مخيفات على الشاشة، خائفات خارجها: صورة النساء في أفلام الرعب

ترصد آلاء عبد الوهاب صورة النساء في أفلام الرعب وتتبع سبب تفشيها أنثروبولوجيًا. ربما يتبادر إلى ذهننا سريعًا أنها مزيجٌ من رؤية المخرجين الذكور وإرث محرقة الساحرات ومحاكم التفتيش، لكنّ الأسباب قد تكون أكثر تعقيدًا وقِدمًا من ذلك.

أهلًا بكمنّ في ليلة الأفلام في منزلنا. سنشاهد ثلاثة أفلام رعبٍ عشوائية، إثرها سيغيب عني النوم، ويُهيأ إليّ أن الملابس في غرفتي تتحرّك في الظلام، لكن لا شيء يُوقف رغبتي في عيش حالة خوفٍ مُدبرةٍ وآمنة.

بعد انتهاء الماراثون السينمائي، كان المفزع بحقٍّ أن شخصيات النساء في الأفلام الثلاثة مُكرّرة، فهنّ من يُثرن الرعب في نفوس المشاهدين/ات. إحداهنّ روح شريرة متنكرة في هيئة مريم العذراء تخدم الشيطان،1 والأخرى سيدة اختارها إبليس لتكون خليلته،2 والأخيرة مشعوذة تنشر الفوضى عبر تقديم قرابين للشيطان.3 فكرتُ، وأنا مازلت قلقة بسبب دمّي المُشبّع بالأدرينالين، أنها ليست صدفة. حاولتُ تذكّر كلّ الشخصيات المُرعبة والشّريرة في أفلام الرعب التي شاهدتها سابقًا، فاهتديتُ إلى أنها جميعًا شخصيّات نسائيّة.

أغرَتني الملاحظة بمزيدٍ من البحث والتعمّق، فشاهدتُ خمسةً وثلاثين فيلم رعب: عشرون فيلمًا عربيًا،4 واثنَا عشر فيلمًا أجنبيًا5 وأربعة مسلسلات تلفزيونية عربية.6 وجدتُ أن جميعها رغم اختلاف الحبكات وتنوعها، احتوى على واحدة أو أكثر من أربع شخصيات أنثوية مُخيفة: فهي إمّا "ملبوسة" يسكن جسدَها كائنٌ شرير، أو "مطارَدة" من قوى الشر، أو هي "الروح الشريرة" أو "وسيطة" بين العالمَين تنقل رغبات سكان العالم الآخر إلى عالمنا. لكن في جميع الأحوال، هي من تتلوّى وتصرخ وترتفع عن الأرض تحت سيطرة قوة خارجية غامضة، تحدّق بنا عبر الشاشة وهي غاضبةٌ وهيستريةٌ ومخيفة، بعكس أدوار الذكور البعيدة عن التعامل الشخصي المباشر مع القوى الشريرة.

سأحاول في هذا المقال رصد صورة النساء في أفلام الرعب وتتبّع سبب تفشيها أنثروبولوجيًا. ربما يتبادر إلى ذهننا سريعًا أنها مزيجٌ من رؤية المخرجين الذكور وإرث محرقة الساحرات ومحاكم التفتيش، لكنّ الأسباب قد تكون أكثر تعقيدًا وقِدمًا من ذلك.

 

جَسدُها الوعاءُ الأفضل

ترتفع عن الأرض، تتخطّى حدود الجاذبية والمعرفة البشرية القاصرة، تعرف الماضي وتتنبّأ بالمستقبل. إنها فريدة، بطلة فيلم "الفيل الأزرق - الجزء الثاني". تلبّسَت الروح الشريرة جسدَها عبر المرآة المسحورة فقتلَت ابنتها وزوجها، لكنها قبل اللعنة، كانت امرأة نرجسية ترى نفسها أفضل من الجميع، وتريد الفوز بكل شيء. لذلك، بحسب الذهنيّة السائدة، هي تستحقّ أن تحلّ بها لعنات الأرض والسماء. 

