مسيرات ومظاهرات نسوية

لماذا نمارس السياسة إن لم تجعلنا سعداء؟

تقول الدعابة إنّ رجلًا وصديقه كانا يتبادلان أطراف الحديث، فسأل أحدهما الآخر: "كيف تحافظ على علاقةٍ وطيدةٍ مع زوجتك؟"، فأجابه: "اتفقنا على تقسيم الأدوار، لي الكلمة الفصل في الشؤون الكبيرة، ولها في الشؤون الصغيرة". أُعجِب الصديق بالحلّ السهل، وتابع: "وما هي الأمور الصغيرة التي أزحتَها عنك؟"، فقال له: "تقرِّر زوجتي ما يرتبط بإدارة مصاريف البيت وتنظيفه، واختيار مدارس الأولاد وتدريسهم، وتنظيم العُطل، والعلاقات العائلية وهذه الأمور…". تعجَّب صديقه، وردّ قائلًا: "إن كانت هذه أموركم الصغيرة، فما هي الشؤون الكبيرة التي تحملها على كاهلك؟". فأجاب الرجل: "الوضع الإقليمي، الانتخابات الرئاسية، النفط والغاز، النظام الطائفي… القضايا الكبرى، يا رجل!".

تختزل هذه النكتة هزليّة تصوّرات الأدوار الجندرية التي تحول دون رؤية السياسة سوى جزءٍ من عالمٍ مُخصّصٍ للرجال. وكنتيجةٍ حتمية، يستمرّ تعريف السياسة من منظور هؤلاء. في هذه الدعابة، لا يزال عمل النساء الرعائي المُنتِج غير مُقدّر، فيما النقاشات العامّة، التي ينحصر بها فهمُ السياسة، تكتسب قيمةً كبرى لا يضاهيها - في بال الرجل/الزوج - الجهدُ الإنسانيّ المبذول في الرعاية. ويبدو هذا الأخير مرتاحَ البال لتمكّنه من إشغال زوجته بما يراه شؤونًا صغيرة، لأنّها بهذه الطريقة لن تنافسه في مجاله - ألا وهو "السياسة". 

"السياسية" وانخراط النساء في الحيّز السياسي

في مقالتها "هكذا تكلّمَت سيمون دوبوفوار"، تقتبس الصحافية والكاتبة الهولندية، ماريا فاوسيه، عن دوبوفوار قولها إنّ "الرجل يتمزّق جرّاء محاولاته أن يكون ذكوريًا ومتوازنًا ومتفوقًا". يتطابق هذا مع ما يعبّر عنه الرفاق السياسويين1 من الرجال السّاعين إلى كسر نمط الرجولة وإزاحته عن صدورهم. لكنّ دوبوفوار تكمل تحليلها بأنّ "الرجل يتحرّر من خلال تحرير المرأة، وذلك بالضبط ما يُرعِبه. لذلك يتمسّك بشراسةٍ بالتعميات التي تُبقي المرأة مُقيّدة". وهنا تبرز الهوّة بين البُنى الهيكلية لأساليب العمل السياسية ومساحاته الموجودة في الواقع من جهة، ومن جهةٍ أخرى الهيكليّات والأساليب التي نحتاج لبنائها حتى تصبح السياسة مُستقبِلةً للنساء عمومًا، وقادرةً على التفاعل مع الطروحات النسوية خصوصًا.

تبرز المعضلة التي تواجهها النساء عند خوض الحيّز السياسي العام، حيث تصطدم مصلحة النساء السياسيّات بصورةٍ مباشرةٍ مع مصلحة "السياسويين" المهيمِنين على الحيّز السياسي والمستفيدين من بُناه المؤسّساتية الهرَمية

يستخدم الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت (Karl Schmidt) مصطلح "السياسية" (the political) في تعريفه لما هو "سياسي" بصيغةٍ تعبّر عن شمولية المفهوم، ويرى أن كلّ مسألة لا تشكّل أداةً للتمييز بين العدو والصديق تخرج من الحيّز السياسي، وبالتالي ممّا أسماه "السياسية". بهذا المعنى، ينفي شميت احتمال نشوء نزاعاتٍ سياسيةٍ في أمّةٍ مُتجانسة، أي في الأمّة التي يعبّر عنها حاكمُها.2 بينما في أمّةٍ غير مُتجانسة، فلا يمكن للنزاعات أن تكون إلّا سياسية، وكذلك لا يمكن للجهة المولَجة التعامل مع هذه النزاعات إلّا أنّ تكون سياسية. وذهب شميت إلى ربط السياسة بالدولة، ممّا حصر فهم "السياسي" بآليّات اتخاذ القرار القانوني والإداري. كما قابل "السياسي" مع مفاهيم القانون والاقتصاد والأخلاق، واعتبر أن مراقبة دستوريَّة القوانين هي عمليّةٌ سياسيةٌ بطبيعتها، ولا تتوافق مع الوظيفة القضائية التي تُعتبر غير سياسية، بحيث أخرَج مسألة العدالة الدستورية من المساحة السياسية.3 تبعاّ لتصوّر شميت هذا، تنعدم احتمالات انخراط المجتمع في "السياسي"، حيث أننا نقف أمام احتمالين: إما مجتمعٌ متجانسٌ يمكن التعبير عن كافة مكوّناته من خلال حاكمه، وإما مجتمع غير متجانسٍ تنشب فيه النزاعات وهي بطبيعتها سياسية ولا يمكن حلّها إلا من خلال سلطةٍ سياسية الطابع. 

