أنا آدم: كيف أصبحت رجلاً

سأروي قصتي بدءًا من طفولتي...

بعمر الثلاث أو الأربع سنوات أتذكر جيدًا كيف كنت أرتدي غالبًا ملابس الأولاد وأفضّل ألعابهم ما لم تمنعني أمي، وأنني كنت ألعب عادة مع أقاربي من الذكور على الرغم من أنني ولدت بهيئة أنثى بيولوجيًا. وعلى الرغم من وجود العديد من الفتيات في عائلتي إلا أنني لم أكن أميل إلى اللعب برفقتهن ولا أحب حتى طريقة لعبهنّ. منذ ذلك الحين كنت أعتبر نفسي بطريقة ما ذكرًا، طفلاً، ولدًا. في حارتنا عندما كان أبي يمنعني من الخروج واللعب خارجًا مع الأولاد كنت أضطرّ أن ألعب مع قريباتي البنات لكني كنت أمثّل دور الأب أو الزوج. كان شيئًا طبيعيًا وشعورًا يرافقني دائمًا بأنني ولد، وأنني عندما أكبر سأصبح رجلاً وأتزوج بفتاةٍ جميلة.

كلما كبرت بدأ أبي وأمي يشددون بتعاملهم معي على أن ألبس كالفتيات وأصادق وألعب مع الفتيات ويحرمونني شيئًا فشيئًا من الأمور التي تتعلق بالأولاد، وكلّ ذلك لم يخفّف شعوري المتنامي بالذكورة. بدأت أكبر وبدأت أفهم أنني واقع في مأزق بين ما أشعر به وبين ما أريد أن أكون عليه، وبين ما أنا عليه ومجبرٌ للرضوخ له، إلى أن وصل الأمر ذروته وقررت الهرب وتقديم نفسي كذكر للمجتمع. لم تنجح خطتي أبدًا: كان عمري لا يزيد عن الخمسة عشر عامًا حين هربت إلى مدينة قريبة وحاولت العثور على عمل على أنني شاب. بحثت كثيرًا حتى وصلت شارعًا فيه محلات مثل المناجر وورشات الحدادة وأخيرًا وافق صاحب محددةٍ على أن أعمل عنده إلا أنه بعد مضي ساعات قليلة ارتاب مني، واستطاع أن يستدرجني للإفصاح عن حقيقتي. وبالطبع عندما اكتشف أنني هربت من منزل جدي سلمني لإدارة حماية الأسرة وأعادوني لمنزل جدي في نفس اليوم. ما زلت أذكر كيف كان أبي مذعورًا وكل عائلتي كانت تبحث عني، وأول ما فعلوه حين عودتي أن ذهبوا بي لطبيبة نسائية ليتأكدوا من حقيقة كلامي وأنني لم أُختطف أو يُعتدى علي. لم يضربني أبي، لكنه أيضًا لم يتجاوز الأمر بسهولة إذ بعد سنة من ذلك كنت قد ارتديت حذاءً رجاليًا ورآني وقتها وضربني ضربًا مبرحًا على وجهي موجهًا لي السباب بدعوى أنني أريد أن أفضحه وأجلب كلام الناس له بسبب لباسي وسلوكي الرجولي!

بدأت أبحث عن اسمٍ لحالتي، وعلمت من خلال فيديو شاهدته على يوتيوب عن عمليات التصحيح الجنسي وتواصلت مع أحد الأطباء في أمريكا عبر الإيميل، فقال لي بأن هذا شيءٌ طبيعي وهناك الكثير من الحالات التي تمّ علاجها. عزمت على أن أفعلها بعد التخرج من الجامعة والعمل وادخار المال. لكن الأمور كانت أسهل في النظرية من التطبيق.

