من ملَكْ

واسقيني واملى واسقيني تاني  ***  من الحب، منك، من نور زماني

والماء ليست لإطفاء العطش فقط، إنّما لإطفاءِ نارٍ حَرَّى في القلب، هي نارِ الحرمان واللوعة. ونجد هذه الصورة التقليدية في الشعر القديم، كما في بيتٍ من قصيدة لسان الدين بن الخطيب التي غنّاها صباح فخري:

ضع على صدري يمناك فما  ***  أجدر الماء بإطفاء اللهبْ

وتحضر هذه الصورة كثيرًا أيضًا في الأغاني المغنّاة باللسان العربي الدّارج، كأغنية الشيخ العفريت التي تصوّر حرقة البُعد، فلا يزيدها ماءُ العين إلّا التهابًا:

زعمة النار تطفاشي ونبرى من وجعاتي

يا حبيبي طوّلت الغيبة  ***  ناري لهيبة  ***  دمعي سكيبة

زاد ليعاتي

بالرغم من كثرة الأغاني التي تستعيد ثنائية العطش والارتواء وتستحضر مفردات الماء للتعبير عن توق الجسد والنفس لوصال الحبيب/ة، لا يملّ الجمهور العربيّ من تلقّيها والطرب لها. ولعلّ ذلك يرجع إلى أنّ "العطش" مكوّنٌ قاعديٌ في "الشخصية العربية"،24 فهذه الشعوب ما زالت "عطشى" للحبّ والجنس والحياة، وحتّى للماء الحقيقيّ أيضًا.

 

 

  • 1فيليب سيرنج، "الرموز في الفنّ، الأديان، الحياة"، ترجمة عبد الهادي عبّاس، دمشق، دار دمشق، ط 1، 1992. يمكن الإطلاع كذلك على مقال: Nicole Marie, "La symbolique de l’eau", H20, Février 1990
  • 2فيليب سيرنج، نفسه، ص 351. يمكن الإطلاع كذلك على مقال بن معمر بوخضرة وفاطمة رزايقية، "البعد الرمزيّ للماء والأرض والمرأة في المثل الشعبي - قراءة تحليلية"، مجلّة الفكر المتوسّطي، العدد 13، جانفي 2018، جامعة تلمسان.
  • 3 حنان حمّودا، "الماء كمنشّط أنثربولوجي لإنتاج الطقوس بواحة سكورة جنوب المغرب".
  • 4 تمكن قراءة مقال محمّد زكري في الحوار المتمدّن: "رمزية الجنس في ديانات الخصب".
  • 5فيليب سيرنج، نفسه، ص 361.
  • 6مرسيا إلياد، "المقدّس والعادي"، ترجمة عادل العوّا، بيروت، دار التنوير، 2009.
  • 7 تمكن مشاهدة كذلك هذا المقطع من فيلم "The Da Vinci Code" الذي يوضح الدلالة الأنثوية للكأس في المسيحية.
  • 8كارلا هوفمان، نفسه.
  • 9حنان حمّودا، نفسه.
  • 10فاطمة رزايقية وبوخضرة بن معمر، "الماء والأرض والمرأة ودلالات الخصوبة من خلال طقوس الاستمطار"، مجلّة المواقف للبحوث، مجلّد 16، عدد 1، مارس 2020، 215-231.
  • 11 يمكن الاطلاع على مقال شبير محمّد في مدوّنته وفيه تفصيلٌ كثير لاشتقاقات وتأويلات هذا الاسم.
  • 12حنان حمّودا، نفسه.
  • 13ابن عبد ربّه، "العقد الفريد"، دار الكتب العلمية، ط 1، ج 6، ص 59.
  • 14كتب البلاغة تفصّل هذه المسألة على نحوٍ أوسع. تمكن مراجعة أبواب المجاز والتشبيه في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني، و"مفتاح العلوم" لأبي يعقوب السكّاكي وشروحه الكثيرة.
  • 15صحيح البخاري، "عن أنس بن مالك"، حديث رقم 3329.
  • 16أبو الفضل الميداني، "مجمع الأمثال، تحقيق محيي الدين عبد الحميد"، بيروت، دار المعرفة، ج 2، ص 383.
  • 17ديوان الأعشى الكبير، مكتبة الآداب، 2012، ص 365.
  • 18ديوان أبي الطيب المتنبي، شرح البرقوقي، القاهرة، دار هنداوي، ص 586.
  • 19ديوان أبي الطيب المتنبي، نفسه، ص 1238.
  • 20ثناء أنس الوجود، "رمز الماء في الأدب الجاهلي"، القاهرة، دار قباء، 2000، ص 157.
  • 21ديوان زهير بن أبي سلمى، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1988، ص 73.
  • 22ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط 2، ص 50.
  • 23ديوان جميل بثينة، بيروت، دار صادر، 1988، ص 50.
  • 24 نستعمل هنا مفهوم "الشخصية العربية" باعتبارها "شخصية قاعدية". والشخصية القاعدية (Basic Personality) نظرية المحلل النفسي والأنثروبولوجي الأميركي آبرام كاردينر (Abram Kardiner) ويقصد بها "التشكّل المشترك بين كل أفراد المجتمع" وذلك نتيجة تأثير المؤسسات الاجتماعية، مع أخذ في عين الاعتبار طبيعة الفرد الفريدة ومزاجه الفريد اللذان يحققان فردانيته أيضًا. وقد بسّط هشام جعيط هذه النظرية وتأثّر بها في كتابه "الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي"، طبعة دار الطليعة، 1990، ص 155.

وليد نعمان

وليد نعمان مختص في اللسانيات والآداب والحضارة العربيّة.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.