بتعريف شميت الشمولي، تبرز المعضلة التي تواجهها النساء عند خوض الحيّز السياسي العام،4 حيث تصطدم مصلحة النساء السياسيّات بصورةٍ مباشرةٍ مع مصلحة "السياسويين" المهيمِنين على الحيّز السياسي والمستفيدين من بُناه المؤسّساتية الهرَمية. وفي المقابل، تتولّد صدمةٌ في الحيّز السياسي النسويّ من إعادة استخدام أساليب السياسويّين وإعادة إنتاجها، نظرًا لصعوبة تطوير نموذجٍ مُتمايزٍ للأداء والعمل السياسي في ظلّ سيطرة نموذجٍ أحاديّ لِمَن وما هو سياسي.

وأجد في التعريف الذي يقدّمه شميت تطابقًا مع الممارسات اليومية التي نختبرها في المساحات السياسية العامّة، سواء لدى مؤسّسات السلطة أم في المجموعات المعارضة. لجهة الأخيرة، من التجلّيات مثلًا، افتراض التجانس والاتفاق التام ضمن التنظيمات لحظة نشوئها، وكذلك انتظام النسويّات في مجموعاتٍ منفصلة، وبالمقابل الرجال وأقلّية من النساء في مجموعاتٍ أخرى. في كلَي النموذجَين يبدو الميل واضحًا إلى تأمين التجانس قبل الخوض في الانتظام السياسي، مع ما يعنيه ذلك من توقّع عدم نشوب نزاعاتٍ داخل المجموعة، أي توقّع عدم ممارسة السياسة. لذلك، أحاول في هذا النصّ أن أحدّد بعض السلوكيّات والتفاصيل التي اختبرتُها شخصيًا وحوّلَت النضال السياسي إلى عبءٍ تعيس، بعدما كان المساحة الوحيدة التي أستطيع ضمنها وعبرها أن أشعر بالسعادة الناتجة عن احتمالات إحداث تغييراتٍ تجعل حياتنا الفردية والجماعية أكثر ملاءمةً وهدوءًا. 

السياسة كمساحةٍ عفويةٍ للنساء

لم يكن اهتمامي بالشأن العام خيارًا سرتُ إليه، وإنّما المسار الأكثر عفويةً واتصالًا بوجداني. وُلدتُ في عائلةٍ صغيرةٍ تضمّ شقيقَين شابَّين يكبرانني بعقدٍ ونيّف، وتلقّيتُ تربيةً مُطابقةٍ لتربيتهما في المسائل التي تكوِّن مكانتنا الاجتماعية وتثقل شخصيّاتنا. أرادَتني أمّي امرأةً قويّةً ومستقلّةً منذ ولادتي. 

في النصف الأول من عشريناتي، وجدتُ نفسي مهتمّةً بتعريف نفسي امرأةً غير معيارية، لا أتبنّى الدور الاجتماعي المتوقّع من النساء، ولا ألتزم به، ولا أعترف بمعايير الأنوثة وتمايزها عن معايير الذكورة اجتماعيًا. وفي طيّات هذا الاهتمام، أردتُ إرباك نظرة المجتمع إليّ بوصفي فتاةً لم تجد لنفسها زوجًا يحقّق الاعتراف بها بين "النساء". 

