الحَيض العابِر: يوم استحالَت "هالو كيتي" حمراء اللّون

أعود بالذاكرة إلى سنّ الحادية عشرة، إلى مسقط رأس أمي، في قريةٍ في جنوب لبنان على مسافةٍ قريبةٍ من الحدود مع فلسطين المحتلة. كنتُ أركب درّاجةً هوائيةً قديمةً تعود لابنة خالتي عندما انتابني شعورٌ مريبٌ ومزعجٌ لم يسبق لي أن واجهتُ مثله من قبل. وسرعان ما تحوّل انزعاجي إلى  إحراجٍ شديد، فهرولتُ مسرعًا إلى الحمّام وأنا مقتنعٌ تمامًا بأنّني بلّلتُ نفسي عن غير قصد.

عندما جلستُ على كرسيّ الحمام، صُعِقت ببقع حمراء اللون على ملابسي الداخلية التي كانت تحمل رسومات "هالو كيتي". تفاقم حرَجي وبقيتُ مرتابًا أجهل خطواتي المقبلة وكيفية التصرّف.

ناديتُ على ابنة خالتي من خلف باب الأكورديون، وبدورها اتصلَت بأمّي لتخبرها بما حصل. بكت أمّي على الهاتف وهي تهنّئني بحرارةٍ وتكرّر عبارة "أصبحتِ امرأةً الآن، مثلي تمامًا، وسرعان ما ستنتعلين الكعب العالي أيضًا!".

وعلى الرغم من كلماتها التي بدَت لها مطَمئِنة، ظلّ شعورٌ بالخجل يكبّلني، لاسيّما حين أعطتني ابنة خالتي ما أسمَته "فوطة نسائية" من خلف الباب. بدا لي فتح العبوة غريبًا، فكدتُ أضحك لشدّة الارتباك.

عند مغادرة الحمام، كان جسدي وخصوصيّاته وخصائصه قد باتوا بالفعل حديث القرية وسكّانها. احتضنَتني زوجات أعمام والدتي، وقبّلنني، وشارَكن معي الإرشادات المتوارثة والوسائل "الصحيحة" للاغتسال وتنظيف نفسي من كلّ ما نعَتنه بـ"رواسب الرّحم في فترة الحيض".

ومن الشروط التي بدَت لي غريبة، لا بل قاسيةً بحقّ سلسلةٍ من التغيّرات التي لا بدّ لجسدي أن يمرّ بها شهريًا، هو تحذيري من الصلاة ومنعي من دخول المساجد في أثناء الدورة الشهرية؛ وكأنّ هذا الأمر الطبيعي هو معيارٌ تُقاس به نظافتي وطهارتي. لم أشعر بالفخر يومها ولا بالفرح بعبوري إلى مرحلةٍ "جديدة"، بل إني لا أتذكّر سوى مشاعر العار والدنس والنجاسة. كان من الصعب تكوين فكرة واضحة عن مفهوم الأنوثة وأنا لا زلتُ طفلًا تتلخّص مخاوفه وهواجسه بالقلق من عدم قدرته على ركوب الدرّاجة واضعًا فوطةً صحيّة!

بعد نحو عقدٍ من التعثّر والعديد من الأسئلة، ها أنا اليوم أبلغ الخامسة والعشرين من عمري، أحمل هويّتي الكويرية وأتحدّث عن عبوري الجندري بكثيرٍ من القبول والحب. لم تعد الدورة الشهرية سوى أحد معايير الصحّة البدنية السليمة، وتذكيرٍ بعلاقتي بالأنوثة التي لا تزال شائكةً حتى الآن.

قبل سنواتٍ قليلة، في سنّ التاسعة عشرة، ازداد نمو الشّعر على وجهي وصدري، ورافقَته دوراتٌ شهريةٌ غير مُنتظمة. تمّ تشخيصي آنذاك بمتلازمة تكيّس المبيض. شكّل هذا التشخيص خطوةً أساسيةً دفعَتني للتحرّر من المفاهيم المعلّبة والصور النمطية الثنائية للجندر، وحثّتني على التمتّع عن كثبٍ بمرونته. خلقَت الاضطرابات الهرمونية - ومن ضمنها نسبة هرمون الأندروجين المرتفعة والتغيّرات الظاهرة في خصائصي الجنسية الثانوية الناجمة عنها - مساحةً لي لاستكشاف هذه الجوانب المتعدّدة من هويّتي. 