بداية العبور: كيف علِم أبي؟

في يوم من الأيام تحدث أحد أعمامي مع أبي بخصوص شاب يبحث عن فتاة ليتزوجها وكان عمي قد أشار لأبي عني! وصلني الخبر وبسرعة الريح تواصلت مع عمي وقلت له أن ينسى هذا الموضوع ولا يفاتحني به مطلقًا بدون ذكر السبب، مما دفعه لإخبار أبي الذي بدوره سألني عن سبب رفضي، ومن هنا جاءت إجابتي بأنني أعاني من هذه المشكلة التي وجدت لها اسمًا "اضطراب الهوية الجنسية" وشرحت له كل شيء بالتفصيل.

أذكر أن أبي لم يظهر صدمته حينها واستوعب الموضوع بدعوى أنه متعلمٌ ومثقف. قال لي حينها أنه بما أن لمشكلتي علاج فلم لا نعالجها، فأخبرته بأن العلاج هو من خلال عمليات التصحيح الجنسي. هنا بدأت رحلتي نحو عمليات التصحيح. فقد أراد أبي التحقق من المعلومات التي أخبرته به فذهبنا لطبيب متخصص وتحدثنا معه مطولًا وأكد لأبي كلامي وأخذنا تقريرًا طبيًا بذلك.

عندما صارحت أبي وأمي وأخواتي بوضعي بدأت أتنفس الصعداء وأشعر أن هناك حملًا ثقيلًا أزيل عن كاهلي. صرت أختار لبسي الرجولي بعناية فائقة ولا أحد يستنكر ذلك منهم. شيئًا فشيئًا بدأوا باستيعابي. كان التقرير الطبي وحده لربما كافيًا لأنال وأخيرًا بعض حقوقي بالمظهر واللباس. وبدأت أفكر: من أين سأبدأ؟ من تغيير الإسم مثلاً؟ إلا أن علامات القلق والتوتر والخوف بدأت تظهر على أبي بعد فترة قليلة فقط لسبب واحد وهو كيف سيواجه الأقارب والناس والبلدة بهذا الخبر، وكان خوفه الأكبر أننا سنصبح قصة يتهامسها القريب والبعيد حتى أنه صار يتمنى الموت كلما تخيل ذلك الموقف. أثّر ذلك على علاقته بي وأذكر أنه تمنى موتي أيضًا، أو أن أبتعد بعيدًا عنه وعن البلدة ولا يراني، كلّ ذلك فقط لتحرّجه من كلام الناس! دارت حوارات كثيرة بيني وبينه وعشت أيامًا عصيبة إلى أن اتخذت قرارًا جريئًا بأن أخرج من البيت ولا أعود إلا بعد العلاج واستكمال عبوري. كان هذا هو الحل الوحيد، خاصة أن أبي قد طلب مني في مرة أن أعيش كرجل بعيدًا عن قريتنا حتى لا أسبب له الإحراج.

 

كيف أصبحت رجلاً؟

مع ولادتي الجديدة أسميت نفسي آدم، وانتقلت إلى عالم الرجال. 

بدأت بأول خطوة سنة 2017 حيث استأجرت غرفة وتعرفت على شابين عابرين آخرين ساعدني والد أحدهما بالعثور على عمل في مطعم بصفتي رجلاً. كان شعوري رائعًا بأن أتصرف على حقيقتي وأن يتعامل الناس معي كرجل. اكتشفت في هذه المرحلة أن الرجولة تعني أكثر من أن يكون لي جسدٌ ذكوري، وأن علي أن أتعلم كيف أقدم نفسي وكيف أتصرف كرجل يتقبله المجتمع. بدا الأمر حقيقةً ألمسها على أرض الواقع ولم يكن شيئًا سهلًا لي في هذه المرحلة، حيث بدأت أتعرف على الفوارق بين مجتمع الرجال والنساء بعد أن عشت في مجتمع نسائي طيلة 26 سنة. بعد كل هذا العمر بدأت أختبر الحياة كرجل.