بالتوازي مع بلوَرتي لتعريفي لهويّتي، وجدتُ نفسي عاجزةً عن فهم جوهر الشعور بالتمايز بين مَن هنّ نساءٌ ومَن هم رجال، بصورةٍ تدفعني لاستبعاد نفسي عن المساحات المُهيمَن عليها ذكوريًا، والتوجّه نحو مساحاتٍ مُصمّمةٍ لاستقبال النساء

لم يأتِ تعريفي لنفسي بوصفي امرأة من فهمٍ أو شعورٍ بالتمايز عن الرجل، إنّما للقول إنّ الفتيات يتحوّلن إلى نساءٍ بالنضج والتجربة الحياتية، بعيدًا عن أيّ معايير أخرى، وهو ما ينطبق على الصبيان عندما يكبرون فيُعترف برجولتهم تلقائيًا. بهذا المعنى، إنّ تبنّيّ لهذا التعريف سياسيٌّ بطبيعته، لأنه متصلٌ بالنساء اللواتي يناضلن أو يتمنّين لو تنتهي السطوة الأبوية على حيواتهنّ وطريقة تشكيلها. ولكن في الوقت نفسه، لم يحمل تعريفي لنفسي في طيّاته استيعابًا أو فهمًا لأيّ معطًى منطقيّ يبرِّر تصنيف الإنسان إما رجلًا أو امرأة، غير ذاك الذي تستفيد منه المؤسّسة البطريركية من خلال إخضاع جزءٍ من المجتمع للاستغلال بصورةٍ تلقائيّةٍ منذ الولادة.

بالتوازي مع بلوَرتي لتعريفي لهويّتي، وجدتُ نفسي عاجزةً عن فهم جوهر الشعور بالتمايز بين مَن هنّ نساءٌ ومَن هم رجال، بصورةٍ تدفعني لاستبعاد نفسي عن المساحات المُهيمَن عليها ذكوريًا، والتوجّه نحو مساحاتٍ مُصمّمةٍ لاستقبال النساء. وبهذا العجز الذي أقدِّره، وجدتُني أتفاعل في المجال السياسي العام بصورةٍ عفويةٍ مشابهةٍ لعفوية الرجال في علاقاتهم مع هذا المجال. وخَلَتْ هذه المرحلة - وهنا أتكلّم عن مراهقتي - من أيّ تركيزٍ على مسألة المساواة الجندريّة وقضايا النساء. في تلك الفترة، لاحظَت إحدى صديقات العائلة اهتمامي بالقضايا المُتعلّقة بالشأن العام، فدعَتني إلى جلسة نقاشٍ عن الكوتا ومشاركة النساء السياسية. وبما أنني لم أكن أملك في حينها أيّ معرفةٍ أو تجربةٍ في محاولات النساء السياسيّة، لم أستشعر فرقًا بيني وبين أترابي الذكور، فاستخدمتُ وقتها تلك الحجّة البدائية: "لماذا أطالب بنسبةٍ مئويةٍ في حين أنني أستطيع أن أحصّل النسبة الكاملة؟". في الواقع، تكوّن جزءٌ كبيرٌ من معرفتي في تلك المرحلة من جلسات نقاشٍ شاركتُ فيها ضمن مخيّماتٍ شبابيةٍ تناولَت الديمقراطية، وحقوق الأطفال، والفساد المالي، والوجود السوري في لبنان، والطائفية، وغيرها من المواضيع التي لم أكن أرى أنّ النساء يتأثّرن بها على نحوٍ مختلفٍ عن الرجال. والحال أنّ إدراكي النسوي لحِقَ اهتمامي بالمجال السياسي العام، بحيث شكّلَت تجربتي اللاحقة العدسةَ التي وسّعَت رؤيتي للسياسة وآليّات القمع والطرد من الحيّز السياسي، الذي أجده بصورةٍ عضويةٍ مكانًا أرغب بالمشاركة فيه والتفاعل في داخله والإنتاج ضمنه. 

بعد الانتخابات النيابية اللبنانية في عام 2018، انخرطتُ مع مجموعةٍ من الأشخاص في تأسيس تنظيمٍ سياسي قاعدي. وبعد مرور حوالي سنتَين على التأسيس، صرتُ جزءًا ممّا أسمَيناه "مجموعة العمل النسوي" داخل التنظيم. وعلى الرغم من العمل الجادّ الذي بذل في خلال مرحلة التأسيس، لجعل الهيكلية القاعدية مساحة ضامنة تشجّع الجميع على تكوين خبراتهن/م السياسية، غير أنه سرعان ما تمكّن رجلٌ واحدٌ من أن ينكّد على عددٍ كبيرٍ من النساء تجربتهنّ السياسية من خلال إثقال الاجتماعات والأحاديث بنكاتٍ عن الاغتصاب ونكد النساء، في ظلّ صمتٍ مطبقٍ حينًا، وقهقهاتٍ مُستجيبةٍ أحيانًا أخرى. وهكذا، استمرّ ذلك الرجل برفض اعتراضات النسويّات على سلوكيّاته بحجّة "عدم المعرفة"، مطالبًا إيّانا بأن "نعلّمه". لكنّ موقفي كان واضحًا. أنا لم أنخرط في السياسة لكي أقدّم الرعاية، فليعلّم نفسه بنفسه.