وكما كان متوقّعًا، كبرتُ وكبُر معي امتناني وتقديري لِما تمّ تشخيصه كخللٍ آنذاك.

بالفعل، لم تكن متلازمة تكيّس المبيض مجرّد سببٍ لنموّ لحيتي، بل كانت أيضًا تأكيدًا على عبوري الجندري وسبيلًا لاستعادة ملكية جسدي، ولو قليلًا.

وعليه، تحاشيتُ العلاج لسنوات، كمَن يتّقي داءً، ورفضتُ التنازل عن هذا الشعور الجديد بالنشوة الجندرية البعيدة عن كلّ ما مهَرَه محيطي بالوصم على مدى سنين. 

على الرغم من محاولاتي الرفض، ثابرَت والدتي تحثّني باستمرارٍ على إزالة لحيتي بالليزر، وتدّعي أن الشّعر يجعلني أبدو "قذرًا". هكذا، ظلّت علاقتي بالأنوثة تتمحور حول مفاهيم الطهارة والنظافة والعفاف، وهو منظورٌ لطالما احتقرتُه، إذ جعلني أشعر بأنّ جسدي معيبٌ ويجلب العار بطبيعته.

في العام الماضي، أُصبتُ بمقدّمات السكّري، أو ما يُعرف بمرحلة ما قبل السكري، جرّاء متلازمة تكيّس المبيض التي أثّرت على مستويات الأنسولين في دمي. 

في مواجهة خيارٍ صعب، كان عليّ أن أقرّر ما بين الحفاظ على صحّتي البدنية و"الديسفوريا الجندرية"1 التي ترافقها؛ أو التغافل الكلّي عن مخاطر هذه المرحلة حفاظًا على بعضٍ من رفاهي العاطفي وما تبقى من صحّتي النفسية كشخصٍ عابرٍ في بلدٍ يغيب فيه مختلف أنواع الرعاية الصحّية، ولاسيّما تلك المتعلّقة بتوكيد الهوية الجندرية.

اخترتُ صحّتي الجسدية.

بعد خضوعي للعلاج، عادت هرموناتي إلى مستوياتها الطبيعية وانتظمَت الدورة الشهرية - ولا تزال اللحية صامدة. ومع ذلك، لا زال ذلك الإحساس المعهود بالحرج يعود إليّ مع كلّ دورةٍ شهرية؛ لكنّه بات يتخذ بُعدًا جديدًا.

أصبحَت دورتي الشهرية بمثابة تذكيرٍ بجنسيَ البيولوجي الذي لطالما اعتبرتُه أمرًا وخيمًا. 

اليوم، عندما أدخل السوبر ماركت من أجل شراء الفوط الصحية، مع لحيتي الداكنة وصدري المضغوط بوِثاق، أشعر بألمٍ عميقٍ بداخلي. عندما أتفقّد العبوة المزيّنة بالرسومات "الأنثوية" وأقرأ التعليمات التي تخاطبني كامرأة، أشعر بأنّ هويّتي الجندرية باطلة، وفاقدة المعنى، وغير موجودة. أشعر كأنني بنيتُ هويّتي في ردّ فعلٍ على مفاهيم نمطيةٍ وثنائيةٍ أُسقِطت عليّ وعلى جسدي على مرّ أجيال؛ مفاهيم كان من الطبيعي أن تترسّخ في ذهني على الرغم من كونها ملفّقةً ومغلوطة، لمجرّد أني تعرّضتُ لها تلقائيًا وباستمرار. على سبيل المثال، منذ حوالي ثلاث سنوات، في أثناء عملي باحثًا في مشروعٍ عن فقر الدورة الشهرية في لبنان، اضطررتُ إلى النظر للحيض باعتباره قضيةً تخصّ حصرًا النساء ذوات الهوية الجندرية المعيارية، وذلك تماشيًا مع سياق البحث. 