 

 

أن تكون/ي ملبوسةً يعني أنّك لا تعينَ ما تفعلين. يغيبُ عقلُك وتصبحين في عداد الموتى رغم أن قلبك ينبض، قد تؤذين الآخرين وقد تؤذين نفسك مثلما تفعل أم شوق حين تصدم رأسها بالحائط مراتٍ عديدة في فيلم "الشوق"، إذ يحاول الجنّي في داخلها مساعدتها لتخطّي الأحداث الصعبة التي تعيشها، فيُجبر المُحيطين بها على الإنصات لها واتّباع أوامرها عبر ابتزازهم عاطفيًا.

يندر أن تُظهر الشاشة أجساد ذكورٍ تلبّسها الجنّ، ومن بين كلّ الأفلام التي شاهدتُها ظهرَت هذه الأجساد في ثلاثة أفلام فقط. هذا الأمرُ ليس بجديد، إذ يعود اقتصار حيازة الأرواح الشريرة على أجساد النساء، إلى فنون التراجيديا والدراما7 خلال القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا. أعتقد أنّ كثرة ظهورنا على الشاشة ككائناتٍ مسلوبات العقل والإرادة لا يؤكّد فكرة امتلاك الآخرين لنا بقدر خوفهم منّا ومن عقولنا. فبحسب الاعتقاد اليوناني8 القديم، ثمّة فراغ في عقل الأنثى داخله شر وظلام يسهل معه التلبّس والاستحواذ الشيطاني.

كما أن تغيّر جسد المرأة الطبيعي فسيولوجيًا، كتضخّم الثديَين، واتساع الفرج واختلاف ألوان ما ينضح به، تعدّه ثقافاتٌ عديدة كالفلكلور الأوروبي، تلاعبًا يضع الأنثى في ورطةٍ حقيقية، فهو سبب كافي لاتهامها بالشعوذة والشّر، ودليلٌ وافي لسيطرة الأرواح الشريرة عليها.9

 

 

لكن في السينما، لا يكون سبب الاستحواذ أسطورة أو لعنة عشوائية، فالقوة الخارقة الشريرة أيًا كان نوعها تختار مُتعمّدة جسد الأنثى. أحيانًا، قد يبدو الأمر مصادفة، لكن نحن المشاهدات/ين ندرك بشكلٍ ضمني من خلال حبكة الفيلم، أن التلبّس هو عقابٌ للأنثى على مخالفتها القواعد.

يُبيّن فيلم "الصّلب" (The Crucifixion) هذا الأمر بوضوح، إذ تظهر آدالينا راهبةً محمولةً فوق الصليب في خلال طقوس تطهيرها وتخليصها من الشيطان الذي تلبّسها بعد أن شعرَت بالعار وطلبَت المغفرة لأنّها استسلَمت لغرائزها ومارسَت الجنس مع من تحب.

يُرسّخ الفيلم مفهوم الدنس وعلاقته بالعقاب في حياة النساء ليس فقط عبر الإثم الديني، بل يضيفُ إليه ضريبةً أخرى هي مسّ الشيطان، أو أقلّه الخوف من حدوثه. وحين نتحدث عن مسبّبات الدنس دينيًا، لا نشير فقط إلى الجنس خارج الزواج، بل حتى إمتاع الذات والنظر إلى الجسد العاري.

 

 

لا تتوانى الأفلام والمسلسلات التلفزيونية عن التركيز على طقس إخراج الروح الشريرة من الجسد، وهو فعلٌ يشير دومًا إلى الهيمنة، والتطهير والترويض. يضع رجل الدين يده على ناصية الرأس للسيطرة على الجسد الملبوس. يتبادر إلى ذهني "ناصيتي بيدِك"، أحد الأذكار اليومية الذي يُقال للحماية وإزالة الهمّ والحزن. تعبّر كلمات هذا الذِكر عن الاستسلام والخضوع لمن يُمسك بالناصية وهو الله، لكن في واقع الأمر، الشيوخ أو الكهنة هم من يمسكون بهذه الناصية ويعتبرون أنفسهم وُسطاء بين النّاس وربّهم.