إدراكي النسوي لحِقَ اهتمامي بالمجال السياسي العام، بحيث شكّلَت تجربتي اللاحقة العدسةَ التي وسّعَت رؤيتي للسياسة وآليّات القمع والطرد من الحيّز السياسي

شكّلَت هذه التجربة نقطة تحوّلٍ في حياتي، تُرجمَت بانسحابي الأوّل من ممارسة السياسة. لم أطِل البقاء في تلك المجموعة. استقلتُ منها وسط تهكّم رجلَين على النّسوية من دون محاسبة أيٍّ منهما. انسحَبنا نسويةً تلو الأخرى من تلك المجموعة، وبقي الرجال يتوسّعون في تركيز "السياسية" داخلها. واليوم، لا أستغرب تفكّك تلك المجموعة التي بنيناها معًا، بعدما أُرسِيت أُسُس التعارك كممارسةٍ سياسيةٍ فيها بدلًا من التضامن، أي "السياسية" بدلًا من النسوية.  

وعلى الرغم من أنني أرى في النسوية النظرية السبيل الوحيد القادر على إحداث تغييرٍ سياسي داخل المجتمع، غير أنني لم أكن يومًا جزءًا من تنظيمٍ سياسي نسوي. فأنا أعتبر أنّ إدراكي النسوي يجب أن ينعكس في الحيِّز السياسي العام، وبصورةٍ مباشرةٍ من خلال التفاعل مع المسار السياسي القائم، وتركيز دورٍ سياسي رياديٍّ للنسويّات في الحيّز السياسي العام. وجدتُ نفسي بالتوازي مع انسحابي من تلك المجموعة القاعدية، أشارك بالتأسيس لجبهةٍ تتبنّى النسوية ضمن قواعدها السياسية. كانت تلك المجموعة الأمثَل، إذ تلاشَت ضمنها - بصورةٍ شبه تلقائية - مسأَلة ثنائية الجندَر، وظهرَت مساحاتٌ أوسع للتعبير السياسي منفصلة عن جنس المتكلم/ة أو هويّته/ا الجندرية. لكنّ هذه المساحة انهارَت في مرحلة ما بعد تفجير مرفأ بيروت. أطبقَت الصدمة على صدور الجميع، وكان من المستحيل أمام هول الفاجعة أن نستمرّ في تمرينٍ طويل الأجل يتطلّب منا باستمرارٍ تكسير ما اعتبرناه في الماضي سياسيًا بشكلٍ بديهيّ.

نشرتُ في عام 2021 رسالةً أشرح فيها لصديقي اختباري لمشاعري وسط تفاقم الجريمة والانهيار في لبنان، ومن بين ما جال في خاطري حينها كان أنّه "في السياسة تتفاءل النسويّات بالغضب. هكذا يبدأ الشرخ بيننا وبين المجموعات السياسية التي نحاول الانتماء إليها. السياسة مثل رجالها التقليديّين: براغماتية ودبلوماسية. وأنا بقيتُ لمدّةٍ طويلةٍ دبلوماسية. إنّ هذا الألم المُكتنز بين كتفيّ هو وليد الدبلوماسية في التعامل مع هذه الإهانة العميقة الراسخة والمستمرّة والمتمادية في حقّنا. هل قرأتَ لسارة أحمد عن "النسويات قاتلات البهجة"؟ (...) أشعر أن لا سبيل للسعادة العامّة بعد الآن، لهذا يصحُّ أن نسمّيها حربًا. أتذكّر كيف اتفقنا على الوصف: هذه حربٌ شُنَّت ضدّنا لسنواتٍ ونحن ندافع عن أنفسنا؛ لو تعلم كم أستسيغ القول إنّ فرحنا الآن بات محكومًا بقتل بهجتهم، لا احتماليّة بتقاسم السعادة في المرحلة الحالية. ولو تعلم كم أخاف ممّا أقول، لأنّ بهجتنا اليوم هي موضع سؤالٍ مشروع، ولستُ أدري إن كان علينا أن نقتلها أيضًا أم أن نخفيها!".

الثورة بطبيعتها مادةٌ سياسية، فيما السياسة على امتداد تاريخ البشرية غير ثوريةٍ. لكن متى انخرطت فيها النساء، يُنظَر إلى هذا الانخراط كعمل ثوري - بغض النظر عمّا إذا كانت النساء تتبنى نظريةً سياسيةً ثوريةً أم لا - لمجرّد أن المجال السياسي مصمّم للرجال

في مراجعتها لرواية "بيت حُدُد" لفادي عزّام بعنوان "الثورة بوجوه نسائها"، تختار الكاتبة ماريا عبّاس الاقتباس التالي: "حين يغطّي الألم والكآبة كلّ الأمكنة، ويصل إلى حدٍّ لا يُطاق، تصطدم المرأة بواقعها، وتحاول أن تستعيد ذاتها أمام الفظيع الحاصل الذي لم يترك أحدًا في حال سبيله". تستوقفني الجملة المُختارة ربطًا بعنوان المقال، حيث تتقاطع الثورة وألم النساء وكآبتهن.

