رثاء في زمن الوباء: إلى تاتا نهلى

06/04/2020
1203 wörter

يُوجعني قلبي وأنا أكتب. يُؤلمني حقًا. هذا ليس تشبيهًا أو استعارة، أشعر بثقلٍ على قلبي وأبدأ حالا بمراقبة جسدي، هل هي عوارض الوباء أو عوارض الحداد والفقدان؟

منذ بداية الحجر ونحن نضع أجسادنا أمام اختبارٍ يوميّ، في حالة ترصدّ دائمة لكل أشكال الأحاسيس والأعراض والعلامات التي قد تضجّ بها بين حين وآخر. لم أشعر أنّي منفصلة عن جسدي بهذا الشكل من قبل، أتفحّصه كأنه غريبٌ عني. اكتشفت، مثلا، أنه ينتظر خروجنا للتبضع كي يصدح بالسعال العالي، وأشعر فجأة بالحكاك الشديد في كلّ وجهي، فأبدأ بالسعال وبلمس وجهي وأنسى أن أضع مرفقي على فمي كي أكتم السعال وما أنتجه من رذاذ وأصوات عالية وينهار النظام كله.

لا أدري كيف أثق بجسدي بعد هذه الحادثة…

أحيانًا عندما أحكم سيطرتي عليه، أشعر أنّني تحولت إلى جسد ميكانيكيّ فقط، يجلس على الصوفا كي يقرأ روايات ويتمتّع بها، يمارس تمارين اليوغا لأنها مفيدة للتنفس ومضادة للكآبة، يأكل أكلا صحيًّا، يجلس على الشرفة وينظر إلى الخارج، يتنفس بشكل جيد هذه المرة، حسنٌ لم يتنفس بشكل جيد في المرة التي تلتها، فلنراقبه أكثر. يشرب الشاي، يشاهد فيلمًا، ثمّ ينام. كيف استطاع أن يتنفس وحده كلّ هذه الفترة، من دون هذه المراقبة الشديدة؟ لا أذكر الآن.

اكتشفت أنّني إذا شربت النبيذ (ليس كثيرًا، فقط كأسًا أو كأسين) تنهار كل هذه الأسس التي شكّلتُها لتمحّص جسدي، و"الحفاظ عليه"، أو بالأحرى السيطرة عليه. ينهار كل هذا العالم الذي بنيته لي ولجسدي. ترتطم بي موجة من الشجن الشديد ويبدأ جسدي بالعويل، ما يشبه النحيب الشديد الذي لا أستطيع التحكم به. كنت أبكي هكذا عندما كنت طفلة. عندما كنت أشعر بالظلم تجاه شيء ما. كنت أبكي لدرجة لا أستطيع أن أتنفس بعدها، فأشهق وأنا أبكي.

توفيت جدّتي يوم الجمعة الماضي. سافرت، كما تقول أمي. لم يكن هناك أي مراسم للدفن أو مجالس عزاء أو تأبين. لم يتمكن العديد من أفراد عائلتها أن يأتوا لوداعها ولرثائها، ولإحاطة بعضهم البعض. كنا منفصلين عن بعضنا في ألمانيا وكوريا الجنوبية وإسبانيا وفرنسا وكندا ولبنان.

كان اسم جدّتي تاتا. كان اسمها نهلى.

لم تسافر تاتا بسبب الوباء لكنها رحلت خلاله. ولكن، لا أنفكّ أشعر أنّ لهذا الوباء نقمة حادة على جدّاتنا وسالفاتنا، يفتك بهنّ وبتاريخ عميق من المعرفة والحب وطرق العيش لا يشبه تاريخ الأوطان الرسمي ولا تاريخ الطب الغربي الحديث الذي مازال "يطوّر البشرية" ويتطوّر من خلالها. يبدو لي أنّ هذا الوباء يقضي على تاريخه هو، على تاريخ من التغلّب على الوباء، من البقاء على قيد الحياة خلال الكوارث والحروب والأزمات. هذا هو انتقامه البيولوجي.

