حفريّات في اللّغة والجندر والجنسانيّة

الافتتاحية: ريم بن رجب

إعداد الملف: فريق جيم

اللّغة هي وجه السُلطة المكشوف، حارسة معبد الذكوريّة وحمّالة الحطب الذي ستُوقد به الهويّات الجندريّة غير المعياريّة. اللّغة تتحكّم فينا، تُرضخنا، تُذلّنا، تكسرنا، تُميتنا وتُحيينا إن شاءت. يُمكن بكلمة أن نتحوّل إلى أرباب للكون وبكلمة أخرى إلى حشرة يقرفها الجميع ويسعون إلى إبادتها. يُمكن لكمة واحدة أن تُحدّد من نحن، أن تتحكّم في حيواتنا ومصائرنا، وتحشرنا في الخزانة إلى الأبد.

قحبة، زانية، عاهرة، فاجرة، باغية، مومس، فاسقة، ساقطة، داعرة، دنِسة. أو. عفيفة، طاهرة، صالحة، شريفة، مُحصّنة، مصونة، فاضلة، مُؤدّبة، خلوقة.

مأبون، مُخنّث، أنثوي، ليّن، شاذّ، ضعيف، مخصيّ، لوطي، فاسد، فاحش. أو. فحل، ذكر، صلب، شديد، قويّ، صارم، صنديد، شريف، نقيّ، أبيّ.

ندور دائمًا في فلك المُتناقضات والثنائيات. ندور في حلقة مُفرغة من اللاّمعنى والعبث لأنّ مُجتمعاتنا قرّرت تحديد ذواتنا وهويّاتنا بكلمات معيّنة. ندور في حقول الكلمات والمصطلحات التحقيريّة. ندور باحثات وباحثين عن الخلاص. كيف نتحرّر من الكلمات التي تصمنا وتُقيّدنا؟ كيف نتعامل مع اللّغة التي تُكرّس الهيمنة والتبعيّة؟ كيف نفكّر في اللّغة كنظام رمزيّ سلطويّ؟ كيف نُمارس اللّغة؟

تتموقع المسألة اللغويّة في صلب انشغالاتنا اليوميّة في جيم على اعتبار أنّنا موقع يهتمّ بإنتاج معرفة نسويّة وكويريّة باللّغة العربيّة. دائما ما يُطرح علينا نفس السؤال كيف تتعاملن وتتعاملون في جيم مع اللّغة الشاملة؟

ما نقوم به في جيم على امتداد سنوات بسيط جدًّا، نحن نُكرّس اللّغة الشاملة بطرق متنوّعة. لغة تشمل كلّ الهويّات الجندريّة المختلفة ولا تُقصي أحدًا. قد نواجه بعض الصعوبات عند تحرير مقالات لا يُراعي كتّابها وكاتباتها الخصوصيّات الجندريّة ولكنّنا ننجح في النهاية في نشر مقالات ونصوص تُترجم سياستنا التحريريّة القائمة أساسًا على تفكيك أنظمة الهيمنة ليس فقط عن طريق مقاربات نقديّة وإنّما عن طريق اللّغة أيضًا والتي تُعدّ إحدى تمظهرات الذكوريّة والرأسمالية. لا نُحب كثيرًا الرمز "/" لأنّه جامد ويُثقل كاهل النصّ ويُشرّع لدكتاتوريّة من نوع آخر، ولكنّنا نحاول استعماله بشكل معكوس يجعل المؤنّث أولويّة أي عوض أن نقول: الباحثون/ـات نقول الباحثات/ـن. نُريد أن يكون التأنيث عضويًّا داخل النصّ لذلك نستعمل المعطوفات أي: الباحثات والباحثون، الطبيبات والأطّباء، المثليّات والمثليّون. كما نستعمل صيغة الجمع بين المذكّر والمؤنّث دون رموز ومعطوفات لنقول مثلًا: لكمنّ عوض لكم أو لكنّ، وهذه الصيغة العجائبيّة التي قد لا يستسيغها البعض هي من اختراع صديقاتنا في "ويكي الجندر" ونحن نُحيّي جهودهنّ في تجاوز حصون القواعد اللغويّة المُكبّلة. في جيم، نلعب كثيرًا بالضمائر كأن نقول: الكويريّات والكويريّين اللّواتي يُدافعن عن الحريّات الفرديّة ويواجهون السلطة. كذلك نحاول تحييد اللّغة قدر المستطاع حتى تشمل الهويّات التي لا تخضع للثنائيّة الجندريّة باستعمال أفعال دون ضمائر مثل: الحرص على اجتياح الفضاء العامّ وتنظيم مظاهرات ضدّ القوانين التمييزية تعدّ أولويّة لدى المجموعات الكويريّة. نحاول التنويع في جيم ولا نلتزم بطريقة واحدة وأسلوب واحد في تكريس اللّغة الشاملة سواء بالتأنيث أو التحييد أو اللّعب بالضمائر. نُريد أن نكون مخبرًا متنقّلا بين جميع التجارب والمحاولات.