فالثورة بطبيعتها مادةٌ سياسية، فيما السياسة على امتداد تاريخ البشرية غير ثوريةٍ. لكن متى انخرطت فيها النساء، يُنظَر إلى هذا الانخراط كعمل ثوري - بغض النظر عمّا إذا كانت النساء تتبنى نظريةً سياسيةً ثوريةً أم لا - لمجرّد أن المجال السياسي مصمّم للرجال، وهم وحدهم يتواجدون فيه بصورة تلقائية من وجهة نظر المجتمع وتوزيعه للأدوار الجندرية.

"السياسية" في المساحات النسوية

لم يكن من السهل ملامسة حقيقة أنّ النساء يمارسن ثورةً مستمرّةً بمجرّد دخولهنّ حيّز السياسة، بينما الرجال يمارسون السياسة لحلّ النزاعات "السياسية". وبما أنّ حضور النساء في السياسة يشكّل بذاته معركة، فإنّ "السياسة" كأداةٍ دبلوماسيةٍ لا تكون ملائمةً إلّا بعد أن يصبح حضور النساء في السياسة عضويًا. 

وتبدو المسألة أمام هذا الوصف دوّامةً لا بداية ولا نهاية لها، وفي خضمّ دوراني في داخلها تواصلتُ مع  كريستينا كغدو، مربّيةٌ وصانعة بودكاست، لِما لها من تجربةٍ سياسيةٍ قد ترغب في مشاركتها. 

بما أنّ حضور النساء في السياسة يشكّل بذاته معركة، فإنّ "السياسة" كأداةٍ دبلوماسيةٍ لا تكون ملائمةً إلّا بعد أن يصبح حضور النساء في السياسة عضويًا

كانت النتائج مشابهة. تستعيد كغدو أحداثًا مُتصلةً بإحدى المسيرات التي شاركَت في تنظيمها مع مجموعتها النسوية في الأردن، لتجيب عن سؤالي عن عوامل الطرد التي تواجهها النساء في العمل السياسي. تقول: "انخرط عددٌ من المجموعات النسوية في عمّان بتنظيم مظاهرةٍ مُندّدةٍ بجريمة قتل امرأة، لكنّها تحوّلَت إلى مهزلةٍ لأنّنا لم نستطع تحديد ما الذي نريده فعلًا، وكانت كلّ واحدةٍ منا تتصرّف على أنّ ما تريده هو ما يجب أن يطغى، ومَن تتمكّن من رفع صوتها أعلى والتكلّم أكثر هي التي تستحوذ على المساحة. غابت تمامًا أيّ إمكانيةٍ لفتح نقاشاتٍ في شأن هذه الديناميّات، وصولًا إلى تخوين من طالَبن بالتكلّم عن هذه الأساليب".  

وتكمل كغدو بأنّ المسألة انتهَت بـ "تقديم مجموعةٍ من رجال اليسار الدعمَ لواحدةٍ من المجموعات المُنظّمة، ما أدّى إلى اختراقهم التظاهرة وتحويلها إلى جزءٍ من حملتهم الانتخابية… لقد تحوّلت مظاهرةٌ مُندِّدةٌ بقتل امرأةٍ إلى هديةٍ لحملتهم الانتخابية".

اتجهَت كغدو إلى إنتاج المعرفة والتوثيق، وقرّرَت أن تترك ممارسة التنظيم السياسي في ظلّ "ضعف القدرة على خوض الحديث عمّا تولّده ديناميّات السلطة والإقصاء داخل المجموعات، وفي مقابل ما يتطلّبه التغيير من قدرةٍ على النقد، وهي آليّةٌ نفتقدها، كما نفتقد القدرة على التمسّك بضرورة إيجادها". 