كأنّ عالمًا بكامله ينهار، ينمحي من أمامنا. عالم كانت جداتنا وسالفاتنا جزءًا منه. عالم طفولتنا الذي اختبرناه، نحن مواليد ثمانينات القرن السابق، كمعلّق ٍ بين عالمين، العالم القديم والعالم الجديد.

*****

قررت رفيقتي مغادرة برلين، مدينتنا، والرجوع إلى فلسطين كي تكون مع عائلتها. آخر رسالة نصية كتبتها لي كانت "أراكِ في العالم الجديد".

فكرت كثيرًا بهذه الجملة: ماذا ستكون ملامح العالم الجديد بعد الوباء؟ هل سنجد مثلا أرض الأمل كما في عدنان ولينا، المسلسل الوحيد الذي أخبرنا عن نهاية العالم عندما كنا صغارًا في الحرب الأهليّة اللبنانية؟ هل ستنهار أسس العالم النيوليبرالي الجديد على رؤوسنا ثم نصنع معًا عالمًا جديدًا؟ عندما رحلت جدتي تذكرت أنّ الأجداد هم أول من رحلوا في عدنان ولينا، جدّ عدنان في الحلقة الأولى، ثم جدّ لينا، ومهما كانت ملامح العالم الجديد، سيكون بلا أسلاف ولا أجداد. ربما ما نخسره اليوم هو هذا التاريخ بكامله. ربما العالم الجديد هو عالمنا الحالي لكن أشدّ سطوة وقسوة وظلمًا، وبلا جذور أو تاريخ.

كيف نشهد على زوال جدّاتنا وسالفاتنا؟

كيف يمكننا أن نفقد كل هذا؟ كيف يمكننا أن نرثي هذا المُصاب؟ كيف نشهد على زوال جدّاتنا وسالفاتنا؟ على زوال العالم القديم؟

كان اسم جدتي نهلى. تعلمت في مدرسة البروتستانت في النبطية جنوب لبنان، ثم انتقلت إلى مدينة صيدا (داخلي) لفترة صغيرة ولكنها لم تكمل تعليمها، مع أنها أحبّت أن تفعل ذلك. احتفظت بكرّاساتها ودفاترها من تلك الفترة. كان خطها جميلا. لديها كرّاسة عن صف "التدبير المنزلي" مع وصفات للأكل الغربي مثل المعكرونة، ومع نصائح عن كيفية تنظيم المائدة طبقًا للطريقة البريطانية.

عندما سألت تاتا عن ذكرياتها، كانت دائمًا تبدأ بوصف حجم الجهد والعمل الذي تكبّدته في تنظيم وجمع "المونة" والطبخ لجميع أفراد العائلة: الزيتون والبرغل والحمص والزعتر والفريك والعدس  والسماق والجبنة واللبنة وتحويش الفواكه، وكيف كانت تذهب إلى بيروت مع أختها للنظر إلى أحدث صرعات المدينة من ثياب وفساتين وترجع إلى النبطية لتخيط مثلها لبناتها. كانت تُحدّثني عن أوجاع جسدها بسبب كلّ هذا الجهد، وجع في الركبتين واليدين ونقص في النظر. كل هذا الجهد الذي أصبح لاحقًا من نصيب العاملات المهاجرات، ينخر أجسادهنّ كما فعل بها. كلّ هذا الطعام، كلّ هذه الرعاية والحب التي تُؤمّن لنا من غير أن نشعر بهذا الجهد.

