رمضان في الغربة: البحث عن الإنتماء بعيدًا عن التدين والممارسات المفروضة

ترعرعتُ في قابس، البلدة التي تقع جنوبي تونس وتُعرف بالواحات وعصير النخيل (اللاقمي). ومن المفارقة، عصير النخيل هذا هو مشروب رمضاني، وعند تخميره، يمكن أن يتحول أيضًا إلى المشروب المُسكر المفضّل لدى محتسي الكحول من "القوابسية". وقابس، كغيرها من المدن التونسية وكذلك المدن العربية ذات الأغلبية المسلمة، هي مدينةٌ تشهد تحولًا خلال شهر رمضان المبارك.

فعلى نحو فجائي، يصبح أولئك الأشخاص، الذين لطالما فرّقتهم جميع نواحي الحياة، قادرين على الانسجام في ما بينهم؛ حيث يتشاركون ما يتعدى انشغالهم/ن بوظائفهم/ن وموجات التلوث المتواترة،1 ويجتمعون في وقتٍ محدّدٍ من اليوم لتناول وجبة الإفطار. ففي اللحظة نفسها بالضبط، يشرب الأشخاص رشفة الماء الأولى، ومن بعدها ينصرف كل شخصٍ تقريبًا لتناول ثلاث حبات تمر (أو 5 أو 7 حبات).2  

وبعدها، يتناول كل شخصٍ وجبة الإفطار المؤلفة من 3 أطباق، أولها حساء (أو شوربة)، وثانيها سلطة (خضراء أو مشوية3 )، وثالثها طبق الكُسكُس العظيم مرةً على الأقل في الأسبوع. من دون أن ننسى، بالطبع، الطبق الجانبي المشوي أو المقلي (بريك، كفتة، أو طاجن) الذي نجده دائمًا على المائدة. وتصبح حتى أبسط النشاطات تمثّل مواقف تبعث على الألفة والتقارب بين الأشخاص؛ فتتحول الطوابير التي تتشكّل أمام أشهر الأفران في قابس، كبشراوي وبشّة وسيدي أبو لبابة وغيرها من الأفران، إلى لقاءات ودّية مع أصدقاء أبي منذ الطفولة، أولئك الذين لا تزال محفورةً في ذاكرتهم ملحمة جدّي، أو خالي الخَدوم في منصبه البلدي. أما فنجان القهوة العربية المسائي، فهناك إجماعٌ على الوجهة لارتشافه مع أشهى أطباق المخارق والزلابية في باتيسري ونّان الذي يعج بالزوار، وتختلط رائحة مخبوزاته مع عبق البهارات اللاذع المنبعث من سوق الحنّة بالقرب من مسجد جارة الكبير. 

عندما تصبح الفتاة امرأة، تبدأ علاقةٌ جديدةٌ تتفتّح بالتزامن مع سيلان قطرات الدم من مهبلها: علاقة مع الله، والدين والقواعد

في شهر رمضان، تجتمع جميع هذه العناصر. وبالنسبة إليّ، رمضان هو أيضًا شهر جولاتي مع والدي بالسيارة قبل مغيب الشمس في واحات شننّي الأخاذة. هو 30 يومًا من الوجبات الصباحية عند الثالثة صباحًا، والقيلولة الإلزامية عند الثالثة بعد الظهر. شهرٌ يفرض ارتباطًا من نوعٍ آخرٍ مع الوقت، لا تحدّده عقارب الساعة، بل شروق الشمس وغروبها. وهو شهر نزهاتي مع والدتي على الكورنيش التي كان يتخلّلها أحيانًا كوبٌ من البوظة من باتيسري مونديال بعد يومٍ طويلٍ من الصيام.

لا أذكر بالضبط متى كانت المرة الأولى التي صمتُ فيها. أعتقد أنني كنتُ في سن الـ 13، واختبرتُ الدورة الشهرية للمرة الأولى، فأصبحتُ امرأةً مكتملةً وبأتمّ الجهوزية لتأدية واجباتها تجاه الله. عندما تصبح الفتاة امرأة، تبدأ علاقةٌ جديدةٌ تتفتّح بالتزامن مع سيلان قطرات الدم من مهبلها: علاقة مع الله، والدين والقواعد. فاستفاقة وظائف الرحم هي لحظةٌ تعلن بدء المرأة رحلة اكتشافٍ متمحورةً حول جسدها، لكنّها تعلن أيضًا بداية الرحلة التي يُفترض فيها بالمرأة أن تنصبّ على التعبّد، وتأدية أدوارها الدينية والمجتمعية لتثبت جدارتها كامرأةٍ تقيةٍ وكفردٍ صالحٍ في المجتمع عمومًا، على أن يتوافق هذا الدور مع توقعات المجتمع.