في وصف كريستينا كغدو لتلك المرحلة التي انتهَت بانسحابها من العمل التنظيمي السياسي، تبرز دوّامةٌ تبدأ بالكبت وتنتهي بالإرهاق والاحتراق. تتحدّث كغدو عن "هوسٍ بتفاصيل إدارة عمل غيرنا"، وتقول: "لو كان لدينا مساحاتٌ صحّيةٌ تسمح لنا أن نشعر، ما كان ليتولّد لدينا هذا الكبت. ولكن في النشاط السياسي لا توجد مساحةٌ لكي نشعر، وإنّما لكي نفعل فقط، وضمن الإطار الأبوي الذي يُحدّد كيف يكون الشخص العقلاني، ومتى تجب المهنيّة ومتى لا. هكذا تبدأ وتنمو دائرة الكبت، وتحوّلنا إلى مهووسين بتفاصيل إدارة عمل غيرنا كردّ فعلٍ على عدم قدرتنا على التعبير عن أفكارنا في أماكن أخرى مختلفة. وبالنتيجة، نتوقّف عن إيلاء بعضنا البعض الثقة لكي ينجز الشخصُ العمل الذي يتقنه وبطريقته".

هكذا تتولّد التوتّرات ضمن الدوائر النضالية بنظر كغدو، وتتحوّل إلى مشاحناتٍ ونزاعات. أمّا النظام، فهو عبارةٌ عن مؤسّسات، لا مجموعاتٍ مثلنا، تعمل وتطحن الأخضر واليابس، ممّا يخلق إحباطًا مُتجدّدًا. تكمل كغدو: "الغضب هو تعبيرٌ عن حالةٍ من العجز. أغضب لأنّي أشعر بأنّني لا أستطيع أن أغيّر في مسألةٍ تتصل بي بشكلٍ مباشر". 

تتحدّث كغدو عن "هوسٍ بتفاصيل إدارة عمل غيرنا"، وتقول: "لو كان لدينا مساحاتٌ صحّيةٌ تسمح لنا أن نشعر، ما كان ليتولّد لدينا هذا الكبت. ولكن في النشاط السياسي لا توجد مساحةٌ لكي نشعر، وإنّما لكي نفعل فقط، وضمن الإطار الأبوي"

عندما نتكلّم عن النظام الأبوي أو عن النسوية، فإنّنا وفق كغدو "لا نتكلّم عن الأيديولوجيا حصرًا، وإنّما عن إرثٍ من الألم الجماعي الذي نحمله كنساء. وبالتالي، كلّ ما هو مُتصلٌ بانعدام التوازن في توزيع الثروات والموارد والسلطة والقوّة، وكلّ ما هو ناتجٌ عن هذه التركيبة وعن الشعور بالعجز تجاه تغييرها يجعلني أغضب". 

وتتابع كغدو: "في النهاية شعرتُ بأنّني لا أستطيع العيش بحالة غضبٍ مستمرّةٍ في ظل غياب أي متنفّسٍ بين الأزمة والأخرى. وقتها، فكّرتُ كيف يستطيع النظام أن يدمّر الناس بهذه الطريقة، أن يرهقهنّ إلى حدّ التوقّف عن فعل أيّ شيء؟ بدأتُ أشعر أنهم يخترقون قدرتي على تخيّل حياتي حتّى. وفي تلك اللحظة، بدأتُ بالانسحاب من المساحات التي تزيدني توتّرًا". وتضيف كغدو: "الحالة التي كنتُ أعيشها هي نتيجة تراكمٍ من الإنهاك المستمرّ الناتج عن الوضع السياسي المتأزِّم. اكتشفتُ في تلك المرحلة أنني أعيش حالةً من الفقدان المستمرّ لناس، وطموحات، وتخيّلاتٍ للعالم الذي سَخَّرنا نشاطنا السياسي من أجل تحقيقه. كانت لحظةً قاسيةً لحظة استنتجنا أنّنا لن نصل إلى أيّ مكان. كان ثمّة شعورٌ فظيعٌ بالوحدة ورغبةٌ بالتكسير".

ولكنني لا أرغب بالانسحاب!

في مقالها "عن النسوية والاكتئاب والغضب" الذي تتناول فيه معاناتها مع "الهوس الاكتئابي"، تصِف الصحافية النسوية والمترجمة المصرية، إسراء صالح، الانسحاب بأنّه "أكثر الحلول أمنًا وألمًا في الوقت نفسه. إنّه انسحابٌ من كلّ المساحات التي تستنكر وجودنا وتتّهمنا بالشرود عن الطريق الصحيح والواضح والمرسوم منذ قديم الأزل، والمطلوب أن نسير عليه جميعنا من دون أي محاولةٍ للتملّص من الأدوار المتوقّع منا تأديتها، مع الالتزام بالحدود المبيّنة لكلٍّ منها، باعتبارها السبيل الوحيد للسعادة". وتشير صالح إلى ثورة 25 يناير في مصر، وهي المرحلة التي تردّ إليها بدايةَ وعيها النسوي، مستعينةً بتعريف المورّخة والكاتبة النسوية جيردا ليرنر (Gerda Lerner) لذلك الوعي بأنّه "وعي النساء بأنّهن ينتمين إلى فئةٍ ثانوية، وأنّهن تعرّضن للظلم باعتبارهنّ نساء، وأنّ وضعهنّ الثانوي الخاضع ليس وضعًا مرتبطًا بالطبيعة وإنّما مفروض اجتماعيًا، وأنّه يجب عليهنّ التحالف مع نساءٍ أخرياتٍ للتخلّص من أشكال الظلم الواقع عليهن، وأخيرًا أنه يجب عليهنّ تقديم رؤيةٍ بديلةٍ للنظام الاجتماعي تتمتّع فيه النساء، مثلهنّ مثل الرجال، بالاستقلالية وحقّ تقرير مصيرهن".

