إمكانياتٌ جذريةٌ لتصوّر الجنس وامتلاكه من خلال البورنوغرافيا

تقارب رولى الصغير المحتوى البورنوغرافي من منظور نسوي، فتضع البورنوغرافيا السائدة تحت المجهر، وتقترح بدائل نسويّة لها وتسلّط الضوء على أهمّيتها وجدواها في إعادة تشكيل نظرتنا إلى أجسادنا ورغباتنا وممارساتنا الجنسية.


*****

 **********

كنتُ مرةً برفقة شاب، وكان ورائي. فجأة، بفُجائية نادرة، ولَجني من الدّبر. فانطلقتُ كالقذيفة خارج السرير: كامل جسدي أُطلق خارج السرير، كامل جسدي رفض قضيبه وانقذف خارجًا وطار نحو الحائط في زاوية الغرفة حيث ضربتُ رأسي بالحائط. لم تسنح لي الفرصة لقول "انتظر، لا تتعجّل، ببطء، دقيقة صمت على دبري المغتال." لا، فقد أمسك بساقيّ وسحَبني نحوه [...] مجدّدًا.

**********

*****

ربما سُمّي العرض ’أوّل مرّة‘ لكونها "مفاجعة" من النوع الذي يُفقِد الشعور بالأمان مع من نقاسِمه/ها السرير، بل أفجع، إذ أنّ عدم موافقة المرأة على هذا الفعل لم يستوقف فاعله الذي عمد إلى تكراره كأنه حقٌّ إلهي. والأحرى أنّ تلك المرّة الأولى كانت الأخيرة، لأنّ ما كُسر من الحميميّة يستحيل جبره، وما جُرح قد لا يندمل. بعيدًا عن هزليّة الموقف كما أدّته الممثلة بلانش غاردين في كوميديّتها القاتمة، هو موقفٌ يُعاد محتواه في ممارساتنا الجنسية، وإن لم يكن بحذافيره، كأنّ طيف عقدٍ اجتماعي صامتٍ يحوم فوق رؤوسنا ويهمس لنا أن نكمل ما شرعنا فيه. في ظلّ غياب دروس الجنسانية والجنس في المدارس، أو وجودها المحافظ والمليء بالمغالطات، ووسط العراقيل المجتمعية التي تمنع إتاحة الجنس وتداوله ممارسةً وموضوعًا، يصعب أن نكوّن أفكارًا واقعيةً وآمنةً عن الحميميّة والجنس، كما يصعب أن نعطي الجنس حجمه الحقيقي في حيواتنا.

كانت صفحة ’أصداء المحاكم‘ في الصحف اليومية التونسية أوّل مكانٍ صادفتُ فيه كطفلةٍ محتوًى بورنوغرافيًا أو إباحيًا، أي مادّةً جنسيةً صريحةً غير علميةٍ أو حيوية. كانت الصفحة تتضمّن بمعظمها أخبار سرقاتٍ واحتيالات، بالإضافة إلى بعض الأخبار عن جرائم الاغتصاب. وفي حين كانت كلّ الجرائم توصف بلغةٍ صحافية وقانونية، كانت جرائم الاغتصاب تُحكى كما لو كان هدفها تشغيل المخيّلة وتحفيز الرغبة بفعل مشهديّتها المليئة شبقًا، لا عنفًا. بإمكاننا التجادل عمّا يشكّل البورنوغرافيا،1 لكن لا يمكنني الجدال مع جسدي. كان هناك خطأٌ ما: لماذا تجاوَب جسدي مع الجريمة المكتوبة كمحتوًى بورنوغرافي، لا كعنف؟ لم أعرف الإجابة حينها، لكنّني اليوم أعرف جزءًا منها. فنحن نختبر العالم من خلال نظرة التحديق الذكورية (male gaze)، أي نعتمد الجنسانية الذكورية كمرجعيةٍ أصليةٍ أو "صحيحةٍ" لما يجب للجنس، الرغبة، الشبق، الجمال، الأجساد وغيرها أن تكون عليه. وتؤثّر هذه النظرة في تقييمنا لأنفسنا وأجسادنا، وفي توقّعاتنا عن الجنس ومنه. ولعلّ المثال الأوضح في هذا الصّدد تسوقه الأفلام الإباحية أو البورنوغرافيا السائدة.