لا تقتصر طقوس التطهير وإخراج الجنّ والأرواح الشّريرة على الإمساك بناصية أحدهم والتمتمة وتلاوة القرآن فحسب، بل قد يصل الأمر حدّ إقدام بعض الشيوخ على اغتصاب نساءٍ كثيراتٍ بتعلّة استخراج الجنّ منهنّ.

 

جاهلاتٌ يطلبن العافية عبر الجَدل

تلتفّ السيدات حول مقامٍ مُستحدث، يتدافعن ويرقصن بقوة. تتقدّم قائدةُ الزار جموعَ النساء حاملةً في يدها دجاجةً لا تلبث أن تذبحها وتُسيل دمها على رأس المرأة المُراد شفاؤها. يكاد لا يخلو أيّ فيلم عربي من هذا المشهد، يتبعه توبيخٌ من ذكور العائلة ذوي العقل السديد للمرأة التي طلبت الشفاء والسكينة عبر هذا الطقس، بعكس أفلام الرعب الغربية التي يندر فيها تعالي الذكور على الإناث في مسألة الإيمان بالغيبيّات.

 

 

المرأة هي مَن تتعذّب ويستحوذ كائنٌ ما على جسدها، فيتأفّف الذكور من محاولات تعافيها وإن كانت محاولاتٍ غير منطقية. لكن المحزن أن تصوِّر السينما انضمامَ بعض النساء إلى الذكور في التعالي المعرفي، حتى في سينما الرعب الحديثة التي قد تحتوي شخصياتٍ نسائية قوية، كالفيلم التونسي "دشرة"، الذي تُحمّل إحدى بطلاته النساءَ مسؤولية انتشار الجهل واختطاف السحرة للأطفال لاستخراج الكنوز.

 

هي تغوي سكان الأرض ومن تحتها

في السينما كما في الحياة، تحمل النساء أوزارًا عديدة غير الجهل، لكن أكثرها رعبًا هو زواج الإنسية من الجنّي، وهي الحبكة الرابحة في أفلام الرعب، حيث تجتمع الرومانسية المخيفة والمستحيلة مع الذكورية المحبّبة لدى المجتمع. لذلك، كانت تلك الأفلام وبالًا يقع على رأسي ورؤوس زميلاتي في المدرسة.

تُرهبنا المدرّسات والأمهات ليس فقط من ذكور العالم الخارجي بل العالم السفلي أيضًا. فذكور الجنّ يروننا في حين  لا نراهم، وربما تفتنهم أجسادنا ويتقاسمون ملكيّتها مع أُسرنا رغمًا عنّا أيضًا إن أرادوا ذلك. في مسلسل "أبواب الخوف" (حلقة الجاثوم) يُحبّ جنّي فتاةً ويخبرها المشعوذ أنها السبب في وقوع الكارثة، إذ لم تصدّه في منامها بل أتمّت حُلمًا جنسيًا أسفر عنه حملٌ لجنينٍ غريبٍ يسمع الطبيبُ نبض قلبه لكن لا يراه على جهاز السونار.

في السينما كما في الحياة، تحمل النساء أوزارًا عديدة غير الجهل، لكن أكثرها رعبًا هو زواج الإنسية من الجنّي، وهي الحبكة الرابحة في أفلام الرعب

قبل صدور المسلسل بسنوات عديدة، تناقلنا أنا وزميلاتي في المدرسة عشرات القصص المشابهة لتلك الحلقة، في نتيجةٍ حتميةٍ للخرافات المتوارثة كشيوع خطف الجنّ للحسناوات عند الأقدمين10 وإخفائهنّ بعيدًا عن أُسرهن. فيلم "الإنس والجن" الذي كنا نعتبره أشهر فيلم رعبٍ في طفولتنا ومراهقتنا، أنشأ داخل عقلي أصنامًا من الخوف. أرتعب من أن يراني جنّي وأنا أستحم. أقلق من تأخّر دورتي الشهرية فأكون حاملًا من عفريتٍ ما. كنت حتى سنواتٍ قليلةٍ أخشى النظر إلى جسدي العاري في المرآة رغم أني لم أعد أؤمن بوجود الجنّ والعفاريت. لكن رماد خوفي بقي يُقلق راحتي وسكينة جسدي، لاسيما أني سأكون السبب وسيعرف الجميع بما حلمتُ - مثل بطلة المسلسل - وكيف أغويتُ كائنًا سُفليًا!