تقول صالح: "أدين لها (25 يناير) بالفضل في تبلور ذلك الوعي لديّ، كما لدى العديد من النساء اللواتي أدرَكن الخلل في علاقات القوى بالمجتمع، وما يتبعه من قهرٍ ينصبّ علينا، نحن النسوة، بأشكالٍ مختلفةٍ من التمييز والقمع والظلم، وعبر سلسلةٍ كبيرةٍ من الانتهاكات، مردّها فقط أننا خُلقنا داخل تلك الأجساد التي تحمل أعضاءً لا تشبه تلك التي تمنح القوّة والسلطة والحرّية لأصحابها". وتحدِّد صالح لحظة بدء رحلتها "بالتغريد خارج السرب" باللحظة التي بدأَت فيها ترفض الانخراط في مجالس وأحاديث اعتبرَتها مشوِّهةً للإنسانية، بينما كانت بالنسبة للآخرين مصدرًا للسعادة. فأعلنَت رفضها للأطر المُعادية للنساء وما يرتبط بها من فقدانٍ لحقوقهنّ وحرّياتهنّ، وطالبَت بالمساواة في كافة الحقوق والواجبات.

ابتكَرنا آليّاتٍ تجعل من خيالنا جزءًا من واقعنا، فكنّا نتناوب على الكلام في اجتماعاتنا تبعًا لمنبِّه يُنذرنا بضرورة عدم الإطالة. وتمكّنّا من خلال هذه الآليّة أنّ نخلق مساحةً تشجِّع النساء على المشاركة والإدلاء بمواقفهنّ تجاه مختلف المسائل

تأخذني صالح من جديدٍ إلى المرحلة التي طفَت فيها على السطح حقيقةُ أنّ ذاك التنظيم القاعدي الذي شاركتُ في تأسيسه في لبنان، لن تصمد قاعديّته عندما تتعلّق المسألة بالنساء والرجال. وبالفعل، بدأ الرجال يستعيدون موقعهم التقليدي في السياسة في خلال انتفاضة 17 تشرين التي اندلعَت عام 2019 في لبنان. قبل الانتفاضة، كنّا نعمل بجدٍّ لخلق تجربةٍ وتحديثها لتكون مساحةً سياسيةً ملائمةً لإحداث التغيير السياسي الذي نتخيّل. كنّا شبّانًا وشاباتٍ نتكلّم عن أهمّية "الخيال السياسي" في بناء النظام الذي نريد. ابتكَرنا آليّاتٍ تجعل من خيالنا جزءًا من واقعنا، فكنّا نتناوب على الكلام في اجتماعاتنا تبعًا لمنبِّه يُنذرنا بضرورة عدم الإطالة. وتمكّنّا من خلال هذه الآليّة أنّ نخلق مساحةً تشجِّع النساء على المشاركة والإدلاء بمواقفهنّ تجاه مختلف المسائل. كافَحنا احتمالات التنمّر، وبالتالي كانت جميع الأسئلة والآراء مشروعة. تحوّلَت هذه المجموعة مع الوقت إلى مساحةٍ آمنةٍ فعلًا. وأشهد لها بأمانها طوال سنةٍ كاملةٍ سبقَت انطلاق الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين. انغمَسنا في الانتفاضة، وسرعة الأحداث والتطوّرات السياسية، ثم دوّامة العجز الذي لحق بنا أمام تعقيدات المشهد السياسي، حتّى أتَت جائحة كورونا وأجلسَتنا في منازلنا خلف شاشات هواتفنا نخوض نقاشاتٍ مفتوحةً ومستمرّةً عبر تطبيقات التواصل. كان ذلك بمثابة صفعةٍ قويةٍ نبّهَتنا إلى حقيقة ذوبان كلّ ما بنيناه أمام "القضية العليا"، وكانت وقتها التأكيد على وجود المجموعة وفرض حضورها في مشهدٍ مُهترئ، وإبراز تمايزها عن مجموعاتٍ أخرى معارِضة. سريعًا ما خسرنا المساحة لإعادة النظر في ما فقدناه من آليّاتٍ داخليةٍ تضمن مشاركة الأفراد الفعلية، وتحمي القيم السياسية التي اجتمَعنا حولها في البداية. 