لطالما اهتمّت النسويّات بالبورنوغرافيا كصناعةٍ لناحية حقوق العمل من عُطَلٍ وأجورٍ متساويةٍ بين الممثلين والممثلات وغير ذلك، وكمحتوى من حيث الصُور والقيَم التي تنتجها، وهو (أي المحتوى) ما سأتناوله في هذا المقال، قبل أن أعرّج على البورنوغرافيا السائدة وبدائلها النسوية وجدواها.

مدخل إلى النقاشات النسوية عن البورنوغرافيا 

إنّ هيمنة المعتقدات المحافظة بشأن معيارية الغيرية الجنسية هي من عمر النظام الأبوي. لذلك، واجه قطاع البورنوغرافيا منذ ظهوره اتهاماتٍ بنشر العنف وإذلال النساء والابتعاد عن "السلوك الجنسي السّوي"،2 كما فُتح النقاش بشأن وجود علاقةٍ سببيّةٍ مباشرةٍ بين مشاهدة الأفلام البورنوغرافيّة وممارسة العنف الجنسي. وانقسمَت النسويات إلى فريقَين: مؤيّداتٌ للقطاع ومناهضاتٌ له،3 في ما سمّي بـ"حروب الجنس"،4 وهي نقاشاتٌ نسويةٌ امتدّت من منتصف السبعينات حتى الثمانينات. وفي حين تبنّت النسوية المناهضة للبورنوغرافيا فكرة انتماء الجنس إلى الحيّز الحميم لا العام، وعدم "احتراميّته" كمطلبٍ مشروعٍ بنبرةٍ لا تخلو من التأديب، نشأت الحركة المؤيّدة للجنس (الإيجابية الجنسية) لتدحض الخطاب الأخلاقويّ عنه. وبدلًا من تصويره بطريقةٍ طهرانيةٍ ومعقّمة، هدفت الحركة إلى دَمقرطة الجنس وإتاحته في الحياة وعلى الشاشات. وركّزت الإيجابية الجنسية على التراضي الجنسي كعاملٍ رئيسي في مشروعية أي محتوًى أو ممارسة؛ أي أنها اعتمدَت ببساطةٍ مبدأ التوسيع لا التضييق، من خلال توفير مساحاتٍ آمنةٍ للنقاش ووصولًا إلى المعلومات والمحتوى الجنسي بمختلف أنواعه، بدلًا من مناهضته والمساهمة في الوصم وتقليص إمكانيات المعالجة الجذرية لأسباب الترهيب من الجنس ومشتقاته. ولا شكّ في أن البورنوغرافيا السائدة تنتج بعض القيَم التي تحاربها النسويات، لكنّ محاربة البورنوغرافيا نفسها لا تعالج هذه الإشكاليّات بقدر ما تحدّ من مساحاتٍ تُتيح تبسيط الجنس وتفكيكه.