والجدير بالذكر هنا كيف تتخذ هذه العلاقة أشكالًا مختلفة. على مدار السنة، لا يؤدي العديد من المسلمين واجباتهم الدينية بالثبات عينه، ويسمحون لأنفسهم بفتراتٍ للانغماس في الرغبات والنزوات التي لا يُسمح بها عادةً، لأنها تعتبر "حرام"... إلى أن يعيد رمضان بلا مساءلةٍ الإيمانَ والدينَ إلى الواجهة في حياة الناس اليومية في أثناء زيارته السنوية العظيمة. بالنسبة إلى النساء، تُعلّق هذه العلاقة وواجباتها في خلال أيام الدورة: فلا صلاةٌ تُؤدّى ولا صيام.4 أذكر كيف كنتُ ألتفّ على هذه القاعدة عبر إدامة مدّة الدورة يومَين إضافيَين في فعل تحدٍ مستمر. لكنني لم أستطع المجاهرة بالإفطار في أثناء فترة الحيض إلّا في منزلي، وفي جوٍّ من السرّية، وبصحبة مَن تتزامن دورتي الشهرية مع دوراتهنّ. ولأنك امرأة، إذا ما تناولتِ أيّ طعامٍ في العلن في خلال شهر رمضان، فكأنكِ تخبرين العالم عن النزيف الذي يحدث في جسدك. هذا فضلًا عن ضروب الامتعاض التي تواجهينها عقابًا على هذا التجاوز في المقام الأول.

كان شهر رمضان اللحظة المعرقِلة الأطول التي فرضَت نفسها ودفعَتني إلى إعادة النظر بعلاقتي مع الإيمان والتقاليد: 30 يومًا كاملًا من الرسائل التذكيرية القاسية

كذلك لا أذكر بالضبط متى كان اليوم الذي قررتُ فيه التوقف عن الصيام. أعتقد أنه كان في أحد تلك الأيام التي فقدت الفكرة برمّتها معناها بالنسبة إليّ، حين انتقلتُ إلى لبنان عام 2016، وبدأَت رؤيتي السابقة للعالم تتبدّل، ما دفعني إلى إعادة النظر في العديد من العلاقات التي كنتُ قد بنيتُها، بما في ذلك علاقتي بالإيمان، والعادات، والسياسة، والهوية، والصداقات، وكل ما تنطوي عليه هذه التعريفات الجديدة. لكن، لا شكّ في أنّ بعض العلاقات يصعب تبديلها. وتظهر بعضها في مراحل عشوائيةٍ من حياتنا لتدفعنا إلى إعادة النظر فيها. هل تصالحتِ مع صديق أو صديقة الطفولة الشرير؟ هل سامحتِ المدينة التي حضنَت المتنمرّين عليك؟ هل أصبحتِ أكثر ارتياحًا مع مظهرك الخارجي، مقارنةً بما كان عليه في السابق؟ هل تمكنتِ من بناء صلةٍ بالإيمان تتخطى التديّن والممارسات المفروضة؟ هل ما زلتِ تصومين اليوم بعد أن انتقلتِ من مسقط رأسكِ للعيش في إحدى المدن "المتأثرة بالغرب"؟

إنّ إعادة النظر ببعض العلاقات أكثر إلحاحًا وإصرارًا من غيرها، كعلاقتي مع الصيام مثلًا. لقد كان شهر رمضان اللحظة المعرقِلة الأطول التي فرضَت نفسها ودفعَتني إلى إعادة النظر بعلاقتي مع الإيمان والتقاليد: 30 يومًا كاملًا من الرسائل التذكيرية القاسية.

لا بدّ أن أعترف أنّني لم أغُصْ في رحلةٍ مشوّشةٍ من التأمّل الذاتي وإعادة النظر في موقفي من الصيام. ولم أُجبر على تبرير خياراتي علنًا في حال أردتُ أم لم أرِد أن أصوم. كل ما في الأمر أن هذا الشهر يوقظ شعوري بالحنين. أعاني من حالة عدم ارتياح غريبةٍ في كل مرةٍ أرى فيها منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي لأشخاصٍ (ما زالوا) يعيشون تفاصيل هذا الشهر: الجمعات العائلية، وموائد الإفطار، والزينة الرمضانية. حتى أنني في بعض الأحيان أحسد مَن يقطنون مدنًا لا تزال تعيش أجواءً رمضانيةً كتلك التي نشأتُ فيها. في شهر رمضان، غالبًا ما ينتابني شعورٌ غريبٌ بالفقدان خاصٌّ بهذا الشهر، وأشعر كأنني استُبعِدت من تقليدٍ عايشته لأكثر من 20 عامًا من حياتي. لماذا يؤدي قرار الشخص بالتوقف عن الصيام إلى تعزيز إحساسه/ا بعدم الانتماء إلى الجماعة؟ وهل يقوّض عيشها في الغربة قدرته/ا على الاحتفاظ بالألفة الخاصة بهذا الشهر؟ ما زلتُ أريد أن أتناول حلوى الشوكولا عند السحور، وأقطع واحاتٍ خلسةً مع والدي، وأسرق الخوخ المجفف لتناوله على مائدة الإفطار. وما زلتُ أريد أن أُدعى إلى تلك الجلسات الكبيرة في أمسيات رمضان، وما زلتُ أريد التبضّع وشراء ثياب جديدة للعيد في النصف الثاني من الشهر.  