كان عملي في المطعم نقلة هائلة من عالم الفتيات المتحفّظ إلى بيئة الشارع والسوق والشبان الذين لم يتم أغلبهم دراسته الجامعية حتى. كانت هناك بالنسبة لي نقلة بين عالم النساء غير المختلط لعالم الرجال، عمرٌ كاملٌ لم يكن سهلًا أن أتجاوزه بسرعة بكل الاختلافات الشاسعة بين العالمين.

كان صاحب المطعم يمتلك فكرةً عامة عن أمري، خاصّةً وأني كنت مضطرًا لإعطائه صورة عن بطاقتي الشخصية، لكنه كان لطيفًا ولم يهتم لأكثر من قدرتي على أداء وظيفتي.أتذكر كيف كنت هادئًا في عملي بمعنى أنني لم أعرف كيف أتعرف وأختلط بسهولة مع زملائي الموظفين، حتى أنني كنت حساسًا نوعا ما بحيث لا أسمح لأحد بأن يمزح معي مزاحًا ثقيلًا أو يتدخل بشأنٍ يخصني. كنت في معظم الصدامات والخلافات أنفعل بطريقة توحي لمن أمامي بأني لست سهلًا أبدًا لكيلا أفتح المجال لأحدهم بالنزاع معي مرة أخرى. لكنني في داخلي كنت أشعر بأنني وحيد وإذا ما حصل نزاعٌ فإنه لا يوجد أحدٌ من أقربائي ليقف بجانبي، لذلك كنت أختصر قدر الإمكان الدخول في نزاعات وصدامات وبقيت علاقاتي إلى حد ما محدودة وشبه رسمية.

مع شعوري بالهشاشة كوني كنت وحيدًا ومثقلًا بكل هذا التغيير الهائل، كنت أيضًا قد بدأت أعي أن بعض امتيازات عالم الفتيات الصغيرة السابقة التي كانت تمنح لي قد سحبت مني. فمثلاً، كنت قبل التغيير إذا وقفت في الدور لشراء وجبة من مطعم ما وفيه زبائن شبان، لا يهم أين يكون دوري، كنت أدفع وآخذ وجبتي، وكان ذلك مسموحًا بحكم كوني فتاة، بينما بعد التغيير إذا حاولت أن أمشي خطوة للأمام عن دوري فمن الممكن جدًا أن يتطور الأمر إلى شجارٍ ونزاع! وهكذا الأمر في كل مكان تواجدت فيه أولًا كفتاة ثم كشاب.

كنت قبل التغيير أدخل المولات ومراكز التسوق بسهولة ومع ابتسامة من رجل الأمن، أما بعد التغيير لرجل لا أستطيع دومًا الدخول وحدي بحكم أنه للعائلات، كما أخضع للتفتيش ككل الرجال، وفي بعض الأيام أُمنع من الدخول كما يُمنع غيري من الشباب إلا المرافقين لعائلاتهم أو رفيقاتهم.

قبل التغيير كنت عندما أركب في المواصلات العامة ويستوقفنا رجل الأمن لطلب بطاقات الرجال دون النساء، لم يكن الموضوع يعنيني. أما بعد التغيير فقد صرت أحسب ألف حساب لهذه اللحظة لأن بطاقتي ما تزال تحمل البيانات القديمة وشكلي لا يتفق مع المعلومات الموجودة فيها.