نظرة التحديق الذكورية

في سلسلة ’طرق الرؤية‘ (Ways of Seeing)،5 تتّبع جون برجر، وهو ناقدٌ فنّي ورسّام وروائي بريطاني، تغيّر معايير الجمال في اللوحات الزيتيّة القديمة في العصر الرومنطيقي، وأصبح عمله عن نظرة التحديق أساسيًا في مجال الدراسات الثقافية والإنتاج الثقافي. ولاحظ برجر أنّ اللوحات االممثّلة لنساءٍ عارياتٍ جالساتٍ أو ممدّداتٍ بأوضاعٍ غير مريحةٍ من أجل إظهار ثنايا أجسادهنّ، كانت تُعتبر الأجمل. أما تلك التي تجلس فيها النساء كما نجلس حين نكون وحدنا على الأريكة والأرض والسرير، أي بوضعٍ مريحٍ غير آبهٍ بالناظر، فكانت تحصد النقد الأكثر لذعًا باعتبارها بشعةً وغير فنية. ويعود ذلك إلى أنّ النساء المرسومات فيها يظهَرن متحدّياتٍ نظرة المتفرّج، أي نظرة التحديق الذكورية. في الواقع، لا يختلف ذلك كثيرًا عن النهج الذي تتبنّاه البورنوغرافيا السائدة، إذ تتبع الكاميرا نقطة نظر الرجال حصرًا. مثلًا، لدى ممارسة الجنس الفموي بين شخصَين ضمن إطار الغيرية الجنسية، سنجد أنّ الكاميرا تلتزم بوجهة نظر الرجل في الحالتين: فسواء كان يتلقّى الممارسة (مصّ القضيب) أو يمارسها على الشريكة (لعق الفرج)، سنرى المشهد من منظوره هو. من الواضح أنّ نقطة النظر الرّجالية هي معيار قياس ما يُعتبر جميلًا أو مثيرًا، كما ننشأ جميعًا بتوجيهٍ تفرضه تلك النظرة في تقييم الجميل والمثير.6 أما إذا كان الفيلم يصوّر ممارسةً جنسيةً بين امرأتَين، فتلتقط الكاميرا زوايا غير مريحةٍ لهما، وتوضع الممثّلتان في أوضاعٍ تناسب معيار الجمال ذاته بحسب نموذج الجنسانية الذكورية – لأنّ الهدف ليس تصوير الجنس بينهما، بل إمتاع المتفرّج المُحتسَب غالبًا رجلًا.

تمثيل الأجساد "الجميلة" والرغبات "السّوية"

لو زرنا إحدى صفحات البورنوغرافيا السائدة، لن نجد سوى الجنس "السّوي" والأجساد "السّوية" و"الجميلة" على الصفحة الرئيسة، بينما يُوضع كلّ ما يخرج عن ذلك من ممارساتٍ وأجسادٍ في لوائح أخرى مخفيةٍ وثانوية. مثلًا، نجد لائحةً بعنوان "النساء السمينات الجميلات"، كأنّ إضافة صفة "جميلات" يجعل اللائحة "ممكّنةً" (empowering) للنساء المعنيّات بها. تدلّ المسلّمة الضمنية لوجود هذه الأجساد في لائحةٍ مستقلّةٍ على أنّ الإعجاب بهنّ والرغبة فيهنّ هي "ذوقٌ خاصٌ" لا ينتمي إلى الصفحة الرئيسة. وعلى هذا المنوال، حين يتحرّش بنا الرجال في الشوارع فنردعهم، يجيبوننا: "لكنّك في كل الأحوال بشعة" أو "سمينة"، كأنّ الشكر والامتنان واجبان علينا لا لتحرّشهم بنا فحسب، بل لتحرّشهم البطولي بنساءٍ لا يناسبنّ الذائقة العامة بل "الذائقة الخاصة" فقط. وإذا أمعنّا في التحليل، وباعتراف هؤلاء المتحرّشين أنفسهم، إعجابهم بنا هو أحد وجوه "الانحراف" طالما أننا لا ننتمي إلى القائمة الأساسية لما يُعدّ مثيرًا. هكذا، تُعامل أجساد العابرين والعابرات، والنساء السّوداوات والملوّنات، وذوي وذوات الإعاقة والقابليّات الجسدية المختلفة، إذ توضّب وتوضع في لوائح مخصّصةٍ لها. غير أنّ هذه اللوائح ليست من أجلنا نحن اللامعياريّات والعابرات، أو النساء السّوداوات والملوّنات، أو ذوات وذوي الإعاقة والقابليات الجسدية المختلفة، بل هي من أجل أولئك الذين لا تُشبع الأجساد "السّوية" أو "النمطية" شبقهم الجنسي بحسب نظرة التحديق الذكورية التي تتعرّض لها أجسادنا على نحوٍ خاص. ليست أجساد الرجال التشريحية أوّل اهتمامات عالمٍ يفترض حتميّة الغيرية الجنسية، فهو يضع الأجساد المؤنّثة تحت المجهر ويعرّضها للنقد والأذى، لا أجساد الرجال الممتثلين جندريًا. وقد تسرّب هذا الذوق إلى رقابتنا الذاتية على أنفسنا: "هل نحن جميلاتٌ بما يكفي لترغَب بنا الذائقة العامة؟" 