هذه المفاهيم ليسَت مفاهيم خاطئةً تُسقَط على رأسٍ مرهقٍ فحسب، بل هي أفكارٌ تشلّني أحيانًا، وتُفاقم إحساسي بالذنب في كلّ مرّةٍ أتذكّر فيها تجاربي اللامتناهية مع "الديسفوريا"؛ وكأنّ هذه الحروب الداخلية ليسَت سوى خيانةٍ لجنسيَ البيولوجي. 

وحتّى في التجمّعات النسوية، ما زلتُ أواجه صعوبةً في التعبير عن مخاوفي وتجاربي المرتبطة بحقوقي الإنجابية والجنسية. ونادرًا ما تناقَش الدورة الشهرية من منظور شخصٍ عابرٍ جندريًا. وفي بعض الأيام، لا تزال حقيقة الدورة الشهرية تُثقل كاهلي؛ وكأن هذه الحتميّات ليسَت سوى خيانةٍ لهويتي الجندرية.

لحُسن الحظ، أنا متزوّج من شخصٍ لا ثنائي الجندر يتعايش أيضًا مع الدورة الشهرية. وأدّى شريكي دورًا أساسيًا في مساعدتي على شفاء هذا الجرح طويل الأمد — وهو الجرح الذي منعَني من التصالح مع أوجُه الأنوثة التي تفوق مفهومها الثنائي وتتجاوزه. 

اليوم، وعلى الرغم من الانزعاج الدائم، أتعلّم التخلّي عن مشاعر العار التي عشتُ معها لفترةٍ طويلة. الآن، عند بداية الحيض، يعاملني شريكي بحنانٍ لا يوصف، ويذكّرني بعطفه عندما أكون مريضًا. يترك لي رسائل مكتوبةً بعنايةٍ داخل صندوق الفوط الصحّية الخاص بي، ويُعدّ لي مزيجًا خاصًا من الشاي للتخفيف من حدّة تشنّجاتي. والأهم من ذلك، لا يُظهر أيّ اشمئزازٍ عندما ألطِّخ شرشفنا الأبيض في أثناء نومي. كما يعرض عليّ دائمًا غسل ملابسي الداخلية يدويًا مهما كانت ملطّخةً بالدماء. 

لا يزال هذا الحنان والرعاية والقبول غير المشروط  مصدر إلهامٍ بالنسبة لي. ذلك التعامل يعلّمُني دروسًا عظيمةً عن أهمّية التخلّص من التحيّزات الموروثة والتغلّب على ذلك الشعور الداخلي بالعار، لأنه يسلّط الضوء على أوجُه الأنوثة المختلفة التي لا تظهر سوى عند تناولها من منظورٍ مخالفٍ ورافضٍ للسردية الثنائية السائدة والمتوارثة، أي من منظورٍ يناهض الحدود نفسها التي يقاومها العبورُ الجندري. 

تستمرّ هذه الرحلة في تشكيل وإعادة تشكيل تصوّري لجسدي وكلّ ما يصدر عنه، وكذلك للعالم من حولي، فالدم نفسه الذي حسبناه ذات يومٍ شيطانيًا، بتنا الآن ننظر إليه كأنه مقدّس.

ملاحظة: أشكر إنغريد شاهين على تعريب النص.


ملاحظة: هذا النص جزء من سلسلة مواد عن تجارب الأشخاص الذين واللواتي يحِضن بعنوان "إجت ومعها قصة". تتألّف السلسلة من مواد تم إنتاجها في خلال ورشة إبداعية بعنوان "نروي قصصنا مع الدورة الشهرية"، نظمتها مؤسسة "جيم" ومبادرة "جييتنا" في تموز/يوليو 2023 في لبنان، بالإضافة إلى مواد مستكتبة.

تم نشر هذه المادة ضمن مشروع "We Lead" لمنظمة هيفوس

  • 1. يشير مصطلح "الديسفوريا الجندرية" في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) إلى الشعور بالضيق أو عدم الارتياح الناجم عن التنافر بين الهوية الجندرية للفرد والجنس المُعيّن له/ا عند الولادة. وتولّد الديسفوريا الجندرية تحدّياتٍ عاطفيةً ونفسيةً وحياتيةً متنوعةً لدى الأفراد العابرين/ات واللا ثنائيّين/ات جندريًا.