لا تحاول الدراما والسينما تغيير الواقع بل تدعمه، فتصبح النساءُ السببَ في جرائم العنف الجنسي الخيالية، حتى وإن كان الجاني قادمًا من أبعادٍ ثلاثةٍ هي بُعد السينما، وعالم النوم والعالم الآخر.

لنفترض الآن أن المُستحيل تم، فأنجبَت الأنثى الوليد/ةَ الهجين/ة، ما سيكون مصيره/ا؟ وإلى أيّ عالمٍ ينتمي؟ هذه قصة فيلم رعبٍ آخر.

 

الأمومة سلطةٌ مطلقةٌ على الأرواح والأجساد

تتخذ سينما الرعب من الأمومة موضوعًا مُعتادًا قد يراه البعض مبتذلًا لانتشاره، لكنه يمتلئ بالتعقيد. فالخوف ليس فقط من الأم وحبّها الذي قد يكون قاتلًا، بل من قوتها التوليدية11 صاحبة الإنشاء والخلق، وما يتبعه من جديدٍ مجهول. في الفيلم الإماراتي "جن"ّ، تنجب الأم الجنيّة من ذكر إنسيّ طفلًا له صفاتُ والدَيه، لكن والده يُبعده عنها فتظلّ تراقبه وتحاول استدراجه إلى وطنها مُجددًا.

تظهر الأم هنا كهويةٍ منسيّة، فابنها نصف جيناته تنتمي لمجتمعٍ آخر غير الذي يعيش فيه، وبالطبع نسله من بعده، لذا هي تهديدٌ بعودة الهوية القديمة الأجنبية واستمرارها. يُظهرها الفيلم امرأةً مُسيطرةً ليس فقط بقوتها الخارقة للطبيعة البشرية، بل بقوتها المعتادة لدى الأمهات جميعًا، أي سلطتها على طفلها عبر صوتها الداخلي الذي هو جزءٌ من نفس الطفل، لا يغيّبه عنه افتراقُهما بل ربما يقرّبه أكثر. 

لا نجاة هنا للابن الهجين وعائلته الجديدة سوى بطمس الهوية القديمة وإنكاره للأم وسلطتها. هذه الحرب البدائية بين الذات والأم تجعل الفيلم مرعبًا، لا طبيعة الأم فقط.

بعكس ذلك، في فيلم "الشعوذة" (The Conjuring)، قوة الأم ليسَت في الخلق وتحديد الهوية، بل في الموت ومحو الذات وما يقترن بها من هويةٍ وكينونة. الأم هنا أصيبت بلعنةٍ أطلقَتها في المنزل صاحبتُه السابقة عبر قتل أطفالها ثم الانتحار، لذا سيكون تكرار اللعنة محتومًا، لارتباطه بوجودٍ شيطانيّ وموتٍ وحشيّ. لكن سَتُكسر اللعنة حين تتواصل الأم مع ذاتها وحبّها لأطفالها، متفوقةً بذلك على اللعنة والسحر.

يُعيد الفيلم الاحتفاء بصورة الأمّ النمطية التي ينبع حبّها لأطفالها فطريًا وقويًا. لكن رغم ذلك، ثمة فخ للمشاهدين والمشاهدات، فقوّة حب الأم المُنجية التي يزعم الفن وجودها لدى النساء، ستختفي سريعًا إن كانت الأنثى مُسنّة.