لا مجال لإنكار أن حياتي قد انتقلت لمستوى آخر تمامًا بعد عبوري

كانت إحدى ضرائب الرجولة الأخرى هو اكتشافي أنني لم أعد أستطيع التواصل مع صديقاتي السابقات بنفس الطريقة لأنني أصبحت أحتل موقعًا مختلفًا تمامًا عن موقعي السابق. فبعد عبوري حاولت العديد من بعض صديقات المدرسة التواصل للتحدث معي والاطمئنان على حالتي من خلال الفيسبوك لكنني بعد بضعة أيام استأذنت منهن بعدم التواصل تجنبًا لحدوث أية مشاكل لهن بسبب ذلك. سبّب لي ذلك ألمًا وشعورًا جديدًا بالفقد، فبعد أن ابتعدت عن عائلتي وقريتي اضطررت أن أبتعد عن صديقاتي. بكل تأكيد لو كانت طبيعة مجتمعي والأسر التي فيه تسمح لي بالتواصل معهن، كنت لأحب ذلك بكل رحابة صدر ومحبة خالصة. كنت لأحب أن أجتمع بهن ونتحدث عن ذكرياتنا في المدرسة وأن أوضح لهن كل ما كان يبدر مني من سلوكيات كانت تثير جدلًا وظنونًا عديدةً في وقتها. لكنني صرت في مكان آخر، ولم يعد ذلك واردًا لأنني الآن رجل وهن متزوجات. وطبيعة مجتمعنا لا تسمح بهكذا علاقات.

مع هذا كله لا مجال لإنكار أن حياتي قد انتقلت لمستوى آخر تمامًا بعد عبوري وأنا الآن أكثر سعادة بكل تأكيد.

فبعد إجراء بعض العمليات الجراحية أصبحت متحررًا ومرتاحًا أكثر، وبدأت أرى الامتيازات والمساحات الجديدة التي فتحت أبوابها لي على مصراعيها. سجلت في نادٍ رياضي لزيادة وتكبير عضلاتي، الأمر الذي لم يكن واردًا أو مقبولًا عندما كنت فتاة. صرت أستشعر سماح المجتمع لي بالوجود في المساحات العامة والتعبير عن جسدي بطرق جديدة، فبدأت أعيش من خلاله تجاربًا أخرى حررتني من قفص توقعات المجتمع وقيوده التي كانت مفروضة علي: صرت أمارس رياضة السباحة وسياقة الدراجة الهوائية والعديد من الرياضات مانحًا نفسي الكثير مما فاتني. 

أنا آدم، كنت دائمًا هكذا، لم يتغير فيّ إلا مظهري الخارجي -- ومعه تغير كل شيء

ربما تكون حريتي في شراء ولبس الملابس الرجالية وحلاقة شعري من أعظم المزايا التي أتمتع بها الآن. تحمل هذه الحرية معانٍ كثيرةً لي: فبعد أن كنت مضطرًا للبس الحجاب في السابق، وكان علي أن أتصرف كالفتيات بأن أمشي بهدوء، وأن أغطي جسدي، وأن أتحدث بصوتٍ منخفض، اختلف كل شيء اليوم. أرتدي الملابس الرجالية، أسبح عاري الصدر وألبس ما يحلو لي. أمشي واثق الخطوة، وتغيرت قدرتي على التعبير عن شخصيتي وحقيقة مشاعري فأصبحت أقدم نفسي بكل راحة دون تفسير وتأويل. 

هذه كانت تجربتي في العبور إلى الرجولة: أعيش كما أشعر وكما رغبت دائمًا على حقيقتي على الملأ. أنا آدم، كنت دائمًا هكذا، لم يتغير فيّ إلا مظهري الخارجي -- ومعه تغير كل شيء. 

التعليقات

بواسطة ش.حسن (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 26/05/2020 - 23:53

شكرا جزيلا لفريق المنصة الرائع على مشاركتنا مثل هذه النصوص التي تفتح عيوننا على مواضيع العبور وقضايا الجنسانية. قراءة مثل هذه التجارب الشخصية تساعدنا على تلمس الطريق إلى ذواتنا دون خوف؛ سلاحنا المعرفة الصحيحة والثقة في النفس لمواجهة كل ما من شأنه أن يحد من انطلاقنا أو يمنعنا من أن نكون ما نشعر بأننا هو أو هي أو عابر لهما معا متقاطع معهما في انسجام فريد. كل التقدير لكم ولكن جميعا.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.