إنّ الأجساد الحاضرة في البورنوغرافيا السائدة هي نمطيةٌ في أحسن الأحوال، عمومًا وتفصيلًا. فقد تخضع أجساد الممثلات والممثلين لعمليّات "تجميلٍ" للأعضاء، مثل تكبير حجم القضيب، أو تصغير شفرَي الفرج أو جعلهما متساويَين في الحجم، أو تبييض الفرج باستخدام موادّ كيميائية. هكذا، تنشر هذه الأفلام صورةً نمطيةً عن الأعضاء الجنسية تولّد لدى كثيرٍ من المراهقات والمراهقين خوفًا من أن تكون أعضاؤهن/م غير طبيعية، أو صغيرةٍ للغاية، أو كبيرة، أو مشوّهة، أو ملتويةٍ أو ملوّنة، إلخ. كما أنّ تصوير الأجساد النمطية وتفاصيلها دونًا عن غيرها يرسّخ فكرة أنّها الوحيدة المستحقّة للجنس أو المرغوب فيها، وأنّ جاذبيتنا ستظلّ منقوصةً أو معدومةً ما لم نشبهها. 

سياسات القرف

غالبًا ما يكون الجنس في الأفلام البورنوغرافيّة السائدة خاليًا من "الحوادث"، مثل ردّات الفعل الجسدية على ممارساتٍ معيّنةٍ كالتبرّز اللاإرادي في حالات الجنس الشرجي. فتلك "الحوادث" تُدرج أيضًا في لوائح مخصّصة لها. لكن الجنس الحقيقي خارج التمثيل تتخلّله نوبات ضحكٍ وفترات استراحةٍ وتبرّز... ويبدو الأخير أحد أكبر المخاوف لدى ممارسيه، إذ ينزع النقاء السحري عن الأجساد ولحظات الجماع، كأنّه خطيئةٌ لا تغتفر، لا أمرٌ ممكن الحصول متى أولَجنا شيئًا ما في شرجنا. يندر أن تصوّر البورنوغرافيا الحوادث المحتملة لدى ممارسة الجنس كجزءٍ من طبيعة الأشياء، كأنّ الأجساد طاهرةٌ لا تتعرّق ولا تتغوّط، بل تحيا في عالمٍ موازٍ لعمليّاتنا الحيويّة. فكما نُلقَّن ما الجذّاب وما السّوي، نُلقَن ما "المُقرف"، لا فقط بالنسبة إلى الجنس الشرجي، بل أيضًا بما يتعلّق بأشكال أجسادنا وروائحها. 

تصوير الأجساد النمطية وتفاصيلها دونًا عن غيرها يرسّخ فكرة أنّها الوحيدة المستحقّة للجنس أو المرغوب فيها

في الواقع، ليس منطقيًا ولا صحّيًا أن يعبق الفرجُ برائحة الأزهار. كما أنّ للجسد مساماتٌ تتعرّق، وللأمعاء آليات عملٍ قد تشتغل وفق هواها من غير أن تدلّ على خللٍ في روتيننا الصحّي، بل على اشتغال جسدنا بشكلٍ اعتيادي. ليس أيٌّ من هذا مصدرًا للخزي. لكن إذا ما رأيناه في لائحةٍ سرّية، أو لم نرَه على الإطلاق، يصبح عيبًا، فالمجتمع يطالب بالتستّر على ما هو "مُعيب".

محوريّة القضيب 

كيف نعرف أنّ فيلمًا بورنوغرافيًا غيريًا وصل إلى الختام؟ الأمر بسيط: لحظة يحصل القذف. محوريّة القذف في البورنوغرافيا السائدة ترسّخ متعة الرجال كهدفٍ رئيسٍ للجنس. كما تُعتبر المجامعة ناجحةٌ ومكتملةٌ عندما تشهد قذفًا، بينما يكاد يستحيل أن نرى رجلًا يستمرّ في إمتاع الشريكة بعد بلوغه القذف. كما أنّ الإيلاج يصبح محوريًا لـ"اكتمال" العملية الجنسية، ما يمحو العديد من الممارسات غير الإيلاجية الغيرية منها والمثلية، ويختزل الجنس في مشهديةٍ حيويةٍ منحازةٍ ليس فقط للممارسات الغيرية، بل أيضًا للأجساد ذات القابلية الجسدية النمطية. بفعل ذلك، تترسّخ فكرة أن الجنس بين النساء الممتثِلات جندريًا، أو الجنس باستخدام أطرافٍ وأدواتٍ صناعيةٍ ليس جنسًا، وهي سرديّةٌ توازي اعتبار بعض القوانين أن الاغتصاب محصورٌ بإيلاج القضيب في المهبل غصبًا ولا شيء غير ذلك.  