 

عليكمن الخوف من النساء المُسنّات

بعكس ظهور الرجال المسنّين الذين يرمزون للحكمة والخير في الأفلام والدراما، تبدو النساء المُسنّات12 وقودًا لحكاياتٍ مُخيفةٍ في الفن، وقبله في المجتمع، بعد أن كنّ المداويات والربّات. في المجتمعات القبليّة في الهند والصين وجنوب شرق آسيا،13 يُقال "امرأةٌ بعمر المئة هي شيطان، رجلٌ بعمر المئة هو بوذا".

في فيلمَي "اسحَبني إلى الجحيم" (Drag Me to Hell) و"قبل الأربعين"، كما في مسلسل "أبواب الخوف" (حلقة سيدة المسيح)، تظهر النساء المُسنّات عارفاتٍ ببواطن الأمور وفاعلاتٍ في أقدارهنّ وأقدار من حولهنّ، فيَنتقمن ممّن تسبّب بالأذى لهنّ أو لعائلاتهنّ. يُثرن في النفوس شعورًا غريبًا بالطمأنينة وعدم الارتياح في آن، فهذه السيدة رغم نظراتها المُخيفة، تقترن في وعينا بذكرى جدّاتنا بشكلٍ ما، إلى أن تبدأ بسرد التعاويذ واللّعنات والقصاص.

بعكس ظهور الرجال المسنّين الذين يرمزون للحكمة والخير في الأفلام والدراما، تبدو النساء المُسنّات وقودًا لحكاياتٍ مُخيفةٍ في الفن، وقبله في المجتمع

رغم ذلك، لا توضح الحبكة على الشاشة السبب الفعلي الذي يضع النساء المُسنّات تحديدًا في أدوار الرعب، كأنهنّ عِشن ماضيًا عنيفًا راكم لديهنّ الخبرات وطوّرن خلاله آلياتٍ دفاعية. ربما جاءت صورة النساء المُسنّات في أفلام الرعب من هذه النظرية، لكنّ سردها قد لا يكون مُسليًا وسيفتح بابًا للحديث عن العنصرية والعنف المجتمعي في أفلامٍ لا يراد بها طرح مشكلاتٍ كبرى وحساسة. على سبيل المثال، اعتاد المستعمِرون البرتغاليّون الخوف والقلق من خطورة نساء البرازيل المسنّات السوداوات، فهنّ الجيل الأول من اليد العاملة القادمة من أفريقيا، اختبرنَ الكثير في حيواتهنّ وأضحينَ خبيراتٍ في السموم والأعشاب، ما يعني أن بإمكانهنّ تعليم من حولهنّ كيفية إيذاء أسيادهم.

لكن لمعرفة كيف بدأَت صورة المرأة في أفلام الرعب، علينا أن نعود إلى صورة المرأة في عالم الميثولوجيا والأساطير، واستكشاف ما تسبّب في مطاردة النساء واتهامهنّ بالشعوذة في الأساس. فلنعُد إلى بداية كل شيء، إلى الأنثى الأولى، حوّاء، ليليث.

 

 

جذور الصورة المُرعبة

 في الميثولوجيا العبرية، ظهرَت ليليث زوجةً أولى لآدم، لكنهما لم يتفقا. فقد رفضَت ليليث أن يكون لآدم سلطةً عليها وتعجّبت من رغبته في ذلك، فهما مخلوقان من التراب ذاته، كما أبَت أن يعتليها وتكون هي أسفل منه.14

وحين حاول آدم أن يفرض عليها ما يريد بالقوة، لفظَت اسم الله السحري المحجوب، وطارت هربًا من جنة عدن إلى ساحل البحر الأحمر وعاشت الحياة التي تريد. اشتكى آدم إلى الله ليساعده، فأرسل ملائكته ليعيدوها أو يقتلوها إن رفضَت، لكنها أقنعتهم أن حياتها مهمة، فالله قد أوكل إليها رعاية الرضّع. وافق الملائكة على تركها شرط أن تحصّن بأساميهم تمائمَ الرضّع، وأن يموت من أبنائها مائةُ طفلٍ شيطان.