العودة

منذ مدّةٍ قصيرة، وجدتُ نفسي أعود إلى العمل التنظيمي ضمن مجموعةٍ بادر إلى وضع الخطوط العريضة لتأسيسها، بصورةٍ غير مستغربة، عددٌ من الرجال وامرأتَين فقط. وجدتُني منذ لقائي الأول بهنّ/م أوضح أنّني سوف أتبنّى "قتل البهجة" إلى حين تصبح بهجتنا السياسية مشتركةً ومتساوية، في تنظيمٍ يفتح أبواب الخيال السياسي، ويعترض على فخّ الاستعجال والانغماس في ردّات فعلٍ متواليةٍ لا تؤسّس سوى تجمّعاتٍ قائمةٍ على تقاطع مصالحٍ لحظيّ. 

أتخيّل أنّ المساحة السياسية العامة تصبح في لحظةٍ ما أكثر تعاطفًا، وأكثر تقديرًا للتضامن، وأكثر اهتمامًا ببناء نموذجٍ سياسي قبل اهتمامها بالصراع على السلطة

سألتُ كريستينا كغدو عن النظام الذي تناضل من أجل بنائه، فردّت أنّه "نظامٌ نستطيع أن نمارس فيه مفهوم العدالة مع أنفسنا، ومع بعضنا البعض، وتوضع فيه الآليّات المُتعلّقة بمفهوم العدالة والمساءلة بطريقةٍ تشاركيةٍ تعبِّر عن تصوّرات الناس ضمنه. عالمٌ عادلٌ في توزيع الموارد، عالمٌ نتبنّى فيه منظومةً تعلّميةً مبنيّةً على الناس الأحياء وليس على ماكينةٍ كبيرة، أي تعلّمٌ يدور حول العلاقات بين الناس تبعًا لخبراتهم/ن، وضمن مجموعاتٍ صغيرةٍ تسمح ببناء علاقاتٍ إنسانيةٍ تدعم التعلّم بعيدًا عن أدواتِ الأدلجة الجماعية. أتوقّعه عالمًا عقلانيًا ومتعاطفًا في الوقت نفسه، عالمًا متواصلًا مع المشاعر، حيث لكلّ شخصٍ الحقّ في التعامل مع مشاعره/ا وقتما يشعر أو تشعر بها، وأن نكون في الوقت نفسه قادرات/ين على الإمساك بهذه المشاعر والتعامل معها بما يحول دون هيمنتِها وقيادتها المشهد".

أتخيّل أنّ المساحة السياسية العامة تصبح في لحظةٍ ما أكثر تعاطفًا، وأكثر تقديرًا للتضامن، وأكثر اهتمامًا ببناء نموذجٍ سياسي قبل اهتمامها بالصراع على السلطة. أتخيّل أن نكون أقلّ "سياسية" وأكثر نسوية، لنتمكّن من بناء نظامٍ وفق الشكل الذي وصفَته كريستينا.

أمّا أنا، فأتخيّل أن نتخلّى عن "السياسية"، وأن نعطي الأولوية للاتفاق على آليّات حلّ الخلافات، في مساحةٍ سياسيةٍ مُستقطبةٍ للاختلاف، وأن نكلّل الممارسة السياسية بممارسةٍ تضامنيةٍ مُتعاطفة. أتخيّل مساحةً سياسيةً عامةً مُستقبلةً للنساء وللنسويّات، لا يقع فيها علينا ثقلُ قتل البهجة.

 

 

  • 1يقصد بمصطلح "سياسويّين" الأشخاص والمجموعات التي تمارس السياسة من الزاوية التي يطرحها الفقيه الدستوري الألماني كارل شميت، والتي تحصر المجال السياسي بأولويّات المؤسّسات السياسية الدستورية.
  • 2محمد رفعت عبد الوهاب، رقابة دستوريَّة القوانين والمجلس الدّستوري في لبنان، الدار الجامعية للطباعة والنشر، 2000.
  • 3المرجع نفسه.
  • 4أستخدم في هذا النص عبارة "الحيّز السياسي العام" الذي يضمّ جميع التنظيمات وأساليب العمل السياسية، لتمييزه عن "الحيّز السياسي النسوي" الذي يقتصر على المجموعات النسوية.

إلهام برجس

إلهام برجس حقوقية تعمل في مجال البحث القانوني والسياسات العامة.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.