هل من بديل؟

نحن لا ننتج البورنوغرافيا محليًا، لكنّنا نستهلكها على شاشاتنا ونمثّلها في مخادعنا ونرى أنفسنا في بعض ممثلاتها. بالتالي، على الجنس أن يفقد البعض من تعقيده وغموضه، وأن يأخذ حجمه الطبيعي في عالمنا وحيواتنا بحسب مستويات ارتياحنا معه. 

أولًا، بعيدًا عن شيطنة البورنوغرافيا السائدة، إنّ إدراك نواقص أو إشكاليّات بعض محتوياتها يدعونا إلى اعتبار هذه الأفلام نوعًا من الفانتازيا أو الخيال، كأفلام الحركة (action) التي نستمتع بها عارفاتٍ أنّها غير حقيقية. إنّ شكل أجساد الممثلين والممثلات ليس حقيقيًا، بل يصِلنا كذلك بفعل الإضاءة، وزوايا التصوير، والمقوّيات ومساحيق التجميل. كذلك سيناريوهات الجنس في تلك الأفلام ليست حقيقيةً بل من نسج خيال المخرج. يعني ذلك أن نتفهّم أيضًا، إذا ما استهوتنا مشاهد بورنوغرافيةٌ معينةٌ قد لا تتماشى مع نسويّتنا أو قيَمنا - كالمشاهد العنيفة مثلًا - أنّنا نشاهدها في ظلّ اعترافنا بكونها مجرّد تخيّلاتٍ أو ضروبٍ من الفانتازيا، لا حقيقةً تعبّر عن هوياتنا وميولنا وأسرارًا خطيرةً نخفيها عن الكوكب. عالم البورنوغرافيا هو عالم أفلامٍ بإمكاننا زيارته للاستثارة دون تبِعات، لأنه يوجد في مخيّلاتنا وعلى الشاشة، ولا بأس في ذلك. ينبغي بنا معرفة أنّ هذه الأفلام ليست تصويرًا وفيًا للحقيقة، بل هي خاضعةٌ لِسياسات إنتاجٍ وآليات إخراجٍ وتقنيات تجميل، وتعاني - كما نعاني جميعًا - من التكييف الاجتماعي الأبوي. بذلك، ندرك أنّ أجسادنا على اختلافها جميلةٌ ومرغوبةٌ وجديرةٌ بالحبّ والجنس في ارتباطهما وانفصالهما، وأنّ ممارساتنا سويّةٌ طالما تتمّ بالتّراضي، وأن ليس بمقدور أحدٍ تقرير ماهية الجنس الذي نمارسه، ومدّته، وشكله، ونقاط بدايته ونهايته، وأسبابه، وما إذا كنا نمارسه حبًا، أو فضولًا أو مللًا، إلخ. 

عالم البورنوغرافيا هو عالم أفلامٍ بإمكاننا زيارته للاستثارة دون تبِعات، لأنه يوجد في مخيّلاتنا وعلى الشاشة

ثانيًا، بإمكاننا البحث عن الأفلام التي تحاول سدّ هذه الثغرات متى أدركناها. على سبيل المثال، يتوفّر الإنتاج البورنوغرافي الهاوي7 الذي ينتجه هواةٌ عبر تصوير أفلامٍ جنسيةٍ في ظروفٍ منزليةٍ ثم بيعها للمنصّات الإلكترونية، أو أفلام النساء اللواتي يعرضن أجسادهنّ أمام الكاميرا على المواقع الإلكترونية المخصّصة لذلك. ويشكّل هذا النوع أحد السُبل لتداول صور أجسادٍ مختلفةٍ تشبه جسدي، وجسد الجارة وجسد صاحب الدكان، إذ أنها لا تعود لممثلاتٍ وممثلين. كما نجد أيضًا البورنوغرافيا النسوية8 التي تتحدّى التمثيلات المذكورة أعلاه، فتُبرز التفاوض والتراضي، والبكاء والضحك، وتُبيّن الأجساد باختلافها، كما تصوّر الممارسات الجنسية غير الممتثِلة لسيرورة النظرة، فابتسامة، فسلام، فكلام فقذفٌ للمنيّ، وقد تنتهي دون حصول قذفٍ أو تستمرّ بعده لوقتٍ طويل.