نعم، في هذا الجزء من القصة، تحوّلت ليليث إلى شيطانة، وتبدّل حالها من الجمال إلى القبح، فصارت قرينة إبليس، وملكة العالم السفلي، والحيّة التي التفّت حول شجرة المعرفة في جنة عدن وناولَت حوّاء الثمرة، متسبّبةً في طردها وآدم  إلى الأرض.15

بمرور الزمن، انتشرَت حكاية ليليث في ثقافاتٍ عدةٍ وبأسماء مختلفة،16 فهي عربيًا الشيطانة السقوية، وإغريقيًا لاميا، وليليث ذاتها في التلمود البابلي، حتى أنّ ثمة طاسةٌ مخصّصةٌ للحماية من شرّها في بلاد الرافدَين تُسمّى طاسة فخّ الشيطان.

لم تكن ليليث مجرد امرأةٍ تهدّد قوامة الرجل عبر رفضها الخضوع له، بل كانت تكسر المنظومة التقليدية للأسرة التي يكون فيها الرجل مسيطرًا

خلط التلمود17 بين اسمها ولفظ ليله الذي يعني الليل بالعبرية، فأصبحَت شيطانةً ليليةً تظهر في أحلام الرجال وتغويهم لتسرق منيّهم، أو تتتبّعهم إثر معاشرتهم زوجاتهم كي تخلق جيشًا من الشياطين، كأنما في محاولةٍ لكسر لعنة موت مئةٍ من أطفالها.

أعتقد أنّ أسطورة ليليث هي أصلُ حبكة موت الطفل وتحوّل الأمّ إلى روحٍ شريرةٍ إثر فقدانه، أو خطف الطفل نصف البشري من أمّه الجنية، مثل أسطورة أم الدويس التي ظهرَت في فيلم جنّ الإماراتي كما ذكرنا سابقًا.

لم تكن ليليث مجرد امرأةٍ تهدّد قوامة الرجل عبر رفضها الخضوع له، بل كانت تكسر المنظومة التقليدية للأسرة التي يكون فيها الرجل مسيطرًا، فتسرق فحولته وسلالته وقوته.

ولعلّ أسطورتها عزّزت فكرة أنّ المرأة التي تدافع عن حقوقها شيطانةٌ تستأهل العقاب، لاسيما إذا ما حاولَت العيش عكس قوانين المنظومة. ففي فيلم الإنس والجن، تعود يسرا إلى وطنها بعد العيش وحدها خارج البلاد وحصولها على درجة الدكتوراه، لكن عاشقها الجنّي يظهر لها في الطائرة حتى قبل أن تطأ قدماها الأرض، ويبدأ بتعذيبها عبر محاولة انتزاعها من مجتمعها ونفيها إلى عالمٍ آخر.

أما حوّاء، فهي من زيّنت لآدم الأكل من الشجرة - في الموروث الإسلامي - بعد أن وسوَس18 لها الشيطان عبر الحيّة، وهي زوجته مستقبلًا، ما يفسّر اقتران المرأة بالحيّة والشرّ. وبما أنّ إرث الخطيئة هو العقاب والألم، ترى المخيّلة الشعبية الأبوية أنّ القصاصَ سيبقى19 كامنًا في النساء20 أبد الدهر، كأنّ ثغرة وراثية باقيةً من ليليث أو حوّاء تنتقلُ عبر الأجيال، يمكن للروح الشّريرة تفعيلها والنفاذ إلينا عبرها لتستحوذ على أجسادنا.

 

خوفٌ من الانتقام المُتخيّل

ما يجعل صورة الأنثى الشّريرة والمُستحوذة والمُعنّفة تتكرّر في صناعة السينما والدراما على مدى عقود، هو تواطؤ الجمهور المتفرّج مع إيذاء النساء، فهو من يزيد استهلاك المحتوى ويشجع العاملين في القطاع على إنتاجه. على سبيل المثال، كان مخرج أفلام الرعب والإثارة النفسية الشهير ألفريد هتشكوك (Alfred Hitchcock) يؤمن بنصيحة الكاتب المسرحي فكتوريان ساردو (Victorien Sardou) بأنّ تعذيب النساء هو الطريقة الأفضل لخلق عملٍ فنيّ جيد.21 صانعو المحتوى يدركون ما يستمتع به الجمهور ويُقبل عليه، حتى أن جزءًا ليس بقليلٍ يُثار جنسيًا أمام هذا النوع من الحبكات.