لا يقتصر التأسيس للغة خارج البراديغم الذكوريّ والغيريّ والمعياريّ فقط على تكريس اللّغة الشاملة لأنّنا نواجه تحديّا آخر وهو ترجمة المصطلحات والمفاهيم التي لم تتشكّل ضمن سياقاتنا المحليّة مثل كلمة "كوير". هذه التبعيّة اللسانيّة خلقت فجوة في تطوّر المعارف الجندريّة في منطقتنا العربيّة، فجلّ القراءات والنصوص التأسيسيّة والنظريّات النسويّة والكويريّة كُتبت بلغات أجنبيّة. نحن واعيات بأنّ الترجمة تحمل معها قيمها السياسيّة، فنحن لا نستورد فقط مصطلحات ومفاهيم غربيّة بل نستورد معها العنف السياسيّ المُعجميّ لتلك البلدان لأنّ المصطلحات هي وليدة واقع سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ واجتماعيّ مشحون لا يُعبّر بالضرورة عن خصوصيّاتنا ومعاشنا اليوميّ.

هل يُعدّ فك ارتباط اللّغة العربيّة بالسياق المعرفيّ الغربيّ أمرًا صعبًا إلى هذه الدرجة؟ هل هذا يعني أنّ لغتنا قاصرة وعقيمة لذلك اضطررنا إلى الاحتماء بالأكاديميا الغربيّة؟ شخصيّا لا أعتقد ذلك، صحيح أنّ الكسل المعرفيّ تُهمة جاهزة موجّهة لنا ولكنّنا قادرات على إنتاج معرفة نسويّة وكويريّة باللّغة العربيّة وهذا ما تقوم به جيم والعديد من المنصّات والمواقع الإعلاميّة الأخرى سواء المختصّة في قضايا الجندر والجنسانيّة أو التي تكتب بكثافة عن الموضوع. هناك محاولات حثيثة ومستمرّة لجعل الممارسة الترجميّة أقلّ عنفًا ومُرتبطة أكثر بالمحليّ وهناك رغبة مُتّقدة في تثوير اللّغة ونفض الغبار عنها لا يُمكننا تجاهلها رغم أنّها مازلت في طور التأسيس. يتمثّل تثوير اللّغة في الاسترداد اللغويّ أو الافتكاك اللغويّ أي افتكاك كلمات تحقيريّة وشحنها بدلالات أخرى تُحوّل وجهة الكلمة بشكل نهائيّ وتُفقدها معناها الأصليّ مثل كلمة "شاذ". الكثير من أصدقائنا الكويريّين صاروا يستعملون كلمة "شاذ" كعلامة نصر واعتزاز وتعبيرًا عن تحدّيهم للّسان الذكوريّ. لم تعد كلمة "شاذّ" تصدم السامعين والسامعات ولم تعد تدريجيًّا تحمل نفس الدلالات، فنحن شواذّ وشاذّات ونفتخر.

أعتقد أنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار هنا بأنّنا نتكلم عن تثوير اللغة واستعمال لغة شاملة على مستوى اللّسان الفصيح فقط وليس على مستوى اللّسان العاميّ. فالدارجة أو العاميّة لها شيفراتها الخاصّة ولا يُمكننا إسقاط قواعد الفصحى عليها. أرى ذلك نوعًا من الوصاية والأبويّة المستترّة وفيه تكريس لكليشيه علويّة الفصحى ودونيّة العاميّة. ربّما يُمكننا تخصيص ملف كامل عن هذه الإشكاليّة رغم أنّنا في جيم نسعى إلى تثمين العاميّات المختلفة وإفراد مواد تحفر عميقًا في ميكانيزماتها ورموزها. وقد خصّصنا في ملفنا الحاليّ "حفريّات في اللّغة والجندر والجنسانية" خارطة مصطلحات تنهل من معين الجنس والجنسانية بمختلف لهجات المنطقة ومقالًا لتفكيك البناء اللغويّ داخل محلاّت الحلاّقين وآخر لتشريح عبارة "فرارات" التونسيّة سياسيًّا وجنسانيًّا.

سيكون للّغة الساخرة نصيب وسنفكّر سويّا في كيفيّة افتكاكها على اعتبار أنّها أداة للهيمنة الذكورية. هل يكون ذلك بفكّ شيفراتها وبتغيير المضمون وذلك بتحويل النساء والأقليّات الجنسيّة من موضوع للتندّر والكراهية إلى فاعلات وفاعلين داخل الآلة الخطابيّة أم بخلق خطاب نسويّ كويريّ ساخر قائم بذاته؟

ستتنقّل مواد الملف من التفكير باللغة في أمور الجنسانيّة والهويّات الجنسانية في سياق ما بعد كولونيالي إلى التشفير في اللغة لدى المجموعات الكويرية كأداة مقاومة إلى البحث في ضمائر الأجساد العابرة. لا تقتصر المواد على المقالات التحليليّة فقط بل حاولنا التفكير في اللّغة وتشريحها باعتماد وسائط وأدوات متباينة مثل البودكاست والفيديو. 

ينخرط هذا الملف في النقاش القائم حول اللّغة وهو مساحة خلقناها بعد الكثير من الجهد للحديث عن تجاربنا ومعاشنا مع اللّغة وفرصة لنشر مواد تُشجّع على التواطؤ ضدّ اللّغة القامعة. مثل كلّ ملفات جيم التي نشرناها تباعًا، هذه دعوة مفتوحة لكمنّ جمهورنا العزيز للمشاركة معنا في رحلة إنتاج معرفة حول قضيّة اللغة والجندر والجنسانية وتثوير ألسنتنا الفصيحة والعاميّة.