أن نمتلك الجنس محتوىً وممارسةً

شاهدَت صديقتي فيلمًا إباحيًا نسويًا كنتُ دللتها إليه. لم تشعر بالإثارة الجنسية. الفيلم ببساطةٍ يُظهر رجلًا وامرأةً يشرعان في ممارسة الجنس إيلاجًا، فتتألّم المرأة أو يصيبها الملل - لستُ أذكر - وتطلب من الرجل التوقف عن الرّهز فيمتثل، ويتابعان الممارسة دون إيلاج. ينتهي الفيلم دون أن يقذف الرجل، ودون مآسٍ وتشكيكٍ في الحب أو إشعارٍ بالذنب لعدم الوصول إلى النهاية المرجوّة. ظلّ الفيلم يطارد صديقتي كشبح تجربةٍ جنسيةٍ ممكنةٍ لم تعِشها أبدًا، بالرغم من أنها عاشت الملل، والوجع، وانعدام الرغبة وسحب موافقتها الجنسية. عاشت كلّ ذلك دون أن تقدر على الطلب إلى شركائها التوقف. لم تشعر صديقتي بالإثارة إذًا لدى مشاهدتها الفيلم، لكنّها شعرَت بالغدر. قالت إنّها تمنّت لو شاهدت ذلك الفيلم في مراهقتها، إذ كانت حياتها لتختلف جذريًا. لقد نشأنا على استهلاك المواد المرسّخة للقيم الأبوية والنظرة الذكورية للأجساد والممارسات، ومن الصّعب أن نلقّن أنفسنا الاستثارة الجنسية عبر موادّ تخرج عن المألوف و"الجميل". من الصّعب أن نكسر سنينًا من التكييف الاجتماعي التي علّمتنا لمَن ولِما ننجذب، ووسمَت كلّ ذلك بوسم "طبيعة الأشياء"... من الصّعب أن نكسر هذا التكييف، لكن من الضروري أن نفعل ذلك. لو كنا شاهدنا هذا الفيلم منذ سنين، لربّما كنّا قادراتٍ على سحب الموافقة الجنسية في أيّ لحظةٍ من المجامعة. لربّما كنّا سلِمنا، أنا وصديقتي وبلانش غاردين، من بعض التجارب الصّادمة وغير المرغوب بها. ربّما. هو احتمال، لكنّه احتمالٌ جميل.

 