لماذا يؤدي قرار الشخص بالتوقف عن الصيام إلى تعزيز إحساسه/ا بعدم الانتماء إلى الجماعة؟ وهل يقوّض عيشها في الغربة قدرته/ا على الاحتفاظ بالألفة الخاصة بهذا الشهر؟

لطالما كان شهر رمضان بمثابة دليلٍ سنوي على الروح الجماعية والتجارب المشتركة، والتحوّل الفريد من نوعه في الفضاء الجغرافي الذي كنّا نقطنه. وبما أنه لم يعُد لهذه الجوانب أي وجودٍ في حياتي، أولًا في بيروت والآن في دبي، أصبح الصيام عبارةً عن محاولةٍ بائسةٍ للانتماء إلى مكانٍ وزمانٍ لا يتلائمان وحياتي الحالية: حياةٌ فردانية، كما وصفَتها صديقةٌ لي، مقتلَعةٌ من جذورها، وتزداد غرابةً في كل مرةٍ ننتقل فيها بين المدن تاركين وراءنا أجزاءً منّا هنا وهناك. اعترفتُ بذلك لأختي وعبّرتُ عن فقدان الصيام معناه بالنسبة لسياق حياتي، وكم أتمنى لو لم أعِش شعور الفقدان هذا. وفي أثناء محاولاتها التلطيف من حدّة ذلك الشعور والتفكير بطرقٍ لحفظ الجزء الصغير الذي تبقّى والذي سمَّته "الخيط الرابط بالجذور"، اقترحَت عليّ أن أقيم إفطارًا لأصدقائي، وأن أشتري العطور والبخور التي تذكّرني رائحتُها برائحة شهر رمضان، وأن أشتري ملابس جديدةً لاستقبال العيد كما كنتُ أفعل عندما كنتُ طفلة. لكنّي مقتنعةٌ بأنّ أيّ محاولةٍ لإعادة إحياء تقليدٍ أو ممارسة طقسٍ من طقوسه بمفردي، وأنا بعيدةٌ ومقيمةٌ في مدينة المولات ومحطات المترو المكيّفة، لن تكون سوى محاولة بائسة لخلق شعورٍ جَبري بانتماءٍ لم يعد موجودًا. لكنني في نهاية الأمر وعدتُها بأن أجهّز طبقًا أو اثنين، وأن اشتري فانوسًا رمضانيًا لإحياء الشهر. أتمنى أن أعثر على أحد تلك الفوانيس في طيّات صفحات أمازون على الإنترنت!

 

 

  • 1 يقع في قابس أكبر مجمع للمواد الكيميائية في تونس للأعوام الخمسين الأخيرة. وتُعتبر قابس من بين أكبر مصنعي الفوسفات عالميًا. وقد كان لذلك أثر هائل على البحر بسبب المواد السامة التي تُنشر في البحر والهواء ما يؤثر على صحة السكان. وكانت أحدث موجة تلوثٍ واجهها سكان المنطقة هي حادثة غرق السفينة التي تحمل الوقود قبالة ساحل قابس.
  • 2يُفضّل تناول عددٍ فردي من حبات التمر، وذلك بحسب تعاليم النبي محمد. قد يُعتبر العدد 7 ضربًا من ضروب المبالغة، لكن هل تذوقتم أفضل التمور التونسية، دقلة النور؟
  • 3السلطة المشوية طبقٌ تونسي يتألف من الخضراوات المشوية المطحونة والممزوجة بالزيت، ويُضاف إليه التونة المعلّبة التي تمثل اللمسة التونسية الخاصة.
  • 4في خلال أيام الدورة الشهرية، تُعفى المرأة من الصيام على أن تعاود صوم العدد نفسه من الأيام قبل حلول رمضان في العام التالي، تعويضًا عن تلك الأيام.

ألفة السعداوي

ألفة السعداوي مستشارة في القطاع العام وكاتبة. انتقلَت من قابس، بتونس، إلى لبنان عام 2016 حيث أمضت 5 سنواتٍ في بيروت، قبل أن تنتقل إلى دبي حيث تقيم حاليًا. تتمحور كتاباتها حول المدن، وحالة الفقدان، والهوية، والانتماء، وغيرها من المواضيع ذات الصلة.

إضافة تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.