*****

حلمت البارحة أنّني كنت أحضر فيلمًا اسمه "الدكتاتورية" (كان العنوان باللغة الإسبانية dictatura). يبدأ الفيلم بمشهد لواجهة سيارة قديمة، والكاميرا مركّبة داخلها، واقفة على إشارة السير. يرتطم  شيء ما فجأة من الخارج بالسيارة وتغرق واجهتها بالدماء. عرفتُ في هذه اللحظة أني قد رأيت هذا الفيلم من قبل، إنه عن لبنان خلال الحرب الأهلية في السبعينيات وعن حركة شبابية راديكالية كانت تستشهد عبر الارتطام بسيارات السلطة، وإغراقها بالدماء. المشهد الثاني كان لأوتوكار الحاج، الباص الذي كان يأخذني إلى المدرسة لمدة إحدى عشرة سنة. ولكن في الحلم-الفيلم، كان باصًا عاديًا متجهًا إلى خارج بيروت. أدركتُ أن هذا هو الطريق الساحلي الذي كنا نأخذه من بيروت إلى النبطية، الطريق الذي طالما أحببته في صغري، والذي ينتهي بلقاء جدتي. لكن في الحلم-الفيلم، كان الطريق الساحلي قد تحول إلى تلال من الزبالة والتراب والأوساخ السوداء، وكان للهواء، وللطريق كله، لونٌ أخضر مقزز. تذكرتُ أنني قد شممت هذه الرائحة من قبل، عندما كنت صغيرة في طريقي إلى جدّتي، وقد كنت أكتم تنفسي خلال هذه الرحلة كي أتخلّص من الرائحة.

عندما استيقظتُ أدركت أن كل ما جرى في الحلم كان بطريقة أو بأخرى، خاطئًا، أو بالأحرى مضلّلًا. الطريق الساحلية التي شهدتها لم تكن الطريق بين بيروت والنبطية، ولكن طريقًا أخرى من الشمال إلى بيروت. الرائحة الكريهة التي شممتها ليست جزءًا من ذكرياتي. مشهد الزبالة والتراب في لبنان في السبعينيات ليس من الماضي، بل يمكن أن يكون في الحاضر أو حتى المستقبل. كلّ الأشياء التي رأيتها كانت مألوفة وغريبة في نفس الوقت، مبعثرة زمنيًا وظرفيًا، كأنها تصنع روابط لعالم جديد من أشياء مهشمة أو من بقايا أشياء في طور الاختفاء والتحلّل.

على أيّ عالم كنت أشهد في الحلم-الفيلم؟

*****

لا أدري كيف أرثي جدتي اليوم، ربما أضحى الرثاء شيئًا آخر

قرأت في كتاب ما أنّه عندما يرحل شخص نحبه، يرحل معه عالم بكامله، بل نموت نحن معه قليلا. طفولتنا، ذكرياتنا، الكرسي حيث كانت تجلس، مطبخها، جبنة ولبنة تاتا، هذا الشعور عندما شربنا حليب بقر طبيعي للمرة الأولى خلال الحرب بعد سنين من قرف حليب نيدو، تنبؤها بحالة الطقس كل سنة عبر مراقبة مناخ الاثني عشر يومًا بين عيد الصليب الصغير وعيد الصليب الكبير، يداها، بيت تاتا وجدو، النبطية. عالم بحاله، وروابطه، يختفون فجأة. ليس فقط ماضيًا أو تاريخًا، بل هو حاضرنا الذي يموت قليلا، ومستقبلنا يتغير.

لا أدري كيف أرثي جدتي اليوم، ربما أضحى الرثاء شيئًا آخر. ليس خطابًا، أو قصيدة حداد أو لغة حتى. ربما الرثاء ليس استعادة كلّ المعلومات والذكريات والقصص عن سالفاتنا اللواتي فقدناهنّ . ربما العالم الجديد، الذي نحن شاهدون عليه الآن، بمادياته وعلمه وأخلاقياته وتفككه، هو مجرّد مسرحية رثاء.

أحب أن أنظر إلى الأشجار منذ أن رحلت نهلى. نافذة المطبخ تُطلّ على ثلاث أشجار وهناك شجرة كبيرة تطل على شرفة شقتي. أحب أن أمعن النظر فيها، أن أدقق في أغصانها و جذورها الكبيرة وأحاول أن أحزر عمرها ومدى عمقها في الأرض. اليوم رأيت سنجابًا يقفز بين الأشجار، بكلّ حرية. لكن في معظم الأوقات أرى طيورًا من جميع الأنواع لا أعرف أسماءها. كنت أريد أن أصبح عالمة طيور عندما كنت صغيرة، أذهب إلى الغابات مع منظار كبير كي أسجّل طرق عيشها، أغانيها، وترحالها. أمّا الآن، أراقب الأشجار وأتفحّص جسدي وأنتظر العالم الجديد.