يشير الإقبال على أفلام الرعب والصورة النمطية للنساء فيها إلى أن الوعي الجَمعيّ يدرك شيئًا يخشى الإقرار به، هو أن قصص النساء مخيفةٌ بالفعل

تُشير إحدى الدراسات 22 إلى أنّ أجساد النساء في أفلام الرعب تُجسّد الخوف والمتعة معًا، وتستحضر انفعالاتٍ تماثل انفعالاتِ اختبار النشوة القوية في الأفلام الإباحية، ما يثير الذكور غالبًا بحكم العادة حين يشاهدون التأوّهات، والصرخات، وانحراف العينَين وباقي الحركات غير الإرادية للجسد المُرتعِب.

يشير الإقبال على أفلام الرعب والصورة النمطية للنساء فيها إلى أن الوعي الجَمعيّ يدرك شيئًا يخشى الإقرار به، هو أن قصص النساء مخيفةٌ بالفعل. فالغضب المتراكم داخلهنّ عبر الأجيال والقرون، يجعلهنّ خطيرات. وما قد يصدر عنهنّ في عالمٍ آخر، لن ينصاع لقوانين الأبوية وسلطتها، وسيكون ذلك التمرّد مُبررًا وصادقًا ومُدمرًا، إذا ما علمنا أن جدّ الطفلة شيراز في مسلسل "ما وراء الطبيعة"، حبَسها في قبوٍ منذ ولادتها وتركها تحترق وحيدةً لأنّها وُلدت خارج إطار الزواج. يدفع هذا كلّ من تسبّب بأذًى مشابهٍ إلى التساؤل عن موقع القصاص العادل في المنظومة، والخشية من تبِعات غيابه، وهنا تكمن قوة أفلام الرعب وتأثيرها في الناس.

يدرك المُشاهد/ة ضمنيًا أن الصراع في تلك الأعمال ليس بين الضدّين، أي جنس الجنّ والأشباح والجنس البشري، بل بين الأنثى وواقعها وحياتها من جهة، والمنظومة المُجتمعية القمعية وحُرّاسها من جهةٍ أخرى.

نرى في أفلام الرعب حفيدات ليليث مجددًا: صوتٌ عالٍ، وشعرٌ يتطاير في الهواء وبسالةٌ واضحةٌ تكون بلا منطقٍ في البداية، لكن حين نرتّب قطع الأحجية، ندرك سبب ظهور الشّر وعيشهنّ الرعب منهنّ وحولهنّ.

يتبادر إلى ذهني أنّ جميع الأفلام وحكاياتها المرعبة، هي قصةٌ واحدةٌ طويلةٌ عن امرأةٍ ترفض الخضوع، فيُشيطِنها مَن حولها وينشرون عنها الأساطير، حتى يضيع الخط الفاصل بين الخيال والواقع.

تُرى كم ليليث أعرفها الآن تصلح لتكون الشّريرة في فيلم رعب، فتأكل أبطال الفيلم خلف الشاشة وأمامها أيضًا؟

 

 