  • 1توجد اختلافاتٌ بين المحتويَين البورنوغرافي والإيروتيكي من حيث اعتماد البورنوغرافيا على المجاهرة والتصريح بالمحتوى الجنسي، مقابل اعتماد الإيروتيكا على التلميح واستكمال المخيلة للمشاهد المواربة. ويساعدنا هذا التصنيف على معرفة محتويات الأفلام مسبقًا، لنقرّر مثلًا ما إذا كنّا الجمهور المناسب لها. عدا ذلك، لا أعتمد هذا التمييز بين النوعَين كحقيقةٍ مطلقة، ذلك أنّ الممارسات والرغبات الجنسية تختلف من شخصٍ إلى آخر وأخرى، ومعها تختلف قابليّاتنا لاستهلاك المحتوى الجنسي من بورنوغرافي أو إيروتيكي أو فنّي بحت.
  • 2تمكن قراءة المزيد في كتاب ريبيكا سوليفان وألان ماكّي بعنوان ’بورنوغرافيا‘ (2015)، إذ يتتبّع تاريخ النقاشات بشأن البورنوغرافيا، من التيارات المحافظة، إلى النسوية المعادية للبورنوغرافيا، وحتى النسوية الكويرية الإيجابية جنسيًا، معتمدًا في ذلك على تجارب العاملات في المجال الجنسي.
  • 3للمزيد من المعلومات عن التيار النسوي المناهض أو المعادي للبورنوغرافيا، يمكن الاطلاع على أعمال كاثرين ماكينون (1993) ونتاج التيار المعاصر المجرّم لزبائن عاملات الجنس.
  • 4للمزيد من المعلومات عن "حروب الجنس"، تمكن مراجعة أعمال جاك هالبرستام (1998) وغايل روبن (1984). تستمر هذه النقاشات إلى اليوم بين تياراتٍ نسويةٍ مختلفة، لاسيما بالنسبة إلى العمل الجنسي. يمكن الاطلاع على بعض النقاشات المعاصرة من خلال حملات منظّمتَي ’أبعاد‘ و’كفى‘ في لبنان والنقد الذي وُجّه لها.
  • 5’طرق الرؤية‘ (Ways of Seeing) هي سلسلة برامج كتبها جون برجر في عام 1972، ثم حوّلها إلى كتابٍ يحمل العنوان نفسه ليكون موجزًا لنظرياته عن الإنتاج الثقافي ونظرة التحديق الذكورية.
  • 6في مثالٍ آخر على تغلغل نظرة التحديق الذكورية فينا، غالبًا ما يتعرّض مزدوجو/ات الميل الجنسي إلى اتهاماتٍ بالكذب، وبأنهم/ن لا ينجذبن فعلًا سوى إلى أشخاصٍ من جندرٍ واحد. يفترض الرأي العام أنّ المرأة مزدوجة الميل الجنسي تميل في الحقيقة إلى الرجال لكنها تستمتع مرحليًا بصحبة النساء، كما يفترض أنّ الرجل مزدوج الميل الجنسي هو مثليّ يتخفّى عبر إقامة العلاقات مع النساء إلى أن يقبل "حقيقته". هذان السيناريوهان يخدمان فكرة أنّ الجميع يرغب في الرجال لأنّهم "سِكسي" جدًا. لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله.
  • 7لا يُعتبر الإنتاج البورنوغرافي الهاوي "صناعةً" كونه ليس محتكرًا من طرف الشركات الكبيرة بل يقدّمه هواةٌ بإمكاناتٍ فردية، كما أنه يعمل على إعادة توزيع الأرباح والعائدات خارج الحلقات التي تهيمن عليها الشركات البورنوغرافيّة السائدة.
  • 8 نظرًا إلى أن البورنوغرافيا النسوية لا تنتجها شركات الإنتاج الكبيرة بل بعض النسويات كأفراد، تظلّ إمكانية الإنتاج الذاتي محكومةً بمحدوديّة الموارد: فمثلما تقبع النساء أسفل الهرميات الاقتصادية من حيث امتلاكهنّ موارد ماديةٍ وثقافيةٍ أقلّ من الرجال، تتّسم صناعتهنّ البورنوغرافية بكونها غير سائدةٍ ومغلقة المصدر، أي تستوجب دفع المال لقاء المشاهدة. للاطلاع على المزيد، تمكن مراجعة الأعمال المكتوبة والمسموعة ل 'هولا أفريكا'، وهي منصةٌ معنيةٌ باستعادة النساء السوداوات أجسادهنّ وجنسانياتهنّ؛ ومشروع 'جسدي يعود لي' المعني ببورنوغرافيا التعافي لاسيما للناجيات من العنف الجنسي؛ والأعمال المجمّعة في 'مذكرات قذرة' لـ12 فنان/ة؛ والأعمال الفردية لمخرجي/ات البورنوغرافيا مثل شاين لويز هوستن (إحدى أهمّ المخرجات)، وسكايلر برايدن فوكس، وهو مخرجٌ عابرٌ جندريًا صوّر تجاربه الجنسية المتعلقة بالعبور بواسطة البورنوغرافيا الوثائقية.

رولى الصغير

رولى الصغير تعمل على قضايا العمل والهجرة والجندر. تحلم بدبلجة برامج الأطفال. تكتب أحيانًا وتعيش في حالة أزمة وجودية دائمة.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.