  • 1 فيلم "The Unholy"، صدر عام 2021.
  • 2 فيلم "الحارث"، صدر عام 2020.
  • 3 فيلم "The Conjuring: The Devil Made Me Do It"، صدر عام 2021.
  • 4قائمة الأفلام العربية: البيت الملعون / سفير جهنم / الفيل الأزرق 1 و2 / الإنس والجن / التعويذة / الكابوس / قنديشة / جن / البارون/ الحارث / دشرة / أحلام حقيقية / الاعتراف الأخير/ الدساس/ عاد لينتقم / بيت ست / سيدة البحر/ قبل الأربعين / الشوق.
  • 5قائمة بالأفلام الأجنبية: The Unholy / The Nun / The Conjuring / The Conjuring: The Devil Made Me Do It / The Grudge / The Ring / The Exorcist III / Drag Me to Hell / The Snare / The Crucifixion/ Mama / The Last Exorcism-2010
  • 6قائمة بالمسلسلات التلفزيونية العربية: بيت المغتربات / أبواب الخوف / ما وراء الطبيعة / جمال الحريم.
  • 7إفريل كاميرون، إميلي كوهرت، صورة المرأة في العصور القديمة، ترجمة أمل رواش، الطبعة الأولى، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2016، ص 42.
  • 8إفريل كاميرون، إميلي كوهرت، صورة المرأة في العصور القديمة، ترجمة أمل رواش، الطبعة الأولى، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2016، ص 19، 25، 26، 104.
  • 9Martha Few, Women Who Live Evil Lives, 1st Edition, USA, University of Texas Press, 2002, pages 48- 52.
  • 10خورخي ل. بورخيس، مرغريتا غيريرو، ألبرتو مانغويل، كتاب المخلوقات الوهمية، ضيفًا على بورخيس، ترجمة بسام حجار، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2006، ص 32-34.
  • 11 Barbara Creed, The Monstrous-Feminine: Film, Feminism, Psychoanalysis, 1st Edition, USA and Canada, Routledge, 1993, Part I: Faces of the Monstrous Feminine: Abjection and the Maternal, Chapter 2: Horror and the Archaic Mother: Alien, Part II: Medusa’s Head: Psychoanalytic Theory and the Femme Castatrice, Chapter 10: The Castrating Mother: Psycho.
  • 12المصدر العاشر ذاته، ص 74-75.
  • 13 Dev Nathan, Govind Kelkar and Yu Xiaogang, “Women as Witches and Keepers of Demons: Cross-Cultural Analysis of Struggles to Change Gender Relations”, Economic and Political Weekly, Vol. 33, No. 44, October 31, 1998, pages 62, 65-66.
  • 14Enid Dame, Editor, Henry Wenkart, Lilly Rivlin, Which Lilith?: Feminist Writers Re-Create the World's First Woman, 1st Edition, USA, Rowman & Littlefield Puplishers, Inc, 1994, pp 5-8.
  • 15المصدر السابق ذاته، ص 8، 9.
  • 16صلاح رشيد الصالحي، الإلهة ليليث ملكة الليل، الطبعة الأولى، بغداد، بيت الحكمة، 2013، ص 87-89، 92، 94.
  • 17المصدر الأول، ص 10، 11، 18، 19، 20.
  • 18محمد عجينة، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها، الطبعة الأولى، لبنان، دار الفارابي، 1994، ص 319-320.
  • 19أبو الشيخ الأصبهاني، كتاب العظمة، لبنان، دار الكتب العلمية، 1993، ص 385.
  • 20مسلم الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم بشرح النووي، شرح يحي بن شرف النووي الدمشقي الشافعي، الجزء التاسع، لبنان، دار الكتب العلمية، 2002، ص 50.
  • 21 Carol J. Clover, “Her Body, Himself: Gender in the Slasher Film”, Representations, No. 20, Special Issue: Misogyny, Misandry, and Misanthropy, Autumn 1987, p 206.
  • 22 Sarah Hankins, ""Torture the Women": A Gaze at the Misogynistic Machinery of Scary Cinema", Copley Library Undergraduate Research Awards, 2019, University of San Diego, Fall 12-30-2019, pp 3, 4, 7, 8, 9, 16, 17.

آلاء عبد الوهاب

آلاء عبد الوهاب كاتبةٌ وسيناريست مصرية، عملَتْ في مطبوعاتٍ ومواقع صحافيةٍ وأدبيةٍ ومؤسسات إنتاجٍ صوتيةٍ عربيةٍ عدّة. مُهتمةٌ بالأنثروبولوجيا والفلسفة والأديان.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.